1 - لقاء في أعماق الغابة

كان آسر في الثامنة من عمره حين بدأت القصة.

في ذلك الصيف، أرسله والداه لقضاء العطلة في مزرعة جده الواقعة عند أطراف غابةٍ قديمة، غابةٍ كانت أشجارها شاهقة حتى إن أشعة الشمس بالكاد تنفذ بين أغصانها الكثيفة.

كان يقضي أيامه في اللعب مع أبناء عمومته بين الحقول والإسطبلات، غير آبهٍ بشيء سوى اللهو والمغامرة.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كان يركض خلفهم ضاحكًا، لمح شيئًا غريبًا بين الأشجار.

لم يكن سوى ظلٍ عابر.

ظهر للحظة واحدة خلف جذع شجرة، ثم اختفى.

توقف آسر في مكانه.

حدّق نحو الغابة محاولًا التأكد مما رآه.

كان متيقنًا أن أحدًا كان هناك.

لكن حين التفت إلى أبناء عمومته ليسألهم، وجدهم منشغلين باللعب ولم يلحظوا شيئًا.

حاول تجاهل الأمر في البداية، إلا أن الفضول استقر في قلبه.

وبعد دقائق قليلة، وبينما انشغل الجميع، تسلل بهدوء نحو الغابة.

خطوة بعد أخرى، أخذ يبتعد عن أصوات الضحكات حتى اختفت تمامًا.

لم يبقَ سوى حفيف الأوراق وهمسات الرياح الباردة.

ثم رأى الحركة مجددًا.

شيء صغير مرّ بين الأشجار.

أسرع خلفه دون تفكير.

تجاوز عدة شجيرات وأغصان متشابكة، ثم توقف فجأة.

اتسعت عيناه دهشة.

هناك، عند جذور شجرة ضخمة، كان يقف مخلوق لم يرَ مثله قط.

بدا في حجم طفل صغير.

له شعر فضي طويل ينسدل على كتفيه، وأذنان طويلتان مدببتان تبرزان من بين خصلات شعره.

أما أكثر ما أثار دهشة آسر، فكان الجناح الصغير الممتد من ظهره.

جناح واحد فقط.

بينما بدا موضع الجناح الآخر فارغًا، كأن نموه لم يكتمل قط.

ساد الصمت بينهما.

حدّق كل منهما في الآخر وكأنهما يشاهدان شيئًا مستحيلًا.

وأخيرًا، كسر آسر الصمت قائلًا:

— من أنت؟

ارتجف المخلوق قليلًا وتراجع خطوة إلى الخلف.

ثم اتسعت عيناه على نحو مفاجئ.

وكأن سؤال آسر لم يكن أغرب ما حدث.

رفع يده الصغيرة نحوه وهمس بصوت يكاد لا يُسمع:

— هل... تستطيع رؤيتي؟

عقد آسر حاجبيه باستغراب.

— بالطبع أستطيع رؤيتك، أنت تقف أمامي!

ازداد ذهول المخلوق.

وبدا كأنه غير مصدق لما يسمعه.

ظل يحدق في آسر لثوانٍ طويلة قبل أن يتمتم:

— هذا مستحيل... لا ينبغي لأي إنسان أن يراني.

بعد برهة من الصمت نطق المخلوق:

— اسمي إيلار ...

ثم صمت لبرهة قبل أن يضيف:

— إن كانوا قد وجدوني، فسيجدونك أنت أيضًا.

فيستغرب آسر ويقول:

— من هم؟

لكن قبل أن يجيبه، يسمعان صوتًا غريبًا بين الأشجار...

صوت شيء ضخم يتحرك.

فتتجمد ملامح الإلف فجأة، ويهمس بخوف:

— اهرب... إنهم هنا.

وفي تلك اللحظة، لم يكن آسر يعلم أن لقاءه بذلك المخلوق الصغير لن يغير حياته فحسب...

بل سيجعله جزءًا من أسرارٍ دفنتها الأزمنة منذ آلاف السنين. ✨📖

2026/06/15 · 6 مشاهدة · 404 كلمة
نيفارا
نادي الروايات - 2026