الفصل 8: العشاء

لم تذهب لوسي إلى بيتها مباشرة

البيت يعني وحدتها، والوحدة تعني أن الكلمات التي قالها آدم ستصير أصداء. وهي لا تريد أصداء اليوم. تريد حائطًا بشريًا تقف خلفه ساعات قليلة

إيثان

العشاء كان وعدًا بسيطًا في رسالته، لكنه بالنسبة لها كان شيء آخر: فرصة لتعيد تثبيت النسخة التي تبنيها معه. لوسي اللطيفة، الهادئة، التي تُنهكها العيون لا الحقائق

في الطريق إلى المطعم، توقفت عند محل صغير واشترت شيئًا رخيصًا لا يلفت: باقة صغيرة جدًا من زهور بيضاء، براعم أكثر مما هي أزهار. لا معنى رسمي لها، لكنها تحمل معنى داخليًا. وهذا النوع من المعاني يخدمها لأنها لا تحتاج أن تشرحه

وصلت قبل إيثان هذه المرة

اختارت طاولة بعيدة عن الباب، في زاوية تُظهرها للداخل لا للعابرين. المطعم فرنسي صغير، إضاءة دافئة، موسيقى منخفضة، رائحة خبز وزبدة. مكان يجعل الناس يلينون من غير أن يشعروا

وعندما دخل إيثان، رآها فورًا

ابتسم، اقترب، وقال بالإنجليزية

“You’re early”

لوسي قالت بالعربية، بسلاسة

"تعلمت"

جلس

نظر إلى الباقة الصغيرة

"هذا لي"

لوسي دفعتها نحوه

"لك"

إيثان ضحك ضحكة قصيرة، لم يبدُ عليه أنه اعتاد هدايا بهذه البساطة. غالبًا الناس يعطونه أشياء أغلى وأثقل

قال

"جميلة"

ثم رفع عينيه إليها

"وكذلك أنتِ"

لوسي ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم سكتت ثانية، كأنها تسمح للجملة أن تفعل فعلها. هي تعرف كيف تترك كلمة جيدة تعيش

طلبا الطعام

سألها إيثان عن يومها. لوسي أعطته النسخة التي لا تفضحها: ضغط، مواعيد، قلق من الإعلام. كانت حقيقية بما يكفي لتُصدق، ناقصة بما يكفي لتُنقذها

إيثان قال بهدوء

"أنا أفكر… بعد ما تنتهي هذه المرحلة، نسافر أسبوعًا"

لوسي رفعت عينيها

"إلى أين"

إيثان قال

"أي مكان. بعيد. بلا كاميرات"

لوسي شعرت بشيء دافئ يمر في صدرها ثم يتراجع. لأن البعد المغري عندها ليس السفر. البعد هو السلام. وهي لا تثق بالسلام

قالت

"فكرة جميلة"

إيثان قال

"لم تقل لي نعم"

لوسي ابتسمت

"أنا أحتاج أن أرى ماذا ستكتب المحكمة عني أولًا"

إيثان لم يضغط، لكنه لم يترك الموضوع

"هذا الطبيب… آدم ديلاكروا"

نطق اللقب كأنه يتذوقه ثم يرفضه

"هل هو قاسٍ معك"

لوسي قالت

"هو… رسمي"

إيثان قال

"رأيت كيف ينظر"

لوسي لم تسأل كيف ينظر. لأنها تعرف. لكنها قالت

"الناس ينظرون"

إيثان قال

"أنا لا أحب أن ينظر أحد لك وكأنه يملكك"

كلمة يملكك اقتربت كثيرًا من جملة آدم: لا أريد أن تخرجي من سيطرتي. لوسي أحست للحظة أن هذين الرجلين، رغم اختلافهما، يتحدثان عن نفس الشيء من زاويتين مختلفتين

ملكية

هي تكره الكلمة، لكنها تعيش عليها. لأنها تعرف كيف تكون مملوكة حين تريد، وكيف تهرب حين لا تريد

قالت لوسي بهدوء

"أنا لا أُملك"

إيثان نظر إليها طويلًا ثم قال

"جيد"

وصمت

جاء الطعام، ومرّت دقائق من حديث خفيف عن الأعمال، عن فيلم شاهداه، عن مطعم آخر. لوسي بارعة في السكون المُسيطر عليه. تجعل اللحظة تبدو طبيعية حتى وهي تضع تحتها خطة

ثم، دون مقدمات، قال إيثان بصوت منخفض

"وصلتني رسالة اليوم"

لوسي لم يتغير وجهها. لكنها شعرت بداخلها أنه انقبض

قالت

"من"

إيثان قال

"لا أعرف"

ثم دفع هاتفه نحوها

كانت رسالة قصيرة، بالإنجليزية

إذا كنت تعتقد أنك تعرفها… فأنت لا تعرف شيئًا

تحتها رابط لم يفتحه إيثان

لوسي لم تلمس الهاتف. فقط نظرت

قالت بهدوء

"لا تفتح الروابط"

إيثان قال

"لم أفتح"

ثم سأل

"هل هذا بسبب قضيتك"

لوسي قالت

"غالبًا"

إيثان قال

"أو بسبب شيء آخر"

صوته لم يكن اتهامًا، كان محاولة ليرى هل ستمنحه حقيقة. إيثان لا يحب العنف، لكنه لا يحب أن يكون غبيًا أيضًا

لوسي اختارت حقيقة صغيرة، آمنة

قالت

"هناك صحافي… يلاحق قصتي"

إيثان قال

"جاك"

لوسي أومأت

"نعم"

إيثان قال

"هل قابلته"

لوسي قالت

"لا"

قالتها بسرعة، ثم استقرت. هذه كذبة واضحة لو سألها آدم. لكنها ليست كذبة كبيرة في عالم إيثان. إيثان لن يملك طريقة للتحقق، وهو لا يريد أن يتحول إلى محقق

لكنها، في داخلها، كرهت أنها قالتها بسهولة. الكذبة السهلة تعني أن الكذب صار عادة لا خيارًا

إيثان قال

"حسنًا"

ثم أخذ نفسًا، وأضاف

"لوسي… إذا كان هناك شيء قديم… شيء كبير… أنا أفضل أن أسمعه منك"

هذه كانت لحظة انقسام. لحظة يمكن أن تُلينها أو تُقسيها. لوسي رأت الطريقين بوضوح

إن قالت الحقيقة، ستخسر السيطرة. إن كذبت، ستربح وقتًا

والوقت عندها هو الحياة

قالت بصوت خفيف، كأنه يحمل انكسارًا صغيرًا

"أنا تعبت من أن أدافع عن نفسي طوال الوقت"

إيثان نظر إلى عينيها، وهدأ

"أنا لا أهاجمك"

لوسي ابتسمت ابتسامة امتنان، ثم مدّت يدها والتقطت يده فوق الطاولة، لمسة قصيرة، كأنها تقول: أنا معك. لم تبالغ. لم تمسك أكثر مما ينبغي. الحركة محسوبة. تُطمئنه وتُطعم قلبه دون أن تفتح بابًا لا تريد فتحه

إيثان ضغط على يدها قليلًا ثم تركها

قال

"أريد أن أثق"

لوسي قالت

"ثق"

الكلمة خرجت سهلة جدًا، كأنها تعلمت أن تقولها مثل أي كلمة أخرى. لكنها حين قالتها شعرت كأنها تبيع شيئًا لا تملكه بالكامل

خرجوا من المطعم بعد ساعة

الهواء في الخارج كان أبرد، لكن المدينة هادئة. إيثان أوصلها بسيارته. أمام باب شقتها، توقف

قال

"غدًا سأمر عليك"

لوسي قالت

"حسنًا"

إيثان تردد لحظة، ثم قال

"أحبك"

الكلمة جاءت بلا ضجيج. هذا ما يجعلها أخطر. لأنها لا تبدو كتمثيل

لوسي نظرت إليه

لحظة واحدة فقط، شعرت فيها أنها تريد أن تكون إنسانة عادية. ثم تذكرت الصورة، وتذكرت آدم، وتذكرت جاك، وتذكرت ريتشارد وهو يقول: أصلحيه

قالت بنبرة لطيفة، فيها دفء مقصود

"وأنا أيضًا"

كانت إجابة تصلح لتثبيت ما تريده. لكنها لم تعرف إن كانت صادقة أم ذكية. وربما كانت الاثنين معًا، وهذا ما يخيفها

صعدت إلى شقتها

أغلقت الباب، أسندت ظهرها إليه لحظة

ثم أخرجت الهاتف

رسالة جديدة من رقم مجهول

هذه المرة ليست تهديدًا مباشرًا. كانت عبارة واحدة فقط

"إذا أحبك فعلًا… سيكرهك حين يعرف"

لوسي قرأت العبارة، ثم رفعت رأسها كأنها تسمع أحدًا يتنفس في الغرفة

لم يكن هناك أحد

لكنها عرفت أن هناك من يصنع حولها دائرة ببطء، دائرة من الكلمات

وفي منتصف الدائرة، آدم يكتب، وجاك يحفر، وريتشارد يحسب، وإيثان يحب

أما هي، فكانت تقف في الوسط، وتفكر بالشيء الوحيد الذي تعرفه منذ الطفولة

البقاء للأذكى

وهنا انتهى الفصل الثامن

2026/02/20 · 0 مشاهدة · 944 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026