استيقظتُ في لحظة مبهمة بين الفجر والصباح، حين يكون العالم غارقاً في لون رمادي باهت لم يكن استيقاظاً سهلاً كما يظن البعض، بل كان صراعاً طويلاً لفتح جفوني التي التصقت ببعضها بسبب الصقيع والدموع الجافة. كان الصمت في قبو قلعة "حدود الهاوية" ثقيلاً لدرجة أنني استطعتُ سماع نبضات قلبي الضعيفة وهي تدفع الدم ببطء شديد عبر عروقي المتصلبة.
لم أتحرك فوراً. بقيتُ مستلقياً على الأرض الحجرية الباردة، محدقاً في السقف العالي حيث كانت شقوق الحجر ترسم خرائط منذ الاف السنين. شعرتُ بجسدي وكأنه قطعة من الخشب الميت؛ لم يعد الألم حاداً كما كان في الليلة الماضية، بل تحول إلى ثقلٍ يلف كل مفصل من مفاصلي.
«أنا لا أزال حياً..»
همستُ بهذه الكلمة داخلي، ولم أجرؤ على نطقها بصوت عالٍ خشية أن يكسر صوتي هيبة الصمت الذي يحوم المكان. حاولتُ تحريك أصابع يدي اليمنى، وشعرتُ بوخز خفيف، كأن آلاف النمل الصغير يمشي تحت جلدي. كان هذا تأثير لقب [المتجلد] الذي منحه لي النظام. لم أعد أرتجف بعنف، بل كان جسدي قد دخل في حالة من "السكون "، نوع من التوازن الهش بين حرارتي الداخلية وبرودة المكان.
رفعتُ يدي أمام عينيّ في الضوء الشاحب. كانت الزرقة قد تراجعت قليلاً، لكن ما لفت انتباهي هو تلك الخطوط الدقيقة التي بدأت تظهر تحت الجلد، خطوط تميل للون الفضي الباهت، تتفرع من معصمي وتختفي تحت كُم رداي الممزق. كانت هذه آثار "الرنين". لقد بدأ دمج السحر والسيف يغير كيمياء جسدي، يعيد رسم مسارات الطاقة في أماكن لم تكن موجودة من قبل.
«الثمن بدأ يُدفع بالفعل،» فكرتُ بمرارة. «هل النظام يقوم بااصلاحي حقا؟
زحفتُ ببطء حتى استندتُ بظهري إلى الجدار. كانت حركة بسيطة، لكنها استنزفت كل ما تبقى من طاقتي. أخرجتُ الحقيبة القماشية، ونظرتُ إلى "كنوزي": قطعتان من الخبز اليابس، والسيف الصدئ، واللفافة السحرية التي حافظتُ عليها كأنها قطعة من روحي.
قررتُ أن يكون هذا اليوم مخصصاً لـ "الاستكشاف ". لن أخرج من القبو، ولن أبحث عن قتال. جسدي كان عبارة عن حطام، وإذا لم أقم بااصلاح هذا الحطام بذكاء، فإن السنة التي وعدتُ والدي بها ستنتهي في أسبوعها الأول.
فتحتُ واجهة النظام، وهذه المرة لم أكن أبحث عن مهمة، بل كنت أغوص في تفاصيل "إحصائياتي" التي تجاهلتها وسط ذعري السابق.
> [المضيف: كايل فالورين]
> [الحالة الجسدية: مستقرة نسبياً (32%)]
> [استقرار مسارات المانا: 1.1%]
> [تطور الرنين: 0.12%]
> [الملاحظة: الجسد يمر بمرحلة "التكيف القسري". يوصى بتقليل الحركة المفاجئة لضمان التحام الأنسجة.]
>
«واحد بالمئة فقط من الاستقرار..» تنهدتُ، والبخار يخرج من فمي بكثافة. «رين، بطل الرواية الجانبي الذي هزمته، يمتلك استقراراً في هالته يتجاوز الـ 80%. أنا الآن أسير على خيط رفيع فوق هاوية، وأي خطأ في استخدام القوة سيمزق عروقي قبل أن يمزق عدوي.»
بدأتُ بجولة استكشافية داخل القبو، زاحفاً ومستنداً إلى الجدران. كان المكان أكبر مما ظننت. في الزوايا المظلمة، وجدتُ بقايا أثاث خشبي تحول إلى تراب، ودروعاً قديمة غطاها الصدأ حتى فقدت شكلها. كانت هذه القلعة "حدود الهاوية" هي المنفى التاريخي لفاشلي عائلة فالورين.
في زاوية بعيدة، تحت كومة من الحجارة المتساقطة، وجدتُ شيئاً أثار اهتمامي. كان مقبضاً لسيف مكسور، لكنه لم يكن مصنوعاً من الحديد العادي. كان بارداً بشكل غير طبيعي، حتى بالنسبة لهذا المكان. عندما لمسته، شعرتُ برنين ضئيل في صدري، نبضة خفيفة تجاوبت مع طاقة السيف المكسور.
«هذا المكان اغرب مما توقعت،» أدركتُ فجأة. «المانا هنا ليست عشوائية. إنها تتدفق بنمط دائري حول البرج.»
تذكرتُ ملاحظة صغيرة للمؤلف في "الآرك الخامس" من الرواية الأصلية، حين تحدث عن "نقاط التقاء العناصر". حدود الهاوية كانت تُعرف بكونها نقطة ضعف في نسيج العالم، حيث تتسرب مانا الجليد الخام من أبعاد أخرى. لهذا السبب كان البرد قتّالاً، ولهذا السبب أيضاً.. كانت المكان المثالي لتدريب "الرنين". الرنين يتطلب ضغطاً خارجياً هائلاً لدمج القوى المتنافرة، وهذا البرد هو الضغط المثالي.
عدتُ إلى مكاني الأول، وشعرتُ بالجوع ينهش أحشائي. أخذتُ قطعة من الخبز اليابس، وحاولتُ قضمها، لكنها كانت بصلابة الصخر. نظرتُ إليها، ثم ركزتُ قليلاً من "الرنين" في باطن كفي. لم يكن هجوماً، بل كان محاولة لتوليد ذبذبات حرارية بسيطة.
بدأتُ أشعر بالحرارة تتصاعد ببطء بين أصابعي. كان الأمر يتطلب تركيزاً ذهنياً مرهقاً؛ إذا زادت القوة، سيتحول الخبز إلى رماد، وإذا نقصت، لن يحدث شيء. بعد دقائق من العرق البارد الذي تصبب من جبيني رغم الجو المتجمد، بدأ الخبز يلين قليلاً. أكلتُه ببطء شديد، متلذذاً بكل ذرة طاقة تدخل جوفي.
شربتُ قليلاً من الثلج المذاب الذي جمعتُه في خوذة قديمة وجدتها. كان طعم الماء معدنياً وحاداً، لكنه أيقظ عقلي تماماً.
بينما كنتُ أجلس في هذا السكون، شعرتُ بذلك الإحساس مجدداً. النظرة.
لم تكن نظرة عدائية م، بل كانت نوع من مراقبة ، كأن هناك من يسجل ملاحظات على كل نفس أتنفسه.
«سيراف.. أنت لا تزال هناك.»
رفعتُ رأسي نحو الشقوق العالية في السقف، وقلتُ بصوتٍ خافت، أجش، لكنه ثابت:
"أعلم أنك ترى هذا الخرده الان، يا ظل والدي. أخبره.. أن الشخص الجبان الذي رفضه العالم، سوف يصبح الأقوى فقط انتظروا ."
لم يأتِ رد، ولم أتوقع واحداً. لكنني شعرتُ ببرودة الهواء تتغير طفيفاً، كأن الشخص المراقب قد تحرك من مكانه.
قضيتُ بقية اليوم في "ترميم" قنواتي. كنتُ أجلس لساعات، مغمض العينين، أراقب تدفق المانا في جسدي عبر شاشة النظام. كنتُ أحاول يدوياً "رتق" التمزقات الصغيرة في عضلاتي باستخدام طاقة الرنين اللطيفة. كان عملاً بطيئاً، مملاً، ومؤلماً، لكنه كان ضرورياً.
مع اقتراب الليل مرة أخرى، لم أعد ذلك الشخص المذعور الذي وصل بالأمس. كنتُ لا أزال محطماً، نعم. كنتُ لا أزال ضعيفاً ومشرداً، نعم. لكنني بدأتُ أمتلك شيئاً لم يمتلكه كايل السابق قط: "الارتباط بالواقع".
لقد فهمتُ الآن أن النجاة في هذا العالم لا تعني امتلاك أقوى سيف، بل تعني امتلاك "أقوى قدرة على التحمل".
نظرتُ إلى الأفق من خلال نافذة ضيقة ومرتفعة. الرياح بدأت تعوي مجدداً، والليل الشمالي القاسي بدأ يسدل ستاره الأسود. لم يعد الخوف يسيطر عليّ، بل حل محله نوع من "الهدوء الجليدي".
«هذا هو اليوم الثاني من الـ 365 يوماً،» فكرتُ وأنا أغمض عينيّ لأستريح، مستعداً لممارسة الرنين مجدداً في نومي ليظل جسدي دافئاً. «اليوم، رممتُ القليل . غداً.. سأكمل رحلتي ببناء الباقي.»
سقطتُ في نوم عميق، رامياً نفسي على الارضيه الحجريه المتصلبه لم يكن افضل شيئاً للنوم لكن كنت احتاجها وبشده.