"ماب... ماب... ماب..."
تتساقط قطرات الماء من سقف القصر على جبين رجل يحتضر.
كتفه ممزق، وقدمه مفقودة، والدماء لا تزال تنزف منه بلا توقف.
"هوف..."
حاول دانيال أن يملأ رئتيه بما تبقى من هواء. ورغم ارتجاف جسده، بدا هادئًا على نحو غريب، كأنه لم يعد من هذا العالم.
كانت عيناه معلقتين بالسقف، تستعيدان ما بقي من حياته، بينما كان الضوء فيهما يخفت شيئًا فشيئًا.
تسلل الندم إلى قلبه، وتمتم بصوت واهن:
"ليتها... كانت... حياةً راضية."
كانت تلك آخر كلماته.
//////////////////////////////////////////////////////////////
"دانيال."
"أنظروا له، ينام كأنه في بيته."
"اسكت، قد يسمعك ذاك الوحش."
"دانيال."
تسللت الأصوات إلى أذني دانيال، ففتح عينيه ببطء.
وقف الأستاذ أمامه وقال بصوت مرتفع: "كيف تجرؤ على النوم في فصلي؟ هل هذه تربية والدتك؟"
في تلك اللحظة، وكأن زرًا انضغط داخله، نهض دانيال المرتبك ولكم الأستاذ في بطنه بلا تردد.
"آغغ..."
تراجع الأستاذ خطوتين، بينما علا همس الطلاب:
"ماذا فعل؟" "هل جنّ أخيرًا؟" "يبدو أنه سيُطرد."
نظر دانيال إلى الأستاذ ببرود وقال: "إياك أن تذكر والدتي على لسانك القذر."
غضب الأستاذ وصاح: "إلى مكتب المدير فورًا!"
لكن دانيال تجاهله، وأخذ يحدق حوله كأنه يبحث عن شيء مفقود.
"حسنًا! سأذهب أنا إليه إذًا!" قال الأستاذ، ثم غادر الصف مسرعًا.
تجمد دانيال مكانه.
أين أنا؟ ألم أمت؟ هذا المكان... مألوف. أوه، أليس ذلك ماكس؟ إنه شاب...
"صفع!"
لم يطل ارتباكه، إذ صفع نفسه بقوة حتى احمرّ جانب وجهه.
"لقد جنّ فعلًا." "انتهى أمره."
أخرج هاتفه من جيبه ونظر إلى التاريخ.
"23 نوفمبر 2038؟" قالها ببطء، ونبرة شك واضحة في صوته.
وبسرعة فتح البحث وكتب اسم اللعبة:
📰: أعلن المطور والمالك الوحيد برايان أن مقدمة لعبة "النجاة" ستصدر في الساعة 00:00 من 24 نوفمبر، على أن تصدر اللعبة الرسمية في 25 نوفمبر. وينصح الجميع بتجربتها.
📰: لا تزال معلومات لعبة "النجاة" شحيحة، ويُعرف فقط أنها تدور حول الأشباح في عالم البشر، وأنها ستكون أول لعبة واقع افتراضي تستطيع فيها استعادة الحواس المفقودة.
📰: يترقب الناس من أنحاء العالم صدور لعبة "النجاة" بفارغ الصبر...
قطع صوت فتح الباب تركيز دانيال على القراءة.
دخل رجل عجوز، يتبعه الأستاذ الذي خرج قبل قليل.
"هذا هو دانيال، سيدي المدير." قال الأستاذ وهو يشير إليه.
"دانيال، تفضل معي إلى مكتبي. لدينا ما نتحدث عنه." قال المدير قبل أن يغادر.
أغلق دانيال هاتفه وتبعه بصمت.
وعندما مرّ بجانب الأستاذ، همس له الأخير: "أنت في مشكلة كبيرة."
لم يرد دانيال، واكتفى باتباع المدير حتى المكتب، ثم جلس أمامه.
"دانيال، هل ما سمعته من أستاذك صحيح؟"
"إذا كان يقصد حديثه عن والدتي، فنعم."
"دانيال ماثيو، وصلتني عدة شكاوى عن نومك في الفصول، وعن مرضك أيضًا. تجاهلتها سابقًا، لكن ضرب الأستاذ يعدّ اعتداءً. وبما أنك بلغت الثامنة عشرة منذ مدة، فقد تُفتح ضدك قضية إذا قُدِّمت شكوى."
توقف لحظة، ثم قال: "ولأنها أول مخالفة لك، فلن أستدعي الشرطة. لكنني مضطر لتعليق دراستك مؤقتًا."
"لا داعي." قاطعه دانيال وهو ينهض. "أنا سأنسحب من الدراسة."
ثم أضاف وهو يتجه إلى الباب: "أرجو الاعتناء بالأمر من أجلي، وشكرًا."
كانت تلك آخر كلماته قبل أن يغلق الباب خلفه ويتجه إلى منزله.
"هذا... كان مفاجئًا." تمتم المدير وهو لا يزال ينظر إلى الباب.
////////////////////
عند وصوله إلى البيت، لم يتمالك دانيال نفسه حتى فتح الباب، فسمع صوت التلفاز وضحكة فتاة صغيرة تملأ المكان.
وعندما اقترب من الأريكة، رأى أخته الصغيرة أشلي.
"أخي! لقد عدت... مبكرًا اليوم." قالت أشلي بفزع حين رأته.
اقترب دانيال منها ثم احتضنها بقوة.
"أخي؟" قالت أشلي بشك.
اشتقت إلى صوتها.
كانت تلك فكرته الوحيدة، بينما انزلقت دمعتان من عينيه على خده.
مسحهما بسرعة، ثم أفلتها مبتسمًا.
"ماذا؟ هل كنت تشاهدين فيلمًا دمويًا مجددًا؟" سأل بلطف وهو يمرر يده على شعرها.
"ماذا تعني بمجددًا؟ هذه أول مرة... أوبس."
"إذًا فقد كنتِ تشاهدينه بالفعل."
"أخي! لقد أوقعتني."
"ههه."
خرجت منه ضحكة لم ينتبه لها، ثم نهض.
"لا بأس، أكملي المشاهدة. سأكون في الغرفة."
"هل هو بخير؟" تمتمت أشلي.
في الغرفة جلس دانيال على السرير، يحدق في زاوية منها حيث كانت كبسولة لعبة "النجاة" الخاصة به.
لقد عدت بالفعل إلى الماضي... الليلة هي يوم صدور المقدمة.
بقي هناك ساعة يتأمل، ثم أعد العشاء وانتظر منتصف الليل بفارغ الصبر. وقبلها بدقيقة، نهض ثم جلس في الكبسولة وأغلقها.
/////////
اذا اخبروني برايكم الصادق. دعوني اولا استعد نفسيا. و شكرا مقدما.