لم يستيقظ عقلي أولاً، بل استيقظت حواسي على لسعة الصقيع التي كانت تنهش أطراف أذني كأنها أسنان صغيرة منالزجاج .
فتحتُ جفنيّ، فشعرتُ بتمزقٍ طفيف في الجلد الرقيق المحيط بعيني، استغرق الأمر ثوانٍ من الرمش المؤلم حتىاستعدتُ الرؤية .
حاولتُ تحريك أصابع يدي اليمنى، فسمعتُ صوت طقطقة مفاصل أصابعي بوضوح مرعب في هذا السكون . كانالصوت يشبه تكسر أغصان يابسة تحت قدمين عابر سبيل . لم يعد البرد مجرد شعور خارجي، بل شعرتُ به يتدفقداخل عروقي كزيتٍ لزج وبارد، يبطئ نبضات قلبي .
رفعتُ يدي أمام وجهي . في هذا الضوء الشاحب، بدت بشرتي بلونٍ أزرق باهت، لكن تحت ذلك الشحوب، كانت هناك"الخطوط الفضية" تتوهج بنبضٍ خافت ومتقطع كلما حاولتُ استجماع رنيني .
> [ المضيف : كايل فالورين ]
> [ الحالة : تصلب الأنسجة (مرحلة التكيف) ]
> [ استقرار المانا : 2.3%]
> [ الملاحظة : الهواء يحتوي على مانا جليدية خام . كل شهيق يمزق رئتيك .]
أغلقتُ واجهة النظام لم اكن احتاج ارقامًا تخبرني أنني اقتل . سحبتُ جسدي عن الأرض الحجرية التي امتصت حرارتيبجشع . أمسكتُ بالسيف الصدئ؛ كان مقبضه الجلدي المهترئ يغرز أليافه في باطن كفي . خرجتُ من القبو، وكانصدى خطواتي يرتد من الجدران الضيقة .
الممرات في الطابق الأرضي كانت أوسع، لكنها أكثر وحشة . بدأتُ أرى النقوش على الجدران؛ كلمات نُبشت بأظافربشرية في لحظات النزع الأخير، مغطاة بغبار مضى عليه قرون . تابعتُ السير حتى انفتح الممر على قاعة كبرى، سقفهاالمهدم يسمح لرقائق الثلج بالهبوط ببطء .
وفي قلب هذا الحطام، برز جدارٌ من حجر "السج" الأسود . كان الجدار صامداً، لا شق فيه باستثناء "ندبة" واحدة فيمركزه؛ شقٌ رأسي، مستقيم، ونظيف لدرجة أنه بدا وكأن شخصاً قد فعلها بدقه . وضعتُ سبابتي في ذلك الشق، وفورملامستي لقعره، انفجر "الرنين" في نخاعي . كانت تلك بقايا احد السيافين المنفيين حاولت التكلم معه .
لكن قرقرة معدتي أعادتني للواقع . الجوع بدأ ينهش أحشائي . نظرتُ نحو البوابة المحطمة المؤدية للخارج . هناك،خلف المنحدر الصخري الزلق، كانت تمتد "غابة العويل" .
كانت الأشجار هناك تبدو كأصابع عملاقة سوداء، جذوعها متفحمة بفعل البرد وأغصانها ملتوية بشده . يلف الغابةضباب فضي دائم كان ذلك غبار مانا متجمد يقلل الرؤية ويخنق الأصوات .
« يجب أن آكل .. أو سأموت وأنا أحدق في هذا الجدار .»
سحبتُ جسدي المنهك نحو الخارج . بمجرد خروجي، ضربت الرياح وجهي كالسياط . غصتُ في الثلج، وكل خطوةكانت تستنزف طاقتي . وصلتُ إلى أطراف الغابة، حيث الأغصان المغطاة بالجليد تصطدم ببعضها لتصدر صوتاً يشبهعويلاً بعيداً . كنتُ أبحث عن أي شيء للأكل.
توقف كل شيء فجأة . العصافير صمتت، وضغط المانا ارتفع لدرجة الاختناق . من خلف شجيرة سوداء، خرج "ذئبالثلج ذو القرون" .
كان وحشاً ضخماً، فراؤه أبيض كالجليد وعيناه تلمعان بوهج أزرق قاتل . قرونه الكريستالية كانت تنبثق منها هالةبرودة جعلت الهواء حولي يتجمد فعلياً . زأر الذئب زئيراً اهتزت له عظامي، ثم انطلق نحوي بسرعة لم تستوعبهاعيناي .
بفضل غريزة الخوف، ألقيتُ بجسدي جانباً، فشعرتُ بمخالبه تمزق الهواء بجانبي .
« سأموت حتماً !»
لم أفكر في القتال . أطلقتُ كل الرنين المتبقي في ساقي بصورة فوضوية ومؤلمة . انطلقتُ عائداً نحو بوابة القلعة،وأنا أسمع صوت ارتطام مخالب الذئب بالأرض خلفي تماماً . كنتُ أشعر بأنفاسه الباردة تلامس ظهري .
لمحتُ شق الجدار الأسود من بعيد عبر البوابة . في تلك اللحظة، ارتميتُ داخل الحصن، وتدحرجتُ فوق الحطاموالدم يسيل من جروحي . توقف الذئب عند عتبة البوابة، وراح يزمجر بغضب، لكنه لم يخطُ خطوة واحدة للداخل،وكأن هناك حاجزاً غير مرئي يمنعه من دخول منطقة "المنفيين" .
بقيتُ مستلقياً، ألهث بعنف، والدموع تسقط بغزاره . نظرتُ إلى يدي .. كانت فارغة .
لقد سقط سيفي الصدئ أثناء الهروب المشين .
نظرتُ إلى جدار السياف ، ثم إلى الغابة السوداء في الخارج . لقد فهمتُ الآن .. حدود الهاوية تمنع اي شيء من الدخول اليه،اي اني امن في هذا المكان.
أغمضتُ عينيّ وسط القاعة الباردة، والجوع يمزقني، والذئب يزأر في الخارج، خسرت كل شيء لكن ليس علي الاستسلام بتلك السهوله.