كان روتين فاليريا العملي مملاً بشكل مذهل:
في الصباح، تجلس خلف مكتبها كتمثال حزين، توقع و تراجع جبال من العقود و المستندات. وتخطط لكيفية إطعام القرية في الشهر القادم – وكأن الطعام ينمو على الأشجار! (لا ينمو. الثلج هو الذي ينمو. وكثرته مشكلة).
في أحد الأيام، وكجزء من مؤامرة كونية لتدمير معنوياته،
كلفت نيسان بمهمة "عظيمة": حراسة البوابة الحجرية والحقول المحيطة بها. ليوم كامل. أخبرته بأنه كان من المفترض ان يكون الحارس العجوز معه لكنه أخذ إجازة ليذهب لزيارة حفيده – أو رباح ليهرب من نيسان.
ذهب نيسان إلى البوابة. جلس. انتظر. تحدث مع نفسه. سمع أصداء كلامه. بعد ساعة بالضبط، بدأت جفونه تثقل .ثم استسلم. غط في نوم عميق، ورأى حلماً جميلاً أنه بطل يحارب بقوة الجزر و الباذنجان. ربما لانه نام جائعاً...؟
عندما استيقظ (على صوت قرقرة معدته )،
شاهد الكارثة: قطيع من الغزلان – كائنات بريئة المظهر، خبيثة الروح – كانت قد اقتحمت الحقل. لم تكتفِ بالأكل، بل أقامت مأدبة. أكلت المحصول كله. حتى الجذور. حتى التراب المحيط به. نظرة واحدة إلى الحقل الخالي جعلت قلب نيسان يتوقف للحظة، ثم ينفجر كبركان هزلية.
صرخ نحو الغزلان بصوت مرتجف من الغضب والإهانة:
"أيتها الغزلان اللعينة! إلى الجحيم! الآن! فوراً!.سأشويكم جميعا !!!!"
وبدأ يركض خلفها.
الغزلان، بالطبع، لم تتعاون. كانت تجري كأنها في نزهة، تتوقف لتأكل زهرة هنا، وتمضغ عشبة هناك.
نيسان، من جهته، كان يتعثر في كل حفرة، يفقد حذائه كل بضعة أمتار، ويتحول لونه إلى أحمر ثم أزرق ثم بنفسجي من التعب.
بعد ساعات من المطاردة المهينة، عند الغروب، عاد نيسان إلى القرية.
كانت حالته "يرثى لها" – كناية عن كارثة إنسانية. عباءته ممزقة، وجهه مغطى بالتراب والعرق والدماء (من شجيرة تعرضت له بالخطأ)، وحذائه الأيسر مفقود لا يعلم اين أسقطه . لكنه كان قد حقق إنجازاً عظيماً: قطيع الغزلان مربوط بحبل طويل من رقابه، وهو يجرهم خلفه كمن انتصر في حرب.
كان يهمس لهم بنبرة انتقامية، وكأنه شرير في قصة خرافية :
"لا تحاولوا طلب المغفرة. أنتم من أكلتم طعام القرية... بوهههها!" (قفزة خلفية وهمية). "أتعرفون ماهو عقابكم، أيها اللصوص؟"
التفت إليهم بانتصار متوقع.
كانت الغزلان تمضغ بهدوء. لقد أكلت المحصول منذ بضعة ساعات. الآن كانت تمضغ... لا شيء. ربما تمضغ ذكرى المحصول. أو ربما تتجاهله تماماً.
نيسان شعر بالإهانة. إهانة حقيقية. أنه يخطب فيهم ببلاغة، وهم لا يلتفتون. حتى زغطة منهم لم تصدر.
"تباً لكن، أيتها اللصوص! لكن لا تفرحن!" رفع إصبعه نحوهن بنبرة متفاخرة "ستقام الليلة في القرية مأدبة ضخمة... على شرفكن!.. هاهاهاها.."
رجل و إمرأة كبار في السن مروا من جانبه. "ما باله يضحك وحده هكذا..هل هو مجنون؟ " سأل الرجل. "لا عليك حماس الشباب" أجابته المرأة.
لا أحد. كان يتحدث إلى نفسه. لكنه كان فخوراً بنفسه.
جاءت فاليريا مسرعة رأت نيسان المنتصب كالفارس. رغم حالته المزرية. رأت قطيع الغزلان الذي سيصبح عشاء القرية للأسبوعين القادمين.
وقفت صامتة.
ثم قالت، بصوت جاف كالثلج:
"أنا كلفتك بحراسة الحقل، لا باصطياد عشاء لأسبوعين."
رد نيسان بسذاجة "أنا اسف"
" لماذا إصطدت هذا العدد من الغزلان رغم انني لم أكلفك؟ "
"هاؤلاء الحمقى اكلوا المحصول الذي كان ليطعم القرية لأسبوعين. لذا احضرتهم ليكونوا طعاما للقرية "
فاليريا غطت وجهها بيديها. ضحكت. رغماً عنها. ثم أمرت بذبح الغزلان وأقامت المأدبة التي وعد بها نيسان.
نيسان في المأدبة؟
أكل قطعة كبيرة من اللحم، وتعهد ألا ينام أبداً أثناء الحراسة مرة أخرى.
(لكن في الصباح التالي، نام. بالطبع. لأنه نيسان).