لم تُجب لوسي على الرسالة
لم تحذفها، ولم ترد، ولم تحاول أن تتذاكى عليها بجملة بارعة. بعض الأسئلة تُصنع لتجرك إلى الملعب الذي اختاره غيرك. وهي لا تدخل ملعبًا لا تعرف حدوده
وضعت الهاتف مقلوبًا على الطاولة
ثم جلست على طرف السرير كأنها تنتظر أن يعود شيء من الماضي من تلقاء نفسه. لم يعد. عاد بدلًا منه صوت آخر، قديم وحاد، صوت عقلها حين كان أصغر وأقسى
إن خفتِ، سيتقدمون خطوة
قامت، دخلت الحمام، فتحت الماء، وغسلت يديها مرتين بلا سبب. ثم توقفت. كرهت نفسها لأنها فعلت هذا بلا سبب واضح. غسل اليدين لا يمحو صورة، ولا يمحو دخانًا
رجعت إلى الصالة
فتحت مفكرة صغيرة وكتبت كلمة واحدة
جاك
ثم كتبت تحتها
كيف
لم تكن تكتب لتتذكر، بل لتمنع عقلها من الركض في دوائر. الورقة تحبس الفوضى
رن الهاتف
هذه المرة رُبى
أجابت لوسي بسرعة
"ما الأخبار"
رُبى قالت بنبرة أقل مرحًا من المعتاد
"رأيت جاك يخرج من الحفل قبل النهاية"
لوسي قالت
"هذا طبيعي"
رُبى تنفست
"ليس طبيعيًا أنه كان يسأل عنك قبل أسبوعين"
لوسي سكتت ثانية واحدة. أسبوعان. هذا يعني أنه لم يأتِ ليلتقط فضيحة جاهزة فقط. كان يبني شيئًا
قالت
"من قال لك"
رُبى قالت
"شخص في فريق التنظيم، لا يهم اسمه الآن"
ثم أضافت
"كان يقول: صحافي يريد ان يعرف من اين خرجت لوسي فجأة، قبل القضية وبعدها"
لوسي قالت بهدوء
"الكثير يتساءلون"
رُبى قالت
"ليس الجميع يتعب على جواب"
ثم ضحكت ضحكة قصيرة لتخفف ثقلها
"على فكرة، توجد لك صورتين نشرتا بلأمس من زاوية قبيحة"
لوسي قالت
"احذفيهما"
رُبى قالت
"مستحيل… لكن أستطيع ان أغرقهما بصور أجمل"
هذا هو عالم رُبى. لا يمحو، يغطّي. ولوسي تفهم قيمة التغطية
قالت لوسي
"أحتاج منك شيء"
رُبى قالت فورًا
"ماذا"
لوسي قالت
"أريد موعدًا مع جاك"
رُبى صمتت لحظة
"جاك لا يحب المواعيد. يحب أن يصطاد"
لوسي قالت
"إذن اجعليه يظن أنه يصطاد"
رُبى ضحكت
"هذا كلامك أنت"
لوسي قالت
"تمام. ساعديني"
رُبى قالت
"أستطيع أن أرتب أنك تصادفينه في مقهى قريب من مبنى الصحيفة"
ثم أضافت
"لكن انتبهي… النوع هذا لا يبتز فقط. النوع هذا يكتب"
لوسي قالت
"أنا أعرف"
أغلقت المكالمة بعد ان ودعتها
ثم جلست لحظة، وأعادت فتح صورة الطفلة
كبرت على الشاشة، لكن التفاصيل لم تكبر معها. الدخان يمحو الوجه. وهذا كان نعمة ونقمة. نعمة لأن أحدًا لا يستطيع أن يقول: هذه هي. نقمة لأن لوسي وحدها تعرف
أغلقت الصورة ثانية، ثم ضغطت على رقم ليلى
ردت ليلى وكأنها كانت تنتظر
"لوسي"
لوسي قالت
"هل يمكن أن نوقف توسيع صلاحيات آدم"
ليلى قالت
"نحاول"
ثم أضافت بوضوح
"لكن المحكمة تحب الأطباء الذين يبدون حذرين. وهذا يعطيه قوة"
لوسي قالت
"هو ليس حذرًا. هو…"
توقفت. لم تجد كلمة مناسبة. ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها لا تريد أن تعترف أمام ليلى بأن آدم لا يضغط عليها بالملف فقط. يضغط عليها باسم
ليلى قالت
"هو ماذا"
لوسي قالت
"هو ذكي"
ليلى ردت فورًا
"وإذًا أنتِ في خطر"
لوسي ابتسمت رغم نفسها
"أنا دائمًا في خطر"
ليلى قالت
"لا تحوليها إلى نكتة"
ثم سكتت لحظة وأضافت
"هل اتصل بك أحد غير معروف"
لوسي قالت
"نعم"
ليلى قالت
"لا تردي. لا تحذفي. احتفظي بكل شيء"
"وأرسلي لي لقطات شاشة للرسائل النصية فقط، بدون الصورة نفسها إذا كنت لا تريدين"
لوسي قالت
"حسنًا"
قبل أن تغلق، قالت ليلى
"ولوسي…"
لوسي قالت
"نعم"
ليلى قالت
"لا تلعبي مع الصحافة وحدك"
لوسي لم تجب. لأنه ليس لديها جواب يرضي ليلى. أغلقت
بعد ساعة، خرجت لوسي من شقتها
ذهبت إلى محل زهور صغير عند زاوية شارع بعيد عن وسط المدينة. لم يكن أفضل مكان للزهور، لكنه قريب. والزهور هنا ليست للشراء، بل للتهدئة
وقفت أمام الواجهة، تنظر إلى براعم بيضاء صغيرة
تذكرت ياسمين دون أن تريد. ليست صورة واضحة، فقط ضحكة خفيفة، امرأة تضحك حين تنكسر الأشياء بدل أن تغضب، امرأة تقول لها مرة: البراعم لا تخاف، هي فقط تنتظر الوقت
لوسي كرهت أن تتذكر هذا الآن. الحنان في وقت الخطر يجعلها أضعف
ابتعدت، ورجعت إلى السيارة
في طريقها، رن هاتفها برسالة من ريتشارد
"غداء اليوم. لا تتأخري"
لم يضع علامة استفهام. لم يطلب. ريتشارد لا يطلب حين تكون الصورة العامة في خطر
ردت لوسي
"سأكون هناك"
ثم توقفت لحظة، وأضافت كلمة واحدة لتلينه
"Dad"
أرسلتها
لم تكن كذبة. كانت أداة
في مطعم هادئ، جلس ريتشارد أمام نافذة كبيرة، ظهره مستقيم، يده على الطاولة كأنها على منصة. حين دخلت لوسي لم يقف. اكتفى أن يرفع عينيه، ويشير إلى الكرسي
قال
"اجلسي"
لوسي جلست
قال ريتشارد بالإنجليزية ثم عاد لكلمة عربية واحدة، كأنه يختبرها بها
"الصحافة… مزعجة"
ثم قال بالعربية البسيطة
"بخير؟"
لوسي فهمت. هو يسأل: هل أنتِ تحت السيطرة
قالت
"أنا بخير"
ريتشارد لم يقتنع بالجملة. قال
"تلقيت اتصالًا"
ثم وضع هاتفه على الطاولة ومرر له لقطة شاشة لعنوان بريد إلكتروني مجهول، ورسالة قصيرة
"نعرف من تكون"
لوسي لم يتغير وجهها كثيرًا
قالت
"هل ردّدت"
قال ريتشارد
"لا"
ثم حدق فيها
"هل يجب أن أقلق"
لوسي قالت
"القلق يفسد قراراتك"
ريتشارد لم يعجبه الأسلوب. هو يحب الطاعة الناعمة، لا الذكاء الذي يرفع رأسه. لكنه أيضًا يعرف أنه يحتاج ذكاءها الآن
قال ببرود
"من يملك شيئًا ضدك، يملكه ضدي"
لوسي قالت
"وأنا أفهم هذا"
ريتشارد قال
"إذن أصلحيه"
لم يقل: احمي نفسك. قال: أصلحيه. الصورة قبل الإنسان. دائمًا
لوسي نظرت إلى وجهه لحظة، ثم قالت
"هناك صحافي اسمه جاك بيرنييه"
لأول مرة تغيرت ملامح ريتشارد قليلًا
"أعرفه"
ثم أضاف
"هو لا يُشترى"
لوسي قالت
"لا أريد شراءه"
ريتشارد قال
"ماذا تريدين"
لوسي قالت
"أريد أن أعرف ما الذي يملكه"
ريتشارد قال
" ستعرفين"
ثم قال جملة قصيرة، كأنه يضع شرطًا
"لا تجرّي اسمي إلى القذارة"
لوسي ابتسمت ابتسامة لطيفة تصلح لطاولة غداء
"لن أفعل"
خرجت من المطعم، والهواء يصفعها من جديد
في السيارة، وجدت رسالة جديدة من رُبى
"غدًا، الساعة الخامسة، مقهى اسمه Noire قرب مبنى الجريدة. جاك يشرب قهوة هناك كل ثلاثاء"
ثم سطر آخر
"لا تلبسي قناعًا واضحًا. هو يحب الأقنعة"
لوسي قرأت الرسالة، ثم رفعت عينها إلى الشارع أمامها
غدًا
وهذا يعني أنها ستدخل معركة خارج المحكمة لأول مرة. معركة لا تُحسم بتقرير، بل بنظرة
وفي نفس اللحظة جاء إشعار من تطبيق المواعيد
موعد الجلسة القادمة مع آدم تم تقديمه يومين
قرأت العبارة مرتين
تم تقديمه
هذا لم يكن قرارًا عشوائيًا. هذا ضغط. آدم لا يكتفي بأنه في داخل النظام. آدم يحرك النظام ليقترب
رفعت لوسي الهاتف، ثم أطفأته تمامًا
وأدركت أنها، للمرة الأولى منذ مدة طويلة، لا تعرف أي باب عليها أن تغلق أولًا
وهنا انتهى الفصل الخامس