لم تكن الحفلات الراقية مكانًا للمتعة عند لوسي

كانت مكانًا للعمل، مثل قاعة محكمة بلا قاضٍ، وكلمات مُعطرة بدل الأحكام، ونظرات تُشبه العقود. ومع ذلك، كانت تفضلها على غرفة التشخيص النفسي .

في الحفلة تختار الزاوية والابتسامة والوقت الذي تغادر فيه. في غرفة التقييم، هو من يختار الإيقاع حتى لو لم يرفع صوته

هذه الليلة كانت حفلة خيرية في قاعة فندق عريق على طرف النهر

واجهة زجاجية، ثريات لا تُضيء بقدر ما تُعلن، وموسيقى هادئة تُغطي الكلمات التي ينبغي أن تبقى سرًا. اسم ريتشارد هيل على اللوحات، وشعار المؤسسة مطبوع على كل شيء كأنه ختم يضمن الطهارة

ولوسي كانت جزءًا من الصورة، رغم أن صورتها العامة تشققت

وقفت عند المرآة قرب المدخل قبل أن تدخل القاعة

عدّلت خصلة شعر، ثم تنفست ببطء. هذه الليلة اختارت فستانًا داكنًا بسيط القصّة، عميق الياقة من الأعلى، يفتح نافذة أنيقة على الوشم في منتصف أعلى صدرها

براعم زهور رفيعة تمتد بخطوط هندسية متناظرة، جميلة على نحو لا يشرح نفسه. من يراه يظنه ذوقًا. من يدقق يلمح أنه غطاء. والناس نادرًا ما يدققون إن كنتِ تعطينهم ما يحبون

دخلت

القاعة كانت ممتلئة بوجوه تعرف كيف تبتسم، وبأكتاف تعرف كيف تتصافح. ريتشارد هيل كان في الوسط، لا لأنه يرفع صوته، بل لأن الدائرة تتكون حوله وحدها. رجل لا يطلب الاهتمام، بل يتلقى

حين رآها، لم يفتح ذراعيه ولم يقترب كثيرًا. تحرك خطوتين فقط

وقال بالإنجليزية

“Luce… You made it”

لوسي ابتسمت

“قلتَ إن وجودي يساعد”

ريتشارد نظر إلى عينيها، لا إلى فستانها

“وجودك دائمًا يساعد”

كانت جملة استخدام، لكنها أيضًا مظلة. ريتشارد يعرف كيف يحمي ما يريده أن يبقى صالحًا للعرض. ولوسي تعرف كيف تستعمل ذلك من دون أن تبدو أنها تطلب

قالت بهدوء

“كيف تبدو الأمور”

قال

“متوترة”

ثم أضاف ببرود محسوب

“لكن قابلة للسيطرة”

قبل أن ترد، اقتربت امرأة تضحك بصوت عالٍ، تتحدث بالفرنسية كأنها وُلدت على منصة. كاريزما لا تُستأذن، بل تُفرض. جميلة على نحو يجعل الناس يغفرون لها قبل أن تخطئ

سيلين فالكور، زوجة أول من تبناها، ظهرت بابتسامة تعرف كيف تلمع أمام الناس

لوسي شعرت بشيء بارد يمر في صدرها، لا يشبه الخوف المعتاد، بل يشبه تذكّرًا جسديًا لشيء لا تريد تذكّره

ابتسامتها بقيت في مكانها، لكنها صارت أثقل، كأنها قطعة زجاج فوق لسانها

كانت تعرف سيلين كما يعرف السجين صوت المفتاح، صوت واحد كافٍ ليعيد ترتيب الهواء في الغرفة

لم تكن تكرهها فقط

كانت تخاف أن تضحك معها، لأن الضحك معها يعني أن الماضي استطاع أن يتسلل إلى الحاضر دون مقاومة

رفعت ذقنها قليلًا، واستدعت النسخة التي تعرف كيف تقف، النسخة التي لا تترك لعينٍ أخرى أن تقرر شكله

كانت سيلين تبتسم للجميع، وحين وصلت إلى لوسي لم تتغير ابتسامتها، فقط ضاقت عيناها قليلًا. ضيق لا يراه إلا من يعرفها

قالت بالفرنسية أولًا

“ يا للصدفة”

ثم نطقت وكأنها تعاين كل حرف

“لوسي”

لوسي ردت بنبرة مهذبة

“مساء الخير”

سيلين لم تقترب كثيرًا، لكنها لم تبتعد. تركت مسافة تسمح لها أن تلدغ ثم تُنكر

نظرت إلى الوشم لحظة أطول من اللباقة، ثم قالت

"جميل"

ثم همست همسًا لا يسمعه غير لوسي

"تغطين الأشياء جيدًا"

لوسي لم تلتقط الاستفزاز. تركته يسقط بلا رد، لأن الرد اعتراف بأن الهمس وصل. وهي لا تعطي خصمها دليلًا مجانيًا

قالت سيلين بصوت أعلى، بالفرنسية ، وهي تلتفت إلى سيدة قربها

"إنها تحب الزينة كثيرًا، أليس كذلك"

السيدة ضحكت ضحكة مجاملة

لوسي ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت بفرنسية هادئة

"الناس يحبون ما يفهمونه بسرعة"

الجملة كانت بسيطة، لكنها أغلقَت بابًا. سيلين فهمت، وعيناها ضاقتا أكثر. ثم عادت ابتسامتها كما كانت، كأن شيئًا لم يحدث

في تلك اللحظة ظهرت رُبى نعمان، كاميرتها في يدها وحركتها خفيفة

مصورة فعاليات، تعرف أين تقف كي تظهر في الصورة دون أن تظهر، وتعرف متى تنادي الناس بأسمائهم لتبدو قريبة منهم

قالت وهي تقترب

"لوسي"

ثم ابتسمت بابتسامة سريعة نحو ريتشارد

"سيد هيل، لقطة بسيطة لكم بعد الكلمة، إذا سمحت"

ريتشارد أومأ، ونظر إلى لوسي

"هل كل شيء بخير"

لوسي قالت

"Yes dad"

قالتها بطلاقة، وبنغمة لا تحمل اعتذارًا. كلمة Dad تصلح للعلن، وتصلح لتذكيره أنها جزء من صورته

سيلين التقطت الكلمة فورًا، ثم قالت بنبرة شديدة الرقة

"يا لها من عائلة جميلة"

ثم أضافت وهي تبتسم لرتشارد

"محظوظة، أليس كذلك"

ريتشارد رد ببرود مهذب، بالإنجليزية، رسم الحدود تُرجم في نبرة صوته قبل الكلمات

"نحن جميعًا محظوظون حين نخدم المجتمع"

لوسي عرفت أنه يضع حدًا. ريتشارد لا يسمح لأحد أن يقترب من الداخل، حتى وهي تقف بقربه

ابتعدت رُبى لتلتقط صورًا، وبقيت لوسي بين الدوائر. تضحك حين ينبغي، تصمت حين ينبغي، تترك الآخرين يشعرون أنهم يقودون الحديث بينما هي تعدّل اتجاهه بسؤال صغير أو تعليق قصير

بعد دقائق دخل إيثان

متأخرًا قليلًا كعادته، ليس إهمالًا بل نظامًا. يدخل حين تستقر العيون، فيصبح دخوله حدثًا صغيرًا لا يضيع

حين رآها ابتسم،و اقترب، وقال بالعربية التي تفلت منه أحيانًا بسبب قربه منها

"مرحبًا"

لوسي ابتسمت

"مرحبًا"

إيثان نظر إلى ياقة الفستان المنخفضة و مكان الوشم للحظة، لا يحدق، فقط يلاحظ. ثم رفع عينيه

"تبدين جميلة"

لم تقل شكرًا فورًا. تركت ثانية تمر لتجعل الجملة تبدو كأنها وصلت. ثم قالت

"وأنت متأخر كالعادة"

ضحك إيثان ضحكة قصيرة

"كان عليّ أن أنهي مكالمة"

ثم خفض صوته

"كيف كان يومك"

لوسي لم تذكر آدم. قالت ما يصلح لنسختها معه

"كان طويلًا"

إيثان لمس ظهر كفها لمسًا سريعًا، دعمًا لا يملك معنى كبيرًا، لكنه عندها معنى لأنها تعرف الفرق بين اللمسة التي تُشترى واللمسة التي تُمنح

اقترب ريتشارد من إيثان، صافحه، وتبادلا كلمات عن التبرعات والاستثمار والصورة العامة. لوسي وقفت بينهما كجسر

ثم بدأ الجزء الرسمي

كلمات قصيرة، شكر، كاميرات، مزاد صغير على لوحة فنية

صعد ريتشارد المنصة وألقى كلمة عن "الشفافية" و"الثقة" و"حماية المجتمع". كلمات تلمع أكثر مما تعني. لوسي كانت تعرف أن كلمة شفافية حين تُقال في حفل، تعني أن هناك شيئًا يريدون إخفاءه

ثم اخترق القاعة صوت رجل من طرف القاعة

"سيد هيل، هل ستعلقون على قضية الصندوق"

الابتسامات صارت أضيق. النظرات صارت أسرع. ريتشارد لم يفقد هدوءه

قال جملة قصيرة، ثم ابتلع التصفيق بقوة حضوره، كأنه يفرض نهاية للسؤال

لكن الصوت عاد

"وهل تثقون بالمتهمة"

التفتت الرؤوس نحو لوسي

كان ينبغي أن تهتز. لم تهتز. هذا الامتحان الذي تجيده

ابتسمت ابتسامة هادئة، وقالت جملة قصيرة لا تعترف ولا تنكر. ضباب يصلح للأخبار ويصلح للمحكمة ويصلح لإيثان

في الجانب، رأت رُبى تلتقط صورًا، ثم تقترب منها في زحمة العيون وتهمس

"جاك بيرنييه هنا"

لوسي لم تسأل من هو. الاسم وحده يكفي لتسجيله

نظرت إلى حيث أشارت رُبى

رجل يقف عند طرف القاعة، لا يشارك في الضحك، يحمل كاميرا صغيرة أو هاتفًا، لا يصور اللحظة اللامعة، بل يصور ما قبلها وما بعدها. كأنه يطارد التوتر لا الاحتفال

لوسي سحبت نظرها عنه بسرعة. إطالة النظر اعتراف بالانزعاج

مالت إلى إيثان وقالت بالعربية

"فلنغادر مبكرًا"

إيثان نظر إليها

"لماذا"

قالت بابتسامة لطيفة

"لأن هذا المكان يحب الأسئلة"

إيثان فهم نبرتها قبل السبب. أومأ

في الردهة، وهما يلبسان معاطفهما، مرّت سيلين بقربهما، وقالت بلطف مسموم

"اعتني بنفسك يا لوسي"

ثم أضافت بصوت خافت لا يكاد يسمع

"النار لا تحب الأسرار"

خرجت لوسي وإيثان إلى البرد

ركبت السيارة، أغلقت الباب، وبقيت لحظة تسمع صوت المحرك كأنه قلب آخر

إيثان قال بهدوء

"هل أنتِ بخير"

لوسي أجابت

"نعم"

ثم أضافت بسرعة

"تعبت فقط"

إيثان نظر إليها لحظة أطول من المعتاد

"إذا احتجتِ أن تقولي شيئًا… أنا هنا"

لوسي ابتسمت، ومالت برأسها قليلًا. حركة صغيرة تعطيه ما يحتاجه من طمأنينة. وتعطيها ما تحتاجه من وقت

في البيت، قبل أن تنام، خلعت فستانها ببطء

الوشم ظهر كاملًا في الضوء الخافت: براعم وخطوط، توازن جميل يخفي أثرًا لا تريد أن تراه حتى هي

ولما وضعت الهاتف على الطاولة، جاءها إشعار من رقم مجهول

صورة

فتحتها

كانت صورة قديمة رديئة الجودة لطفلة صغيرة تقف أمام بيت محترق من بعيد. الدخان يحجب التفاصيل. وجه الطفلة غير واضح، لكن هذا البيت وهذه الوقفة… الوقفة كانت لها

تحت الصورة سطر واحد

" هل هذا أنتِ"

وهنا انتهى الفصل الثالث

2026/02/20 · 1 مشاهدة · 1241 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026