لم تحب لوسي أن تنتظر
الانتظار يجعل العقل يخترع احتمالات أكثر مما يحتمل. وهي تعيش على حقائق صغيرة لا على عواصف تخيلية. لكن الموعد مع جاك كان غدًا، والجلسة مع آدم قُدّمت يومين، وريتشارد يريد منها أن “تصلح الأمر” من دون أن يلوّث اسمه
كل خيط يشدها من جهة
وهذا ما يقتل الهدوء
في صباح اليوم التالي، استيقظت مبكرًا، وأجبرت نفسها على روتين بسيط كأنه عقد بين جسدها وعقلها: قهوة، ملابس، شعر، هاتف. ثم فتحت التقويم وتأكدت من الساعة
الخامسة، مقهى Noire
المكان وحده مناسب. نوار. أسود. مثل النبرة التي تتغير في الناس حين يتوقفون عن المجاملة
قبل أن تخرج، وصلت رسالة من إيثان
"سأكون مشغولًا حتى المساء. عشاء اليوم"
لوسي قرأت الرسالة، ثم كتبت ردًا قصيرًا
"تمام. اشتقت لك"
ثم توقفت لحظة، وأضافت وجهًا صغيرًا مبتسمًا، كأنها تؤكد نسختها معه. أرسلتها. لا لأنها تشعر بذلك بالضرورة، بل لأن الاستمرار في النسخة يحميها من الأسئلة
أغلقت الهاتف، ونظرت إلى المرآة
اختارت مظهرًا لا يلمّع ولا يستفز: معطف فاتح، شعر مرفوع نصف رفعة، مكياج بالكاد يذكر. لا فستان حفلات، ولا بدلة محكمة. مظهر امرأة تخرج لتشرب قهوة، لا امرأة تذهب لتصارع صحافيًا
وهذا بالضبط ما يجعلها خطرة
خرجت قبل الموعد بنصف ساعة
جلست في السيارة بعيدًا عن المقهى، تراقب الداخل من خلال الزجاج. تعلمت منذ الصغر أن ترى قبل أن تُرى. رأت موظفًا يخرج ليدخن، ورجلًا يدخل يحمل حاسوبًا، وامرأة تضحك مع صديقتها. كل شيء طبيعي. وهذا أخطر شيء. حين يبدو كل شيء طبيعيًا، لا تنتبه لعين الصياد
نزلت أخيرًا
دخلت المقهى، واختارت طاولة على الطرف، ليست قريبة من الباب ولا بعيدة جدًا. مكان يسمح لها أن تراقب دون أن تبدو أنها تراقب
بعد دقائق دخل جاك بيرنييه
عرفته من الحفل، ومن الوصف الذي لم تكن تحتاجه. لا يمشي مثل الناس، يمشي كأنه يقطع مسافة بين سؤال وسؤال. معطفه داكن، وجهه هادئ، عيناه لا تبتسمان حتى وهو يبتسم
طلب قهوة، ثم التفت بعينه إلى القاعة
لم يبحث عنها بعينيه كمن يبحث عن فريسة. بحث عنها كمن يبحث عن دليل. هذا فرق مهم
حين وقعت عيناه عليها، لم يبدُ متفاجئًا. كأنه توقع أن “الصدفة” ستقع هنا
اقترب، وقف لحظة، ثم قال بالفرنسية
"هل المقعد مشغول"
لوسي رفعت عينيها
"لا"
جلس دون دعوة إضافية، ووضع هاتفه على الطاولة، لكن الشاشة للأسفل. إشارة بسيطة: أنا لا أُسجل الآن، أو أنا أريدك أن تظني أني لا أسجل
جاك قال بهدوء
"لوسي هيل"
نطق اللقب الجديد كما لو أنه يختبره في فمه
لوسي لم تُصلح. لم تقل: لست هيل قانونيًا. التصحيح يُظهر حساسية. وهي لا تعطي حساسية
قالت
"جاك بيرنييه"
جاك رفع حاجبه
"تعرفين اسمي"
لوسي قالت
"أنت في الأخبار"
جاك قال
"وأنتِ في الأخبار أكثر"
صمت لحظة، ثم أضاف
"لكن أنا لا أجيء لأني أحب الأخبار"
نظر إلى عينيها مباشرة
"أنا أجيء لأني لا أحب الفراغات"
لوسي ابتسمت ابتسامة خفيفة
"الفراغات تجعل القصص أجمل"
جاك قال
"الفراغات تجعل القصص كاذبة"
ثم سأل فجأة، بلا تمهيد
"من أين جئتِ"
كان السؤال بسيطًا، لكن طريقته جعلته سكينًا. هو لا يسأل عن المدينة. يسأل عن الأصل
لوسي حركت ملعقتها في القهوة التي لم تطلبها بعد، حركة صغيرة لكسب ثانية
قالت
"ومن أين جئتَ أنت"
جاك لم ينزعج
"من ملف إلى ملف"
ثم مال للأمام قليلًا
"أنا لا أحتاج أن تخبريني الحقيقة كلها"
"أنا أحتاج أن أرى إن كان الخوف الذي عندكِ له سبب"
لوسي قالت
"الخوف عند كل شخص له سبب"
جاك قال
"صحيح"
ثم وضع شيئًا على الطاولة
ليس الصورة. ليس الدليل الكبير. مجرد ورقة مطبوعة من سطرين، كأنها خرجت من سجل قديم
تاريخ
مدينة
وكلمة واحدة في خانة ملاحظة: طفلة مجهولة
لوسي نظرت إلى الورقة دون أن تنزل عيناها كثيرًا. لا تعطي الورقة انتصارًا
جاك قال
"هذه نافذة زمنية"
ثم أضاف
"فيها ظهر اسمك لأول مرة في أي سجل يمكن الوصول إليه"
لوسي قالت ببرود
"هل تظن أن كل إنسان يولد في السجلات"
جاك قال
"لا"
"لكن أغلبهم يتركون أثرًا قبل أن يقرروا أن يمحوه"
ثم سأل سؤالًا آخر، أكثر مباشرة
"هل كنتِ طفلة بلا اسم"
لوسي ضحكت ضحكة قصيرة، صادقة على نحو مزعج حتى لها
"كلنا نكون بلا اسم عند أحد"
جاك لم يضحك
قال
"أنا لا أبحث عن فلسفة"
ثم ترك صوته ينخفض
"أنا أبحث عن طفلة اختفت بعد حريق"
الصمت الذي تلا الجملة كان أثقل من القهوة
لوسي لم تنظر بعيدًا. أجبرت نفسها أن تبقى. الهروب بعينينها يعني أنه أصاب
قالت بهدوء
"الحريق موضوع شائع للصحافة"
جاك قال
"موضوع شائع حين يكون بعيدًا"
ثم أخرج هاتفه، وفتحه هذه المرة
لم يعرض الصورة. فقط عرض عليها شاشة سوداء فيها سؤال مكتوب
هل هذا أنتِ
نفس السؤال الذي جاءها من الرقم المجهول، لكن هنا بلا دخان ولا طفلة. مجرد كلمات. كأن الكلمات وحدها تكفي
لوسي فهمت في لحظة أن الرقم المجهول قد لا يكون مجهولًا. أو على الأقل، أنه مرتبط بهذا الرجل بطريقة ما. ليس يقينًا، لكن خيطًا
قالت لوسي
"هل أنت الذي أرسل الصورة"
جاك لم يقل نعم ولم يقل لا
قال فقط
"أنا الذي وجدتُها"
ثم أضاف جملة أبرد
"وأنا الذي أعرف أنها لا تكفي لإدانة أحد"
لوسي قالت
"إذن لماذا تلعب"
جاك قال
"أنا لا ألعب"
"أنا أضغط كي يظهر شيء"
ثم سأل بصوت ثابت
"هل تظنين أنكِ بريئة"
لوسي لم تجب فورًا. لأنها لو قالت نعم، سيضحك في داخله. ولو قالت لا، سيكتبها
قالت بدلًا من ذلك
"أنا أظن أنني لا أريد أن أُدفن من أجل قصة قديمة"
جاك قال
"القصة القديمة هي التي تلد القصص الجديدة"
ثم أمال رأسه قليلًا، كأنه يضع شرطًا
"سأعطيكِ فرصة"
لوسي قالت
"فرصة ماذا"
جاك قال
"أن تقولي لي شيئًا صغيرًا"
"إما أن تنفي"
"أو أن تصمتي"
"لكن صمتك سيكون جوابًا"
لوسي قالت
"وأنت ما الذي تريده"
جاك قال بلا مواربة
"أريد أن أعرف إن كنتِ أنتِ"
ثم أضاف
"وأريد أن أعرف ماذا حدث هناك"
لوسي نظرت إليه، ثم قالت ببرود محسوب
"لن تحصل على اعتراف"
جاك أومأ كما لو أنه كان يتوقع ذلك
"لا أحتاج اعترافًا"
"أحتاج خطأ"
ثم نهض، ترك قهوته نصف مشروبة، ووضع ورقة السطرين في جيبه مرة أخرى كأنه لم يعطها شيئًا
قال
"سأراكِ قريبًا يا لوسي"
ثم أضاف بالعربية المكسّرة كلمة واحدة، كأنه يرميها ليرى أثرها
"لو"
كانت الكلمة سيئة النطق، لكنها أصابت لأن من قالها لم يكن ينبغي أن يقولها
وقبل أن تتمكن لوسي من الرد، كان قد ابتعد
جلست لوسي وحدها، والهواء في المقهى صار مختلفًا
لا أحد يحدق بها، ومع ذلك شعرت كأن كل شيء يحدق
أخرجت هاتفها، كتبت رسالة لربى
"هل أعطيته اسمي"
ثم توقفت. حذفتها. السؤال نفسه يكشف خوفًا. والخوف في الرسائل دليل
وضعت الهاتف جانبًا، ونهضت
في الخارج كان البرد حادًا. مشت نحو سيارتها، وعقلها يعمل بسرعة. جاك ليس متأكدًا، لكنه قريب. وهو لا يريد مالًا. يريد قصة. وهذا أسوأ
وعندما جلست خلف المقود، ظهر إشعار جديد على هاتفها من رقم غير مسجل
ليس صورة هذه المرة
موعد
غدًا، التاسعة صباحًا
عيادة آدم
وتحت الموعد سطر واحد
"إن تأخرتِ، سأكتب أنكِ تهربين"
رفعت لوسي رأسها كأنها تنظر إلى شيء لا يُرى
آدم يحاصرها من داخل القانون
وجاك يطاردها من خارج القانون
وفي المنتصف، إيثان ينتظر عشاءً لطيفًا لا يعرف أنه فوق حقل ألغام
أغلقت لوسي الهاتف
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لا فيها فرح ولا فيها خوف
ابتسامة من عرف أنه بدأ موسم جديد من البقاء
وهنا انتهى الفصل السادس