8 - الفصل الثامن:شكرا لك

قبل أسبوع من التبادل، ذهب نيسان مع فاليريا و أخواتها الثمانية إلى السوق لشراء مستلزمات الاحتفال.

‏كان السوق مزدحماً. الباعة يصرخون. الأطفال يركضون. والثلج يتساقط بهدوء فوق الجميع.

‏فاليريا تتقدم، ونيسان خلفها يحمل الأكياس. بعد خمس دقائق، أصبحت الأكياس عشرة. بعد عشر دقائق، كان نيسان مختبئاً خلف جبل من الخبز والجبن والفواكه المجففة.

‏"أنا أموت! لا أرى الطريق!"

‏"اتبع صوتي."

‏"أين صوتك؟"

‏"هنا."

‏"أين هنا؟"

‏"خلفك!"

‏"خلفي أين؟"

‏"أمامك!"

‏"أنا في متاهة!"

‏توقفت فاليريا. نظرت إليه وهو يتخبط بالمشي كأنه دبٌ اخرق . تنهدت عادت إليه وأخذت نصف الأكياس.

‏"أنت عديم الفائدة."

‏"ماذا؟!!!. لماذا تقولين هذا؟!.. أنا مفيد جداً."

‏"و جميل ايضاً !" أكمل بمزاحه السخيف.

‏"هذا لا يساعد."

‏"لكنه يرفع المعنويات."

‏وهكذا مشيا. فاليريا تحمل المؤن، ونيسان يحمل نفسه فقط. كان فخوراً.

‏توقفا عند كشك الحلوى. اشترى نيسان قطعة حلوى بالعسل لأطفال القرية. قال للبائع: "ضعها في كيس منفصل. ستذهب إلى القلوب الصغيرة."

‏فاليريا نظرت إليه. قالت: "من علمك هذا الكلام؟ تبدو كشيخٍ هرم "

‏بدأ يمسح على ذقنه الغير موجود. و أجاب بفخر.

‏"جدتي."

‏"جدتك حكيمة."

‏"كانت تقول: 'الحلوى للجسد، والخبز للروح.' أو العكس. لا أتذكر."

‏"أنت لست متأكداً؟"

‏"لست متأكداً من أي شيء. لكني متأكد أن الأطفال يستحقون الحلوى."

‏ابتسمت فاليريا. قالت: "نعم. يستحقون."

‏وفي ذلك اليوم، عندما عادوا إلى القصر، وجد نيسان قطعة حلوى إضافية في حقيبته. لم يقل شيئاً. لكنه أكلها وهو ينظر إلى الثلج يتساقط. كانت حلوة. و رفعت من معدل السعادة لديه كما أوضح. لفاليريا..

‏قبل يومين من التبادل. في تلك الليلة لم تنم فاليريا.

‏جلست أمام نافذتها. زجاج النافذة متجمد. رسمت عليه بأصبعها: خرابيش اشكال سخيفة لكنها كانت تحاول أن تشغل بالها عن التفكير.. كانت ترسم منذ عام. وما زالت.

‏سمعت حركة خلفها. التفتت. نيسان واقف عند عتبة الباب – استخدم الباب فعلاً.

‏"لماذا لم تقفز من النافذة؟" سألت.

‏"الليلة... ليست ليلة قفز."

‏اقترب. جلس بجانبها على الأرض. صمت طويلاً. ثم قال:

‏"خائفة؟"

‏"لا."

‏"أنا خائف."

‏نظرت إليه. "أنت؟ من ماذا؟"

‏"من أن تفقدي ابتسامتك. عندما تذهبين إلى هناك. عندما تلتقين به. عندما تصبحين زوجة شخص لا تعرفينه."

‏صمتت فاليريا....

‏أكمل

‏"أنا لا أخاف على القرية. القرية قوية. أنا أخاف عليكِ."

‏لم ترد. فقط رسمت نجمة صغيرة على زجاج النافذة، بجانب الخرابيش الكثيرة التي رسمتها مسبقاً.

‏قالت أخيراً:

‏"لن أخسر ابتسامتي. هي معي. أينما ذهبت."

‏"متأكدة؟"

‏"متأكدة."

‏فاليري صبت كوبين من الشاي و كان هناك صحن من البسكويت على المنضدة.

‏جلست على الأرض، و أسندت ظهرها إلى سريرها.كانت ترتدي ثوباً صوفياً بسيطاً، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها كالشلال المتجمد. كانت تمسك كوباً من الشاي الساخن، تنظر إلى النار بعينين خضراوين مزرقتين لا ترى ما أمامها، بل ترى ما مضى.

‏نيسان جالس مقابلها، القرفصاء كالعادة، كأنه لايعرف كيف يجلس مثل البشر. كان يشرب الشاي بصوت عالٍ مزعج، ويمضغ قطعة بسكويت كأنه يحاربها.

‏"أتعلمين "، قال فجأة، و فمه ممتلئ.

‏"هذا الشاي أقل سوءاً من شاي الجدة مارثا. "

‏"شاي الجدة ممارثا لا يُشرب. يُستنشق للعلاج." أوضحت له بهدوء

‏"صحيح! جربته مرة. سعلت لمدة ساعة. لكن البرد اختفى. أو ربما اختفى لأنني سعلت الجراثيم كلها."

‏ضحكت فاليريا. كانت ضحكة هادئة، مكتومة، كصوت الخشب وهو يحترق.

‏صمتا لحظة.

‏ثم قال نيسان، بصوت أصبح هادئاً فجأة:

‏"أتذكرين أول مرة التقينا؟"

‏نظرت إليه. "كنت في السادسة."

‏"وأنا في السابعة. كنت ألعب أمام القصر. أوصلكِ والدكِ في عربة الخيول. نزلتِ. كنتِ ترتدين ثوباً أزرق."

‏"أتذكر هذا الثوب. أمي خاطته لي."

‏". كنتِ تخافين من كل شيء. لقد كنتِ جبانة حقا!!. "

‏"لم أكن جبانة. "

‏"كنتِ خائفة مني عندما اقتربتُ."

‏"لأنك كنت قذراً! وجهك مغطى بالطين!"

‏"كنت ألعب! الطين طبيعي! جدتي كانت تقول: 'الولد النظيف لم يعش طفولته.'"

‏"جدتك كانت حكيمة."

‏" مضت خمس سنوات تقريباً منذ وفاتها... لكن كلامها لا يموت."

‏صمت نيسان للحظة. نظر إلى النار. ثم قال:

‏"لكنكِ لم تهربي. رغم خوفكِ، وقفتِ مكانكِ. نظرتِ إليّ بعينين واسعتين. ثم قلتِ: 'ما اسمك؟'"

‏"أتذكر."

‏"قلت: 'نيسان'. قلتِ: 'أنا فاليريا'. ثم مددتِ يدكِ إلي وسألتِ: 'هل تريد أن نلعب معاً؟'"

‏فاليريا ابتسمت. "لقد تلوث ثوبي بالطين. أمي غضبت."

‏"لكنكِ لم تندمي."

‏"لم أندم أبداً. ما كنت لأندم على تلك اللحظات ما حييت... "

‏نظر إليها. كانت عيناه – تلك العيون االسوداء العادية، التي لا تلمع كالزجاج، ولا تشع كالجمر، لكنها كانت دافئة. دافئة كالنار التي بينهما.

‏"أنتِ أول صديقة لي في هذه القرية"، قال. "لم يكن لدي أصدقاء قبل مجيئكِ."

‏"كنت وحيداً؟"

‏"كنت غريباً. لا أعرف والداي. جدتي ربّتني. الأطفال الآخرون كانوا يخافون مني لأنني كنت مختلفاً."

‏"مختلفاً كيف؟"

‏"لم أكن أعرف كيف ألعب بلطف. كنت أرمي كرة الثلج بقوة. كنت أصرخ عندما أغضب. كنت... كثير الكلام."

‏ضحكت. "ما زلت كثير الكلام."

‏"هذا أنا. لا أتغير."

‏"والأطفال الآخرون؟"

‏"توقفوا عن الخوف بعد أن دافعتي عني."

‏تذكرت فاليريا. كانت في السابعة. طفل ضرب نيسان بحجر. نيسان بكى. لكنه لم يرد الضرب. وقفت فاليريا بينهما، صرخت بوجه الطفل: "لا تؤذِ صديقي!" كانت تخاف. كانت ترتجف. لكنها لم تتراجع.

‏"أنتِ دافعتِ عني", قال نيسان. "وأنتِ أصغر مني بسنة."

‏"لأنك لم تكن تدافع عن نفسك."

‏"كنت أعلم أنني إذا ضربته، سأؤذيه كثيراً. لم أكن أريد ذلك."

‏"لذلك أنت طيب يا نيسان."

‏"أنا لست طيباً. أنا فقط أعرف أن الألم... لا يجب أن يُرد بمثله."

‏صمتت فاليريا. نظرت إلى كوبها الفارغ. ثم قالت:

‏"نيسان."

‏"نعم."

‏"منذ متى تعتبرني أختك؟"

‏توقف عن مضغ البسكويت. نظر إليها بعينين واسعتين. ثم قال:

‏"منذ البداية."

‏"البداية؟"

‏"منذ أن مددتِ يدكِ في ذلك اليوم. وقلتِ: 'هل تريد أن نلعب معاً؟' لم يكن أي طفل ليفعل ذلك. كانوا جميعاً يختبؤون خلف تنورات أمهاتهم. لكنكِ... كنتِ مختلفة."

‏"لم أكن أعرف أنني سأصبح زعيمة يوماً."

‏"ولا أنا كنت أعرف أنني سأصبح صديق الزعيمة ."

‏ضحكت. "انت لطيف.. "

‏"نعم. هذا أنا."

‏أمسكت كوبها الفارغ ووضعته جانباً. مدت قدميها نحو النار. قالت:

‏"نيسان. هل تعلم ما هو أسوأ شيء في كوني زعيمة؟"

‏"الورق!.... الكثير من الورق!!!." أجابها بتسرع.

‏"الورق. نعم. لكن أيضاً... الوحدة."صححت له.

‏رفع حاجباً.

‏"الجميع ينظر إليّ كزعيمة. لا كفاليريا. العجائز يحترمني. الرجال يطيعوني. الأطفال يخافون مني قليلاً. لكن لا أحد... لا أحد يراني كفتاة في السابعة عشرة تحب الرسم على الجدران وتخاف من الفشل."

‏"أنا أراكِ."

‏نظرت إليه.

‏"أنا أراكِ يا فاليريا. أراكِ حين تنظري في المرآة وتتمتمين 'لأجل قريتي'. أراكِ حين ترسمين على زجاج النافذة ليلاً. أراكِ حين تخافين من الغد لكنكِ لا تظهرين ذلك لأحد."

‏صمتت. كانت عيناها مغرورقتين. لكنها لم تبكِ. نيسان لم يبكِ أيضاً. كانا كبيرين على البكاء أمام بعضهما. أو صغيرين جداً. لا أحد يدري.

‏"لهذا أنت أخي"، قالت بصوت هامس. "لأنك تراني. ولا تحكم عليّ."

‏"ولهذا أنتِ أختي. لأنكِ رأيتِ في الطفل القذر صديقاً. ولم تتركيني أبداً."

‏مدت يدها. وضع كفه في كفها. صافحا كما كانا يفعلان منذ الطفولة: قبضة خفيفة، ثم ابتسامة.

‏"سأحميكِ", قال. "أينما كنت ثقي أنني سأحميك!!"

‏"هذه خطة غبية."

‏"خططي كلها غبية. لكنها تنجح أحياناً."

‏ضحكا. كانت ضحكاتهما تملأ الغرفة، وتختلط بأزيز النار وصوت الريح خارج النافذة.

‏ثم قال نيسان، فجأة:

‏"فاليريا. غداً هو يوم التبادل."

‏"أعرف."

‏"أنا خائف."

‏"أنا أيضاً."

‏"لكنني سأذهب إلى الخارج. سأرى العالم. سأحضر لكِ شيئاً."

‏"لا داعي. فقط إعتني بنفسك."

‏"سأعود. وأعدكِ أنني سأكون هنا. عندما تهمين بالمغادرة الى القرية الجنوبية. عندما تصبحين زوجة شخص لا تعرفينه. سأكون هنا لأودعكِ "

‏نظرت إليه. كادت تبكي. لكنها تمالكت نفسها.

‏"وعد؟"

‏" نعم إنه وعد."

‏"فاليريا."

‏"نعم؟"

‏"شكراً لكِ. لأنكِ جعلتِ طفولتي أقل وحدة."

‏"شكراً لك. لأنك جعلت زعامتي أقل وحدة."

‏ابتسم لها كالصداقة التي لا تحتاج إلى دم لتكون عائلة

‏لم يقل شيئاً. فقط بقي جالساً هناك، يشاركها صمتها.

‏في صباح اليوم التالي، أيقظتها أشعة الشمس الباردة على وجهها.

‏لم تكن على الكرسي. كانت على السرير. شخص ما وضعها هناك ليلاً. شخص ما غطاها ببطانية صوفية ثقيلة. شخص ما أطفأ الشمعة التي كانت تحترق بجانبها.

‏نظرت إلى النافذة. الرسمة التي كانت عليها... اختفت. أحدهم مسحها.

‏كان يمكن أن تغضب.

‏نزلت من سريرها.

‏لكنها وجدت، بدلاً من الرسمة، ورقة صغيرة محشورة في حافة الزجاج:

‏إقتربت و اخذت الورقة و فتحتها. كان مكتوباً فيها بخط غير منتظم..

‏"إعتني بنفسك..يا أختي الغبية ."

‏ابتسمت... "إعتني بنفسك يا أخي الاحمق... " همست في النافذة المفتوحة..

‏و بدأت تحزم الاغراض الضرورية للمغادرة إلى

‏"مثوى الاجداد"

‏لتتجهز لليوم الموعود يوم التبادل .....

2026/05/31 · 0 مشاهدة · 1436 كلمة
نادي الروايات - 2026