كانت عيادة الطبيب النفسي في مبنى قديم محدث من الداخل
الممر المؤدي إليها هادئ أكثر مما ينبغي، والهدوء هنا ليس راحة، بل تحكم. لوسي تعرف الأماكن التي تُصمم ليشعر الداخل أنه مراقب حتى وهو وحده. باب العيادة كان بسيطًا، لا لوحة كبيرة، فقط اسم صغير ودرجة رسمية كافية لتقول: لستُ طبيبًا خاصًا لك وحدك، أنا جزء من نظام
دخلت
استقبلتها موظفة صامتة، أعطتها استمارة، ثم أشارت إلى مقعد
الاستمارة كانت قصيرة، لكنها مليئة بكلمات لا تحبها: تاريخ، أدوية، سوابق، نوبات، مخاطر. كلمات يكتبها الآخرون عن الناس ليشعروا أنهم فهموهم
لوسي كتبت بأقل قدر ممكن. لا تكذب في الورق، تكذب في المسافات بين السطور. وحين انتهت، رفعت رأسها، ووجدت آدم واقفًا عند الباب الداخلي، كما لو أنه كان يسمع صوت قلمها
لم يقل مرحبًا
أشار بيده إلى الداخل، وقال
"تفضلي"
غرفة الجلسة لم تكن دافئة. لا صور على الجدار، لا نباتات، لا روائح. طاولة صغيرة بين كرسيين، ومقعد ثالث على الطرف كأنه وُضع كي يذكّر من يجلس أن هناك دائمًا شاهدًا محتملًا. في الزاوية جهاز تسجيل صغير، يضيء ضوءًا خافتًا لا يصرخ بوجوده
جلست لوسي على الكرسي الذي لا يجعلها مقابلة للباب مباشرة. حركة قديمة. من يجلس أمام الباب يشعر أنه محاصر. لوسي تكره الإحساس، حتى لو لم تكن محاصرة
آدم جلس بعد أن جلسَت. لم يحاول أن يجعل نفسه أقل تهديدًا. وضع ملفًا أمامه، قلمًا، ثم رفع عينيه إليها
لحظة النظر الأولى كانت كافية لتعرف أنه لا يبحث عن صدقها، يبحث عن ثغرتها
قال بصوت هادئ
"سأذكرك بما تعرفينه"
ثم توقف، كأنه يختبر صبرها
"أنا لستُ محاميك، ولستُ قاضيك"
"أنا أكتب للمحكمة"
لوسي أومأت
قال
"وكل ما تقولينه قد يدخل في تقرير"
لم تقل لوسي "أعرف". قالت بدلًا من ذلك ما ينفعها أكثر
"أنا هنا لأتعاون"
هذه جملة يحبها النظام. كلمة تعاون تجعلهم يشعرون أنهم يملكونك. ولوسي تحب أن تمنحهم هذا الشعور، لأنه يخفف حدة الحذر
آدم لم يعلق. فتح الملف
قال
"القضية الأولى"
لم يقل "قضيتك" كأنه يبعدها عنها، ثم أعادها إليها فجأة
"صندوق خيري"
رفع عينيه
"كم جمعتم"
لوسي لم تتوقف عند "جمعتم". لم تصحح له أنه ليس "نحن". هذا فخ. إذا صححت، بدا دفاعها مبالغًا. إذا قبلت، بدت متورطة. أفضل شيء هو أن تجيب بما لا يثبت عليك شيئًا جديدًا
قالت
"كان رقمًا كبيرًا"
آدم قال
"لا أريد وصفًا"
ثم وضع القلم على الطاولة ببطء
"أريد رقمًا"
لوسي سكتت لحظة. الصمت هنا ليس ضعفًا، الصمت أداة. جعلته ينتظر، حتى يعرف أنها لا تعطي بسهولة. ثم قالت
"لا أتذكر الرقم بدقة"
آدم لم يبتسم
قال
"أنتِ تتذكرين كل شيء بدقة حين تريدين"
أعاد نظره إلى الملف
"هذا ليس سؤال ذاكرة"
ثم رفع رأسه
"هذا سؤال سيطرة"
لوسي شعرت بوخزة في صدرها، ليست خوفًا، انزعاجًا. لأنه لمس شيئًا صحيحًا بسرعة. لكنها لم تظهر ذلك
قالت
"هل تريد أن تقول إنني مسيطرة"
آدم قال
"لا أريد أن أقول"
"أريد أن أثبت"
ثم أضاف ببرود
"أو أن تنفي، لكن بطريقة تقنع المحكمة"
لوسي مالت قليلًا إلى الخلف. الحركة صغيرة، لكنها تعطيها شعورًا بأنها لا تُدفع إلى زاوية بسهولة
قالت
"سأكون واضحة"
آدم قال
"جيد"
ثم فتح صفحة في الملف، كأنه يقلب طبقاتها كما يقلب أوراقًا
"في الإعلام قلتِ إنك كنتِ واجهة"
لوسي قالت
"كنت واجهة"
آدم قال
"وفي التحقيق قلتِ إنك كنتِ شريكة"
لوسي قالت
"كنت شريكة في بعض القرارات"
آدم قال
"وفي رسالة إلى متبرع قلتِ إنكِ صاحبة المشروع"
تجمدت عضلة صغيرة في وجه لوسي، ثم استقرت
هذه الرسالة لا ينبغي أن تكون هنا. ليست في الأخبار. ليست في النسخة العامة. إذن المحكمة أعطته أكثر مما أعطته للصحافة. أو هو طلب أكثر مما يطلبه طبيب عادةً
قالت لوسي بهدوء
"كنت أكتب بلغة تسويق"
آدم قال
"لغة تسويق"
ثم أعاد الكلمات ببطء
"إذن أنتِ لا تكذبين، أنتِ تسوّقين"
ثم سأل دون أن يرفع صوته
"ما الفرق عند الضحية"
لوسي لم تجب فورًا. لأن كلمة ضحية تفتح بابًا لا تريد دخوله مبكرًا. لوسي تعرف أن الندم إن قُدّم مبكرًا يصبح تمثيلًا في نظر الناس
قالت
"أنا لا أنكر الضرر"
آدم قال
"هذه جملة عامة"
ثم دفع قلمَه قليلًا إلى الأمام
"اذكري اسمًا"
لوسي رفعت حاجبيها قليلًا
"اسم ماذا"
آدم قال
"اسم شخص واحد تضرر بسببك"
ثم صمت لحظة وأضاف
"أريد اسمًا حقيقيًا، لا وصفًا"
هذا هو الاختبار الذي ذكّرته المحكمة به وهو لا يقول. اختبار بسيط في الشكل، صعب في الداخل. إذا قالت اسمًا، صار الاسم حقيقة ملموسة، وصار الضرر وجهًا، وصار عليها أن تعترف أنها رأت ذلك الوجه ولم تتوقف. وإذا رفضت، ظهرت كإنسانة لا ترى أحدًا
لوسي اختارت طريقًا ثالثًا. طريقًا تحبّه
قالت بصوت منخفض قليلًا
"لا أستطيع"
آدم رفع عينيه
"لماذا"
لوسي قالت
"لأن ذكر اسم واحد سيجعل كل الأسماء تطفو"
ثم أضافت بصدق محسوب
"وأنا… لا أريد أن أغرق هنا"
كانت جملة صادقة جزئيًا، لكنها أيضًا ذكية. هي لم تقل: لا أشعر بالذنب. قالت: الذنب كثير، لا أطيقه الآن. هذا يجعلها إنسانية في عين من يريد أن يراها إنسانًا
آدم لم يبتلعها بسهولة
قال
"أنتِ لا تخافين الغرق"
"أنتِ تخافين أن أراكِ وأنتِ تغرقين"
لوسي شعرت بحرارة خفيفة تحت عظام صدرها. لم يكن هذا سؤالًا. كان تشخيصًا
قالت
"أنا هنا لأن المحكمة أجبرتني"
آدم أومأ، ثم قال
"وأنا هنا لأن المحكمة لا تثق بك"
ثم وضع إصبعه على صفحة في الملف
"هل تثقين بنفسك"
لوسي ابتسمت ابتسامة صغيرة
"أنا أثق بذكائي"
آدم قال
"هذه ليست الإجابة"
لوسي قالت
"بل هي"
ثم أضافت كأنها تشرح درسًا بسيطًا
"أنا لم أنجُ لأنني كنت الأضعف"
آدم نظر إليها لحظة، وبدت في عينيه شرارة صغيرة، لا إعجابًا، بل فهمًا. فهمٌ خطير، لأن من يفهمك قد يستعملك
قال
"إذن نتفق"
"البقاء للأذكى"
لوسي لم تحب أن يسمع الجملة من غيرها. الجملة كانت لها. كانت سلاحها، لا مرآتها
آدم تابع
"حسنًا"
"سنسمي هذا نمطًا"
ثم كتب سطرًا
"نمط البقاء عبر السيطرة"
لوسي قالت
"هذا ليس مرضًا"
آدم قال
"لم أقل إنه مرض"
ثم رفع عينيه
"المرض لا يهم المحكمة"
"المحكمة يهمها إن كنتِ ستفعلينها مرة أخرى"
لوسي صمتت
آدم سأل
"هل ستفعلينها مرة أخرى"
السؤال كان بسيطًا على نحو مستفز. نعم أو لا. لو قالت لا، بدت كاذبة لأن كل البشر يعرفون أن من فعل شيئًا قد يعيده. لو قالت نعم، دفنت نفسها
قالت
"لا"
ثم أضافت بسرعة قبل أن يلتقطها
"ليس بهذه الطريقة"
آدم حرك رأسه حركة صغيرة جدًا، كأنه يقول: جميل، أعطيتِ نفسك مخرجًا
قال
"إذن هناك طرق أخرى"
لوسي قالت
"هناك حياة"
آدم قال
"الحياة ليست جوابًا"
ثم أغلق الملف نصف إغلاق، إشارة إلى انتقاله
"لنتحدث عن إيثان"
قلب لوسي انقبض. ليس لأن اسم إيثان محرم، بل لأن آدم أدخله بلا مقدمة، كأن بين يديه خيطًا يوصل من المحكمة إلى بيتها. وهذا يعني أنه قرأ أكثر مما ينبغي، أو أنه يعرف كيف يقرأ من دون أوراق
قالت لوسي ببرود مصطنع
"ما علاقة خطيبي بالتقييم"
آدم قال
"كل شيء له علاقة"
"أنتِ الآن في علاقة"
ثم سأل بصوت لا يتغير
"هل يحبك"
لوسي قالت
"نعم"
آدم قال
"كيف تعرفين"
لوسي قالت
"لأنه…"
توقفت. لأنها كادت تقول: لأنه يصدقني. وهذا خطر. لا تُظهري أنكِ تقيسين الحب بقدرتك على جعل شخص يصدقك
قالت بدلًا من ذلك
"لأنه يختارني"
آدم سأل
"هل اخترته"
لوسي قالت
"نعم"
آدم قال
"لماذا"
لوسي نظرت إليه، ثم قالت بصوت هادئ
"لأنه جيد"
آدم كتب شيئًا
ثم قال
"جيد"
"هذه كلمة تستخدمينها حين لا تريدين التفاصيل"
ثم رفع رأسه
"هل يمكن أن يعيش مع حقيقتك"
لوسي قالت
"نعم"
آدم قال
"أي حقيقة"
لوسي قالت
"أنني أخطأت"
آدم قال
"هذا ليس اعترافًا"
"هذا عنوان"
ثم اقترب قليلًا إلى الأمام، ليس قربًا جسديًا، بل قربًا نفسيًا. كأن المسافة تقل لأن أسئلته صارت أضيق
قال
"لوسي"
ثم توقف ثانية. كأنه يقيس وقع الاسم في فمه. ثم أكمل
"هل أنتِ تحبينه"
لوسي لم ترد بسرعة
الحب كلمة مزعجة. لأنها إذا قالت نعم صار مطلوبًا منها أن تكون إنسانة. وإذا قالت لا صار واضحًا أنها تستخدمه
قالت
"أحترمه"
آدم قال
"هذا ليس جوابًا"
لوسي قالت
"هو جواب عملي"
آدم نظر إليها طويلًا جدًا. طويلًا بحيث شعرت أنها إن تراجعت الآن، ستخسر الجولة
قال
"سأكتب للمحكمة أنكِ تملكين قدرة عالية على تكييف السرد"
ثم قال قبل أن تعترض
"ليس هذا اتهامًا"
"هذا وصف"
لوسي قالت
"أنتَ تتهمني بالتلاعب"
آدم قال
"وأنتِ تحاولين التلاعب بي وأنا أصف ذلك"
ثم أضاف، كأنه يضع حدًا
"هذه الغرفة ليست مسرحك"
لوسي ابتسمت ابتسامة باردة
"ولا هي مسرحك أيضًا"
آدم لم يرد بابتسامة. فقط فتح الملف مرة أخرى وأخرج ورقة واحدة، ووضعها أمامه دون أن يدفعها إليها
قال
"في نهاية هذه الجلسة سأضع ملاحظة أولى"
"ستؤثر على قرار المحكمة في الإلزام"
ثم رفع عينيه
"لديكِ فرصة واحدة الآن"
لوسي سألت
"فرصة ماذا"
آدم قال
"أن تكوني دقيقة"
ثم أضاف بوضوح
"لا أريد تمثيلًا"
"أريد حقيقة صغيرة"
لوسي شعرت أن هذا هو الفخ الحقيقي. هو لا يطلب اعترافًا كبيرًا. يطلب حقيقة صغيرة. لأن الحقيقة الصغيرة هي التي تُستخدم لفتح أبواب أكبر
لكنها أيضًا تعرف أن رفضه سيُكتب ضدها. وسيقول إنها ترفض التعاون. وهي بحاجة إلى أن تنجو من التقرير، لأن التقرير هو الباب إلى البراءة، أو على الأقل إلى تخفيف القيد
اختارت الحقيقة التي تستطيع تحملها
قالت ببطء
"أنا… لم أكن أشعر أن أحدًا سيراني إن لم أفعل"
آدم لم يتحرك. لم يبدُ متعاطفًا. فقط قال
"من"
لوسي قالت
"الجميع"
آدم قال
"اسم واحد"
هذه العودة إلى الاسم، إلى الضحية، إلى المحدد. وهو يكررها لأنه يعرف أنها النقطة التي تنهار عندها الحكايات
لوسي نظرت إلى يده للحظة دون قصد. إلى أثر الحرق. ثم رفعت عينيها سريعًا، كأنها أخطأت في اتجاه النظر
قالت
"لا"
هذه المرة قالتها بلا تزيين
آدم كتب شيئًا
ثم قال بهدوء
"حسنًا"
ثم دفع الورقة التي أمامه قليلًا، بحيث ترى لوسي عنوانًا في أعلى الصفحة
لم تكن رسالة متبرع فقط. كانت قائمة أسماء، عدة أسماء، بخط رسمي. أسماء متضررين، وأرقام تبرعات، وملاحظات. والأخطر، في أسفل الورقة كلمة واحدة مكتوبة بقلم مختلف، كأنها ملاحظة قديمة
لؤلؤ
لوسي شعرت أن الدم انخفض من وجهها، لكنها أمسكت نفسها في اللحظة ذاتها
آدم لم يشرح. لم يقل: أعرف ماضيك. لم يقل: أنتِ هي. ترك الورقة تفعل فعلها، وترك صمت الغرفة يشتغل
قال فقط
"أنتِ لا ترفضين ذكر اسم ضحية"
"أنتِ ترفضين أن أذكر اسمك القديم"
لوسي لم تنطق. الكلمات انحبست لأنها فهمت أن اللعبة دخلت طبقة أخرى. هذه ليست جلسة تقييم فقط. هذه جلسة تذكر. آدم يملك خيطًا من الماضي، ولو كان خيطًا صغيرًا، يكفي ليخنقها
آدم أغلق الملف
ثم قال
"انتهت الجلسة"
نهض، وفتح الباب الداخلي، كأنه يقول: اخرجي قبل أن أرى المزيد من وجهك
لوسي وقفت
رتبت معطفها بيد ثابتة، رغم أن داخلها كان يتكسر ببطء. وهي تمشي نحو الباب، قالت جملة واحدة، كأنها ترمي حجرًا في بحره الهادئ
"تستعمل الماضي لتهديدي"
آدم لم ينظر إليها. قال فقط
"أستعمل الحقيقة"
ثم أضاف
"والحقيقة لا تهدد إلا من يخافها"
خرجت لوسي
في الممر، كانت الموظفة تبتسم ابتسامة مهنية، تسأل عن موعد الجلسة القادمة. لوسي أجابت بفرنسية هادئة، صوتها ثابت كما لو أن شيئًا لم يحدث
لكن حين وصلت إلى الشارع، وحين ضربها الهواء البارد، لم تستطع أن تمنع نفسها من لمس أعلى صدرها تحت القماش لحظة، حيث الوشم يخفي أثرًا أقدم من كل هذه الأوراق
وعرفت شيئًا واحدًا بوضوح
آدم ليس مجرد طبيب يكتب تقريرًا
آدم يحمل اسمًا من حياتها الأولى
اسمًا لا ينبغي أن يكون هنا
وهنا انتهى الفصل الثاني