.......

هدأ وميض الضوء الفضي تدريجياً، ليحل محله صمت مطبق. تراجعت الظلال مخلفة وراءها أشجاراً متفحمة وأرضاً يكسوها الرماد.

سقط إيلار على ركبتيه، أنفاسه متلاحقة وجناحه الصغير الوحيد يرتجف بضعف، بينما تحول بريق عينيه إلى خفوت ملحوظ. ارتمى آسر بجانبه والخوف يشل حركته، لم يدرِ ماذا يفعل أو كيف يستوعب ما حدث للتو.

وفجأة، اخترق صوت خطوات هادئة وقوية سكون المكان. التفت آسر بذعر، ليرى جده يتقدم نحوهما من بين الأشجار، ملامحه لم تكن تحمل المفاجأة، بل كان ينظر إليهما بأسى وعمق، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.

ولم يتكلم الجد بكثير من الكلمات؛ بل انحنى نحو إيلار المنهك، ووضع يده على كتفه الصغير. في تلك اللحظة، بدأت هالة دافئة أشبه بنار العنقاء تحيط بجسد إيلار، ليتراجع جسده وينكمش تدريجياً متخذاً شكل شرنقة ذهبية متوهجة بحجم كف اليد، تدخل في سبات عميق لحماية ما تبقى من طاقته.

التفت الجد نحو آسر، ونظر في عينيه الصغيرتين المليئتين بالأسئلة والخوف. همس الجد بحنان:

— "آسر، هذا الحمل أكبر من أن تحمله وأنت في الثامنة من عمرك... سأحفظ لك هذا السر حتى تكون مستعداً."

قبل أن ينطق آسر بكلمة، وضع جده إصبعين على جبينه. شعر آسر بدفء غريب يسري في رأسه، وبدأت صور الغابة، والظلال، وإيلار، تتلاشى وتذوب كالحبر في الماء... حتى غرق في نوم عميق.

بعد عشر سنوات...

كان شاب مستلقي في سرير ويبدو أنه يواجه كابوس كان شعره الاسود يغطي القليل من عينيه..

استيقظ آسر (18 عاماً) وهو يتنفس بسرعة، متصبباً عرقاً.

نفس الحلم مجدداً. نفس الجناح الفضي والنيران المشتعلة في مكان لا يعرفه، وصوت يهمس في عقله بكلمات غير مفهومة. فرك وجهه بيديه محاولاً طرد بقايا الكابوس الذي يطارده منذ أسابيع، ثم نظر إلى المرآة القريبة؛ كانت عيناه الخضراوان اللامعتان قد تحولتا إلى اللون الاحمر بفعل الإرهاق الشديد وقلة النوم، وكأن جسده يستهلك طاقته بالكامل وهو نائم.

كان هذا الصيف مختلفاً وكئيباً، فقد رحل جده عن عالمهم قبل شهر واحد، تاركاً وراءه المزرعة القديمة هادئة وموحشة. واليوم، كان على آسر العودة إلى هناك بمفرده لترتيب أغراض جده الراحل على حسب وصيته.

عندما وصل آسر إلى المزرعة، كانت ذكريات طفولته العادية تبدو باهتة. توجه مباشرة إلى مكتبة جده القديمة في زاوية المنزل. وبينما كان يحرك بعض الكتب والملفات القديمة، تعثرت قدمه بلوح خشبي في الأرض أصدر صوتاً مجوفاً.

انحنى آسر ورفع اللوح، ليكتشف وجود درج سري يؤدي إلى قبو لم يره من قبل. نزل السلالم الحجرية ببطء مستعيناً بإضاءة هاتفه، وشعور غريب بالاقتران والمألوفية يسيطر على حواسه.

في نهاية القبو، وعلى طاولة خشبية مغبرة، كان هناك شيء يلمع بخفوت تحت غطاء قماشي قديم. تقدم آسر بخطوات مترددة، ورفع القماش.

اتسعت عيناه ذهولاً. كانت هناك شرنقة من الكريستال الذهبي، دافئة وتنبض ببطء كأنها قلب حي.

مد آسر يده دون وعي، وما إن لامست أصابعه سطح الشرنقة، حتى شعر بصعقة طاقة قوية سرت في جسده بالكامل. وفي جزء من الثانية، انكسر القفل الخفي في عقله؛ تدفقت ذكريات ذلك الصيف القديم كالسيار الجارف... رأى الظلال، سمع صوت إيلار، وتذكر كل شيء بدقة متناهية.

وفي نفس اللحظة، تصدعت الشرنقة الكريستالية، وبدأ نور فضي دافئ يشع من داخلها، معلناً استيقاظ الأمير الهجين بعد سبات دام عشراً من السنين.

📖🥀

2026/06/15 · 3 مشاهدة · 495 كلمة
نيفارا
نادي الروايات - 2026