تلاشى صوت صرير عجلات العربة المتهالكة تدريجياً، غاص في زحام الرياح العاوية حتى انقطع تماماً. ومع انقطاعه، شعرتُ وكأن خيط الحياة الأخير الذي يربطني بالعالم المتحضر قد بُتر بمقصٍ صدئ. وقفتُ وحيداً، أو بالأحرى، كنتُ أترنح وحيداً أمام بوابة قلعة "حدود الهاوية".

لم تكن قلعة كما تخيلتها في الرواية؛ كانت أقرب إلى شاهد قبر عملاق من الحجر الرمادي المتآكل، تلتصق بحافة جبل شاهق كأنها طرفٌ ميت يحاول التشبث بالحياة. الثلج هنا لا يسقط بهدوء، بل يهبط كشظايا زجاجية صغيرة مدببة، تمزق الجلد الشاحب وتستقر في الجروح المفتوحة لترفع وتيرة الألم إلى مستويات لم أظن أن بشرياً يمكنه احتمالها.

نظرتُ إلى الحقيبة القماشية التي ألقاها الحارس تحت قدمي باحتقار. كانت مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد في ثوانٍ معدودة. انحنيتُ لألتقطها، فخانني كاحلي المشرخ، وسقطتُ على ركبتي فوق الثلج القاسي. صرختُ، لكن صوتي لم يتجاوز حدود شفتي؛ البرد كان قد جمد الهواء في حنجرتي.

"تباً..." همستُ، واللعاب المر يمتزج بطعم الحديد في فمي.

فتحتُ الحقيبة بيدين زرقاوين بدأتا تفقدان الحس. محتوياتها كانت سخرية واضحة من والدي: ثلاث قطع من الخبز اليابس الذي يشبه الحجر، سيف قديم نصله متآكل وأكله الصدأ، ولفافة سحرية واحدة للتدفئة تلمع بضوء برتقالي خافت، كأنها عين وحش تراقبني بسخرية. لفافة واحدة لسنة كاملة في مكان تنخفض فيه الحرارة إلى ما تحت الصفر بمرات مضاعفة.

> [تنبيه: لقد دخلت منطقة "حدود الهاوية" - نطاق الموت البارد]

> [درجة الحرارة المحيطة: -18 مئوية]

> [حالة المضيف: وهن عضلي، شروخ عظمية، بداية تجمد الأطراف]

>

نظرتُ إلى البرج الصخري الذي يبعد عني نحو مئة متر. مئة متر كانت تبدو في حالتي هذه وكأنها رحلة عبر القارة. بدأتُ الزحف. نعم، لم أكن أمشي، بل كنت أجر جسدي جراً. كلما احتك رداي الخفيف بالثلج، شعرتُ بالبرودة تتسرب إلى عظامي، تبحث عن تلك "النواة المشوهة" في صدري لتمزقها.

لماذا لم أستخدم اللفافة السحرية؟

كانت يدي تلامسها داخل الحقيبة كل ثانية. كان بإمكاني تمزيقها الآن، وسأشعر بدفء ربيعي يحيط بي لعدة ساعات، سأتمكن من المشي بدلاً من الزحف. لكنني عرفتُ، من خلال قراءتي لآلاف الفصول، أن "الراحة الأولى هي الخطوة الأولى نحو القبر". إذا استهلكتُ وسيلة نجاتي الوحيدة الآن، فماذا سأفعل عندما تبدأ العواصف الحقيقية في الشهر الثالث؟

وصلتُ إلى بوابة القبو السفلي للبرج بعد ما بدا وكأنه دهر. كانت البوابة الحديدية ثقيلة، مغطاة بطبقات من الصدأ والجليد. دفعتها بكل ما أوتيت من قوة، فخرج صريرٌ حاد كأنه صرخة روح معذبة. في الداخل، كان الظلام دامساً، ورائحة العفن والرطوبة تختلط برائحة "المانا الراكدة".

بمجرد أن استندتُ إلى الحائط الداخلي البارد، انبثقت شاشة النظام الحمراء، تومض بجنون أمام عيني الغائرتين.

> [مهمة طارئة: ترويض الهاوية]

> [الوصف: المكان مشبع بـ "مانا الجليد" التي تمتص الطاقة الحيوية من الكائنات الضعيفة. أنت الآن وقود لهذا المكان.]

> [الهدف: موازنة "الرنين" داخل جسدك للبقاء على قيد الحياة لمدة 6 ساعات متواصلة دون الاستعانة بمصدر حرارة خارجي.]

> [تحذير: أي انخفاض في التركيز سيؤدي إلى تجمد الدورة الدموية فوراً.]

> [المكافأة: استقرار المسارات بنسبة 1% + لقب "المتجلد".]

>

"ست ساعات؟" ضحكتُ بيأس، وسعلتُ بقوة فخرجت بقع دم صغيرة تناثرت على الثلج الذي علق بحذائي. "أنا بالكاد أتنفس، وأنت تطلب مني أن أكون مدفأة بشرية؟"

جلستُ في زاوية القبو، متربعاً بوضعية الجنين لأحافظ على ما تبقى من حرارة جسدي. وضعتُ اللفافة السحرية أمامي مباشرة، لتكون بمثابة اختبار لإرادتي. كان عليّ أن أختار: إما الدفء السهل والموت لاحقاً، أو الألم المبرح والنجاة المحتملة.

أغمضتُ عينيّ، وبدأتُ أركز على تلك الطاقة الغريبة التي أيقظتها في الساحة. "الرنين". لم يكن الأمر سهلاً هذه المرة. في الساحة، كان الأدرينالين والخوف من رين هما المحركين. أما الآن، فالمحرك هو الموت الصامت البطيء.

حاولتُ استدعاء المانا من نواتي المشوهة. شعرتُ بها؛ كانت خشنة، غير منتظمة، كأنها رمال حادة تجري في عروقي بدلاً من السائل. بدأتُ أدفعها لتصطدم بإرادة السيف الكامنة في خلايا جسدي.

"آآآآآغ!"

انفجرت صرخة مكتومة من بين أسناني التي اصطكت بقوة لدرجة أنني خشيتُ تحطمها. الألم لم يكن يشبه أي شيء وصفه المؤلف في الرواية. كان الأمر وكأن آلاف الإبر الساخنة تُغرز في أعصابي، وفي الوقت نفسه، كان البرد يهاجم جلدي من الخارج. صراع بين نار داخلية وجليد خارجي، وأنا كنتُ الساحة التي تدور فيها هذه الحرب.

بدأ ضوء باهت، مائل للزرقة، يخرج من مسام جلدي. "نزيف المانا". كان جسدي يسرب الطاقة لأنه غير قادر على احتوائها. كان عليّ أن أضبط التردد. تذكرتُ فقرة جانبية في الفصل الـ 200 من الرواية تتحدث عن "انسجام العناصر".

«المانا ليست سائلًا يُضخ، بل هي نغمة يجب أن تتوافق مع نبض القلب.»

بدأتُ أبطئ أنفاسي. شهيق.. زفير.. شهيق..

مع كل نبضة قلب، كنتُ أحاول مزامنة دفق المانا.

الساعة الأولى كانت جحيماً. شعرتُ أن أطرافي لم تعد ملكي. يديّ أصبحتا قطعاً من الخشب الميت، وعقلي بدأ يغرق في ضباب أسود لذيذ.. كان النوم يناديني، نومٌ أبيض ناعم يعدني بانتهاء الألم.

"لا.." تمتمتُ وعضضتُ على شفتي بقوة حتى انبثق الدم الحار. "إذا نمتُ الآن.. فلن أستيقظ أبداً."

استخدمتُ ألم الجرح في شفتي كمراساة للبقاء في الواقع. رفعتُ وتيرة الرنين قليلاً. فجأة، شعرتُ بحرارة ضئيلة تنبعث من صدري وتنتشر ببطء نحو كتفيّ. لم تكن حرارة كافية للشعور بالراحة، لكنها كانت كافية لمنع دمي من التحول إلى بلورات جليد.

في تلك اللحظة، وسط سكرات الألم والتركيز المطلق، شعرتُ بشيء غريب. لم أكن وحدي.

رغم الظلام، ورغم أنني كنت في قبو مغلق، إلا أن "حاسة الرنين" الناشئة لديّ التقطت تردداً غريباً من الأعلى.

نظرة.

نظرة باردة كالموت، خالية من أي شفقة، لكنها كانت مشبعة بـ "نية قتل" خفيفة جداً، بالكاد تُلحظ.

«سيراف..»

عرفتُ أنه هو. والدي لم يرسله ليحميني، بل أرسله ليكون "شاهد عيان" على فشلي. كان يقف في مكان ما فوق أسوار القلعة المهدمة، يراقبني وأنا أصارع التجمد، وربما كان يده على نصل خنجره، مستعداً لإنهاء معاناتي إذا سقطتُ في "النوم الأبيض" ليختصر الطريق.

هذه الفكرة لم تحبطني، بل أشعلت بداخلي غضباً بارداً.

"تريد رؤيتي وأنا أنكسر؟" فكرتُ وأنا أضغط على المانا بقوة أكبر. "إذن سأريك شيئاً لم يكتبه حتى مؤلفك اللعين."

مرت الساعات الثانية والثالثة والرابعة. تحول الألم من "حاد" إلى "خدر مستمر". لم أعد أشعر بجسدي، كنت أشعر فقط بالتردد الذي يدور بداخلي. بدأت جدران القبو المهدمة تظهر أمامي بوضوح رغم الظلام؛ ليس لأن عينيّ اعتادتا الظل، بل لأن الرنين بدأ يمنحني "رؤية طاقة" أولية.

رأيتُ كتابات قديمة محفورة على أحجار الجدار السفلي.

«هنا يرقد من نساهم الزمن.. ولفظتهم عائلة فالورين.»

«البرد هو الحقيقة الوحيدة.»

كانت هذه كتابات المستبعدين السابقين. أولئك الذين نُفوا هنا وماتوا وحيدين. لم يكونوا يملكون "نظاماً"، ولم يكونوا يعرفون المستقبل. شعرتُ برابطة غريبة معهم، وصممتُ ألا يكون اسمي هو المحفور التالي على هذه الجدران.

عندما اكتملت الساعة السادسة، رنّ صوتٌ معدني في عقلي، كان أجمل صوت سمعته في حياتي.

> [تمت المهمة بنجاح!]

> [المكافأة: استقرار مسارات المانا: 1.1% (تم تقليل خطر التمزق العضلي)]

> [لقد اكتسبت اللقب: "المتجلد" (المستوى 1)]

> [تأثير اللقب: مقاومة طبيعية للبرد بنسبة 5% - ثبات ذهني عند الألم الحاد]

>

انقطع الرنين فجأة، وسقطتُ على الأرض لاهثاً، أرتجف بعنف كأنني مصاب بنوبة صرع. رد الفعل العكسي لتوقف الطاقة كان مؤلماً، لكنني كنتُ حياً.

نظرتُ إلى اللفافة السحرية التي لا تزال سليمة، تلمع بضوئها البرتقالي بجانبي. لم ألمسها.

سحبتُ الحقيبة، وأخرجتُ قطعة من الخبز اليابس. بدأتُ أمضغها ببطء، رغم أنها كانت تجرح لثتي، لكنني كنت بحاجة إلى أي طاقة كيميائية لجسدي.

فجأة، تناهى إلى سمعي صوت عواء بعيد. لم يكن عواء ذئب عادي، بل كان يحمل رنيناً معدنياً مرعباً.

"ذئاب الثلج المرصعة.." همستُ، مستذكراً وحوش هذا النطاق. "إنها تشم رائحة دمي المتسرب من الرنين."

نظرتُ إلى السيف الصدئ الملقى بجانبي. لم يكن سلاحاً يعتمد عليه، لكنه كان كل ما أملك.

جلستُ مسنداً ظهري إلى الحائط، والسيف في حجري، واللفافة السحرية في جيبي. البرد لا يزال موجوداً، والألم لا يزال ينهش جسدي، لكن عينيّ لم تعدا ذابلتين.

لقد نجوتُ من الليلة الأولى في "حدود الهاوية".

سنة واحدة.. 365 يوماً من هذا الجحيم.

أغمضتُ عيناً واحدة، وأبقيت الأخرى تراقب مدخل القبو، منتظراً الفجر الذي قد لا يأتي أبداً، لكنني كنت مستعداً لاستقباله بأي ثمن.

2026/02/24 · 8 مشاهدة · 1251 كلمة
الصاقل.
نادي الروايات - 2026