الفصل الثاني: ضفاف النهر الأحمر

توقف الثلج أخيرًا عن الهطول، كأن السماء قررت أن تمنح الأرض لحظة هدوء. بعيدًا عن المدينة الفقيرة المنهارة، عند ضفاف نهر مياهه صافية وعذبة، كان المشهد يبعث على نوع من الراحة الجميلة. الأشجار العالية مغطاة بطبقة ثلج ناصعة، والشمس الصافية تزيد من بياض الثلج حتى يلمع كالماس. النهر يتدفق بهدوء، صوته خفيف يشبه همسًا مطمئنًا يملأ النفس بنقاء مؤقت.

عليكم أن تعرفوا... قد يكون الشتاء قاسيًا، لكنه يظل جميلاً في لحظاته الهادئة. يغطي القبح ببياض نظيف، يخفي الندوب، ويجعل العالم يبدو كأنه قادر على البدء من جديد.

لكن النهر... بدأ يتغير.

في البداية كان التغيير خفيفًا، كقطرة حبر تسقط في ماء نقي. ثم امتد اللون الأحمر ببطء، يتسلل بين التيارات الصافية حتى تحول الماء كله إلى قرمزي داكن. الثلج على الضفاف بدأ يتشرب هذا اللون، يتحول إلى بقع وردية باهتة. حتى الشمس التي كانت تُضفي جمالاً على البياض، بدت الآن تسلط ضوءًا باردًا على هذا التحول المفاجئ.

عند الضفة، وقف شخص بملابس سوداء كاملة. السياف الأسود ينحني فوق الماء، يغسل رداءه المهترئ الملطخ بالدماء. يفرك القماش بيديه المقفزتين بهدوء، يدع الدم يذوب في التيار. ثم يخرج سيفيه القصيرين، يمسحهما بعناية في الماء البارد، يديرهما بين أصابعه كأنهما لن يُستخدما مجددًا. حركاته سلسة، هادئة، خالية من أي عجلة أو ندم.

وبينما هو ينظف في هدوء، كان هناك من يراقبه.

في أعلى شجرة قريبة، مختبئ بين الأغصان المثلجة، صبي أسمر البشرة، شعره الكثيف يخفي جزءًا من وجهه. داخل خصلات شعره، فأر أبيض صغير يتحرك بخفة، عيناه تتابعان المشهد.

«انظر يا كيل...» همس الصبي بصوت خافت. «إنه ينظف نفسه... هل تصدق أن شخصًا قصيرًا وهزيلًا مثله استطاع قطع رأس بول؟ ذاك الطويل العملاق... أمر لا يُصدق.»

كيل نظر إليه بعينين صغيرتين، كأنه يفهم. ابتسم الصبي ابتسامة مرتجفة:

«اتعبنا كل هذه المسافة حتى نصل إلى هنا... ولم يشعر بنا. هه... طبعًا، نحن ماهرون في الاختباء، صح يا كيل؟»

اختبأ الفأر مباشرة داخل الشعر الكثيف.

لكن فجأة... تفاجأ الصبي.

كيل تحرك بعنف داخل الشعر، يصدر صوتًا خفيفًا من الذعر.

«كيل... ما بك؟»

قبل أن يكمل، شعر بشيء يمر بسرعة قرب وجهه. جرح رفيع في خده الأيسر، دم خفيف بدأ يتساقط قطرة... قطرة... على الثلج الأبيض تحت قدميه.

فتح عينيه على مصراعيهما، يده تمسك بخده المؤلم. نظر خلفه بسرعة... فوجد خنجرًا صغيرًا مغروزًا في جذع الشجرة.

«من أين... أتى هذا الخنجر؟» تمتم بصوت يرتجف.

وقبل أن ينهي كلامه، رأى ظلًا غريبًا يقترب. سقط الصبي تلقائيًا على الأرض، جسده يرتجف.

كان السياف الأسود قد اقترب دون صوت. وقف أمامه، ينظر إليه من أعلى. القناع المهرج يبتسم ابتسامة واسعة، فارغة، مخيفة في هدوئها.

الصبي فتح فمه، لكنه غير قادر على الكلام. الكلمات تتجمد في حلقه.

«أ... أنا... لم أقصد... أقسم... أنا...»

تقدم السياف نحوه خطوة واحدة بطيئة، وضع يده على كتفه بلطف غريب. الصبي وضع يديه على رأسه بسرعة وقال بدون وعي:

«آسف... آسف...»

الغريب أن كيل لم يختبئ هذه المرة. بل خرج من شعر الصبي، وقف على قدميه الخلفيتين فوق كتفه، يحدق في السياف بعينين لامعتين. كأن مشهد الطفل الخائف أعجبه، أو ربما شعر أنه لا خطر حقيقي.

تقدم السياف، لكن ليس نحو الصبي... بل نحو الشجرة. أمسك بالخنجر المغروز، سحبه بسهولة، ثم ابتعد بهدوء عن الصبي الذي كان لا يزال ملقى على يديه وركبتيه، يحاول التقاط أنفاسه.

بعد أن ابتعد السياف قليلاً، قفز كيل نحو وجه الصبي، وعضّ أنفه عضة خفيفة لكنها مؤلمة.

«آآه! سحقًا... مؤلم يا كيل! توقف يا لعين!»

رفع الصبي يده ليدفع الفأر بلطف، ثم ابتسم ابتسامة ضعيفة.

«فأر ذكي حقًا...» همس.

بينما كان السياف ينهي تنظيف ملابسه، لبس رداءه الأسود الرطب قليلاً، وحمل الكيس الجلدي الغريب المغطى بدماء جافة – نعم، تعرفون ما بداخله: رأس بول – وواصل مسيره بخطوات هادئة.

وقف الصبي أخيرًا، نظر إلى الظل الأسود الذي يبتعد.

«ماذا... ظننته سيقتلني؟»

ثم... لحق به.

كيف رمى ذاك الخنجر؟ كيف عرف مكانه؟ كانت المسافة بينهما لا تزال بعيدة قليلاً، لكنه مشى بخفة، يختبئ خلف الأشجار.

بعد ساعة من السير، توقف السياف فجأة. حدق إلى الوراء مباشرة.

الصبي كان مختبئًا خلف شجرة، لكنه شعر أن أمره كُشف. خرج من مخبئه، وقف أمامه على مسافة آمنة، يرفع ذقنه كأنه يقول: «أنا لست خائفًا منك»... لكنه كان كاذبًا.

وقف السياف يحدق فيه، ثم تكلم:

«ماذا تريد؟»

تفاجأ الصبي. رفع صوته قليلاً:

«أنا... أريد مرافقتك. أرجوك. أعرف أين أنت ذاهب... إلى المدينة الكبيرة، صحيح؟ ساعدني فقط أن أصل إلى هناك... وأعدك، لن تراني مجددًا.»

حدق السياف فيه طويلاً، ثم قال:

«وماذا عن الحاجز الأمني؟ بدون تصريح خروج... لن يسمحوا لك بالمرور.»

تجمد الصبي، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه:

«لا تقلق... هل تساعد هذه؟»

مد السياف يده:

«اعطني إياها. دعني أنظر.»

رفض الصبي في البداية، لكن كيل خطف الورقة بفمه وركض نحو السياف.

«كيل! أيها الوغد! هل تخونني؟!» صرخ الصبي.

وصل الفأر إلى السياف، رفع الورقة نحوه. أمسكها السياف، فتحها، ثم سأل:

«كيف سرقتها؟»

«سرقة؟ لا أبدًا!»

«كيف لا تكذب عليّ؟ لن أعاقبك... أنا لست شرطيًا.»

قلص الصبي عينيه، تنهد، ثم قال:

«أخذتها من جثة بول... أمام رجاله. ذهبوا ولم يهتموا حتى بجثته. كأنك سحرتهم أو شيء مشابه. فضلتُ الذهاب إليه... ووجدت هذه الورقة. إنها تصريح صحيح، أليس كذلك؟»

لم يجب السياف فورًا. تمتم لنفسه بصوت منخفض مسموع:

«لكن ما حدث لم يكن خوفًا... ما جعلهم يتركون جثته هو خيبة الأمل. واليأس الذي تغلغل في أجسادهم. لم يفتشوا جثته احترامًا لها... ولم يدفنوها لأنه هو السبب فيما أصابهم. يا للنفاق.»

حدق الصبي إليه بحيرة:

«ماذا... كتبت؟»

«هل تجيد القراءة؟»

«لا... إطلاقًا.»

«كيف عرفت إذًا أنها تصريح؟»

«من الختم... أليس كذلك؟»

«أجل.»

ثم سأل فجأة:

«وماذا عن عائلتك؟»

«والدي مات منذ ثلاثة أشهر... مرض. أمي... لا أعرف. اختفت عندما كان عمري ثلاث سنوات. اسمع... ليس لدي ما أخسره. ولست خائفًا من أي شيء.»

نظر السياف إليه طويلاً، ثم قال:

«مثلما كنت تتلوى في وقت سابق... صح؟»

سكت الصبي. لم يجد ما يقول.

«حسنًا... اسمع. سأخذك معي... لكن بشرط: أن تفعل ما آمرك به. فهمت؟»

«يعني... أكون خادمًا لك؟»

«صحيح. خادم.»

«أنا... لست خادم أحد.»

«لكن... حسنا. إن كانت هذه الطريقة الوحيدة... فافعل ما تريد.»

تقدم السياف نحوه، مد يده:

«اتفقنا؟»

مد الصبي يده، صافحه بقوة:

«حسنًا.»

عاد كيل إلى كتف الصبي.

«ما اسمك؟»

«أنا... كلاود.»

أومأ السياف، ثم رفع يده الأخرى ونزع القناع ببطء.

تفاجأ كلاود، كاد يسقط إلى الخلف:

«ما... هذا... الآن؟»

تحت القناع: شعر أسود طويل مربوط بحزام جلدي بسيط، بشرة بيضاء شاحبة قليلا، عينان رماديتان باردتان. لكن ما صدم كلاود حقًا... الندوب: علامة حرق على خده الأيمن، سطحية لكن بارزة، وجرح سيف رفيع عند عينه اليسرى، يمتد من تحت الحاجب إلى أسفل الخد، سليم لكنه ظاهر.

رغم كل ذلك، خرجت من فم كلاود كلمة تلقائية:

«جميل... هل أنت...»

وقبل أن يكمل... سمعا عواءً بعيدًا... ثم آخر أقرب.

ذئاب.

الصوت تردد في الغابة، يقترب بسرعة.

السياف وضع القناع مرة أخرى، نظر إلى كلاود وقال بهدوء:

«ابقَ قريبًا... ولا تتحرك إلا إذا أمرتك.»

العواء اقترب... والريح حملت رائحة الجوع.

.

2026/02/11 · 2 مشاهدة · 1090 كلمة
نادي الروايات - 2026