1 - الفصل 1: قرار المحكمة

استيقظت لوسي قبل المنبّه بدقائق

ليس لأنها كانت نشيطة، بل لأن جسدها تعلّم أن يستيقظ . هناك أيام لا يبدأ فيها الوقت من الشمس، بل من ورقة مختومة، ومن نظرة قاضٍ، ومن سطر في تقرير قد يقرر إن كانت “صالحة” لتعيش حياتها كما تريد، أم ستُقيد مرة أخرى باسم العلاج

نهضت ببطء، ووقفت أمام نافذتها

المدينة ما زالت رمادية على نحو لطيف، شتاء كندا لا يبالغ في الضجيج، بل يكتفي بأن يضع صقيعًا خفيفًا فوق الأرصفة ويجعل الناس يمشون كما لو أنهم يعتذرون من الهواء. مونتريال كانت مزدوجة اللسان، مزدوجة الوجوه، وهذا يناسبها. هي أيضًا كانت مزدوجة، وربما أكثر

ذهبت إلى الحمّام وغسلت وجهها بماء بارد

لم تنظر إلى نفسها طويلًا، لا لأن المرآة تخيفها، بل لأن المرآة تحب أن تتكلم. وهي لا تريد حوارًا مع وجهها اليوم. اليوم ليس يوم اعتراف، اليوم يوم تنكر

فتحت خزانتها

أمامها ملابس كثيرة تشبه بعضها، لكنها لا تتشابه في الرسالة. لوسي لا تختار الملابس لأنها تحبها، بل لأنها تعرف ماذا تفعل بالعقول. القاضي لا يحب المبالغة، والطبيب لا يحب الضعف الواضح، وإيثان يحب الهدوء الذي يبدو طبيعيًا

اختارت بدلة بسيطة بلون داكن وبلوزة ذات ياقة مرتفعة

لم تكن تريد أن يظهر شيء يمكن أن يقرأه أحد على أنه تحدٍّ أو استعراض. الوشم الذي يغطي منتصف أعلى صدرها—براعم زهور ممتدة تتخللها خطوط هندسية متناظرة—سيبقى مستورًا اليوم. ليس لأن الوشم معيوب، بل لأنه باب. والأبواب تُغلق حين يكون أمامك أشخاص يملكون مفاتيح قانونية

ربطت شعرها إلى الخلف وربطته بإحكام

ثم جلست على كرسي صغير أمام المرآة، ووضعت أقل قدر ممكن من الزينة. لون خفيف يوحي بالنوم الكافي، ومسحة صغيرة تكفي لتبدو “متماسكة”.

تكره هذه الكلمة. لكنها مفيدة

فتحت هاتفها، لا لتكتب، بل لتتفقد

لا رسائل تهديد جديدة. هذا جيد. لا رسائل من أحد أولئك الذين ينتظرون المال. هذا مؤقت. كل شيء مؤقت. حتى السكون

رسالة واحدة من إيثان كانت تنتظرها منذ الليل

سألها إن كانت تحتاج أن يوصلها. سألها بجملة قصيرة مهذبة كعادته، ثم وضع قلبًا صغيرًا في نهاية الرسالة، قلبًا بسيطًا كأنه اعتذار عن كل ما لا يعرفه

لوسي قرأت الرسالة مرتين

ثم كتبت ردًا يليق بشخصيتها معه

“لا داعي، سأكون بخير. أراك بعد الظهر”

أرسلتها، ثم وضعت الهاتف جانبًا كأنها أغلقت نافذة على عالم آخر. إيثان ليس مشكلة اليوم، المشكلة اليوم أن المحكمة تريد أن تسمع من طبيب ماذا تكون لوسي.

وهذه نكتة بحد ذاتها. كأنها يمكن أن تُختصر في صفة

في المطبخ الصغير أعدت قهوة

شربتها واقفة، لا لأنها مستعجلة، بل لأنها لن تسمح لنفسها بالجلوس

الجلوس يسمح للذاكرة أن تتسلل. والذاكرة، في حالتها، ليست صديقة

ومع ذلك تسللت

ليس صورة كاملة، بل ومضة

بلاط بارد تحت قدمين صغيرتين. رائحة ماء ممزوجة بمواد تنظيف قوية. يد امرأة، قوية أكثر مما ينبغي، وخاتم يلمع على إصبعها. ثم انقطاع. سكون. وكأن عقلها يصفعها كي تعود

رفعت لوسي يدها إلى رقبتها وأخذت نفسًا عميقًا

ثم قالت بصوت مسموع، منخفض، كأنها تخاطب طفلة داخلها

“ليس اليوم”

خرجت

في الشارع كان الهواء قاسيًا بما يكفي ليجعل أفكارها أكثر ترتيبًا. ركبت سيارة أجرة.

الطريق إلى المحكمة لم يكن طويلًا، لكنه كان كافيًا لتراجع في رأسها القصة التي ستقولها إذا سُئلت، والجمل التي ستتركها ناقصة إذا حاول أحد أن يفتح ثغرة

الناس يظنون أن الكذب يحتاج خيالًا واسعًا

لكن لوسي تعرف أن الكذب الناجح يحتاج ذاكرة قصيرة. لا تكثر التفاصيل، لا تتوسل، لا تبالغ. أعطهم ما يريدون سماعه، واترك لهم مساحة يملؤونها بأنفسهم. الناس يحبون أن يكملوا قصص الآخرين، ثم يصدقونها أكثر مما يصدقون الحقيقة

وصلت

قاعة المحكمة لم تكن مخيفة لأنها كبيرة، بل لأنها باردة. البرودة الرسمية تجرّد الإنسان من حيله الصغيرة. هنا لا ينفع ضحك لطيف، ولا ينفع انكسار مسرحي. هنا ينفع شيء واحد: أن تبدو كأنك لا تحتاج رحمة أحد

جلست لوسي خلف محاميتها ليلى قسطنطين، كانت تجلس إلى جانبها بظهر مستقيم ووجه لا يعرف التردد

همست لوسي

"هل تتوقعين منهم رحمة"

ليلى لم تنظر إليها، اكتفت أن تقول

"توقعي قانونًا فقط"

محامية فرنسية اللكنة، تحفظ الكلمات كما يحفظ المحاسب الأرقام. قالت لها قبل أن تبدأ الجلسة

“تذكّري، أنتِ لستِ مجرمة في نظرهم، أنتِ خطر محتمل. هذا أسوأ”

لوسي ابتسمت ابتسامة لا تظهر أسنانها

ثم قالت

“الخطر المحتمل يمكن تلميعه”

المحامية لم تضحك. نظرت إليها نظرة تحذير، ثم أعادت عينيها إلى الأوراق. هي لا تحب ذكاءها، لكنها تحتاجه

بدأت الجلسة

القاضية امرأة في منتصف العمر، ملامحها دقيقة لا تعبث. إلى جانبها كاتب يسجل، وعلى الطرف الآخر ممثل الادعاء، وعلى مقعد بعيد رجلان من الصحافة. حتى الآن، ما زال الناس يحبون قصتها. هي مادة ممتازة: “وجه خيري سقط”، “ابتسامة تخفي مالًا”، “امرأة تتقن الأدوار”

القاضية قالت اسمها القانوني بصوت واضح

"لوسي هيل"

ثم قالت

“نحن هنا لإعادة تقييم الإلزام”

صمتت لحظة ثم أضافت

“والخطر على العامة”

الخطر على العامة

لوسي تذوقت العبارة في داخلها. العامة. كأنهم كتلة واحدة. كأنها كادت تحرق مدينة، لا حسابًا مصرفيًا

تحدث الادعاء عن “صندوق خيري” و”تضليل متبرعين” و”استغلال ثقة المجتمع”. قال كلمات كثيرة. بعض كلماته حقيقية، وبعضها مزخرف، وبعضها يخفي أسماء أكبر منها. لوسي كانت تستمع كأنها تسمع عن شخص آخر، وهذا ما يتوقعونه منها: البرود علامة اضطراب في نظرهم، والهدوء علامة تلاعب. لا مفر. كل ما تفعله سيُقرأ ضدها إن أرادوا

ثم جاء دور محاميتها

بدأت بالنسخة التي يعرفها الناس: أنها كانت وجهًا إعلاميًا لحملة، وأن هناك مديرًا ماليًا تلاعب بالسجلات، وأنها تعاونت لاحقًا مع التحقيق، وأنها خضعت للعلاج، وأنها تسعى لبداية جديدة. بداية جديدة. عبارة يحبها القضاة إن جاءت في الوقت الصحيح

القاضية استمعت، ثم نظرت إلى لوسي مباشرة

وقالت

“سيدتي، ستخضعين لتقييم نفسي جديد”

لوسي لم تفاجأ. كانت تعرف أن هذا قرارهم قبل أن تدخل. المحكمة لا تحب أن تبدو أنها تتراجع أمام رأي عام. تريد أن تقول إنها “تفعل شيئًا”

القاضية تابعت

“خبير معتمد من المحكمة”

ثم التفتت إلى الرجل الجالس قرب نهاية الصف، الذي لم تلحظه لوسي إلا الآن

كان يرتدي معطفًا داكنًا، لا زينة، لا تودد. يجلس كما يجلس من لا يحتاج أن يثبت وجوده. وجهه نصفه حاد، نصفه ساكن. عيناه غامقتان، ثابتتان. لا يبتسم للصحافة. لا يبتسم للقاضية. يبتسم فقط إن كان لديه سبب خاص، ولوسي شعرت أنه لا يملك أسبابًا من النوع السهل

القاضية قالت اسمه

“الدكتور آدم”

نهض آدم بهدوء، أومأ للقاضية

ثم جلس

كان صوته حين قال “نعم” منخفضًا بما يكفي ليجعل القاعة تصمت أكثر. رجال كثيرون يرفعون أصواتهم ليبدو لهم وزن. هو بدا كمن يملك الوزن بلا صوت

انتهى الإجراء بسرعة. تحديد مواعيد. توقيع. جمل قصيرة

وخرجوا

في الردهة، توقف الصحافي جاك بيرنييه عند لوسي وسألها سؤالًا معتادًا

“هل أنتِ نادمة؟”

لوسي نظرت إليه

ثم قالت بجملة واحدة

“أنا أتعلّم”

لم تكن إجابة حقيقية، لكنها كانت إجابة تصلح لليلة الأخبار. الصحافي أخذها كأنه أخذ قطعة ذهب، وابتعد

محاميتها تمتمت

“جيّد. لا تعطيهم أكثر”

لوسي أومأت

ثم رأت الطبيب الموكل لها يقترب، ليس إليها مباشرة، بل إلى مكتب صغير جانبي حيث تُسلم أوراق الإحالة. كان يمشي ببطء محسوب. وبينما يمر قربها، لاحظت شيئًا في كتفه الأيسر حين تحرك المعطف. أثر ندبة قديمة، لا يراها إلا من ينتبه. ويدُه، حين التقط الورقة، فيها أثر حرق خفيف على الجلد، كأن النار مرت عليها ثم تركت توقيعها

لوسي شعرت بشيء يهبط في معدتها

لم تكن تعرف لماذا. هي رأت الندوب في حياتها كثيرًا. لكنها عرفت هذا التوقيع من مكان ما. من زمن لا تريد أن تسمعه

آدم التفت إليها أخيرًا

اقترب خطوة واحدة فقط، ثم توقف. مساحة محترمة. مساحة طبيب أمام مريضة محكمة. ومع ذلك، في عينيه شيء ليس طبيًا

قال

“السيدة…”

ثم توقف

كما لو أنه يبحث عن الاسم في فمه، لا في الورقة

وقال بدلًا منه، بصوت أخفض

“لو”

اللفظ خرج منه بلا قصد واضح، كأنه كلمة تسبق التفكير. وما إن قالها حتى تجمدت عضلة صغيرة في فكه، كأنه أدرك أنه أخطأ أمام شاهد، أو أمام نفسه

لوسي لم تتحرك ثانية واحدة

لكن داخلها، في مكان لا يصل إليه القاضي ولا الصحافي، انفتح باب قديم، باب عليه رائحة دخان وماء وبلاط بارد

رفعت عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة صغيرة باردة

وقالت بفرنسية هادئة

“اسمي لوسي، دكتور”

آدم لم يعتذر. لم يبتسم. لم يشرح

فقط نظر إليها لحظة أطول مما تسمح به القواعد

ثم قال

“سنبدأ الأسبوع القادم”

ومضى

لوسي بقيت واقفة، والناس يمرون حولها كأنهم لا يرون شيئًا

مدت يدها إلى صدرها غريزيًا، إلى حيث يستقر الوشم تحت القماش، كأنها تتحقق أن الندبة ما زالت مخفية. ثم سحبت يدها بسرعة. لا أحد يجب أن يرى الحركة. الحركة دليل

خرجت من المحكمة

وعندما فتحت باب الشارع، ضربها الهواء البارد من جديد، كأنه يصفعها ليعيدها إلى الحاضر

لكن الحاضر لم يعد نظيفًا

لأن كلمة واحدة خرجت من فم آدم دون إذن

'لو'

وهنا انتهى الفصل الأول

2026/02/20 · 2 مشاهدة · 1350 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026