قبل مئة عام، كان العالم مختلفاً تماماً.
كانت المدن تمتد على مساحات شاسعة، وتملأ ناطحات السحاب السماء. كانت الطائرات تعبر المحيطات، والقطارات تربط القارات، وكان البشر يعتقدون أنهم اقتربوا من السيطرة على كل ما يحيط بهم.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
لم تأتِ الكارثة من الأرض، ولم تكن حرباً نووية أو وباءً صنعه البشر. لقد جاءت من أعماق الفضاء، على هيئة موجة غامضة اجتاحت الكوكب بسرعة لم تمنح البشرية وقتاً لفهم ما يحدث.
لم تكن موجة شمسية عادية. لم تصدر عن الشمس التي اعتاد البشر رؤيتها كل صباح، بل جاءت من مصدر مجهول، بعيد في ظلام الكون.
وعندما وصلت إلى الأرض، عمّ الصمت.
توقفت الحياة كما يعرفها البشر. سقطت الكائنات الحية في نوم عميق، واختفت الأصوات من المدن والغابات والمحيطات. لم يبقَ شيء يتحرك، وكأن العالم بأسره توقف عن التنفس.
لكن ذلك لم يكن موتاً.
عندما استيقظت الكائنات، لم تعد كما كانت.
تحوّل نحو ثمانين بالمئة من الحياة على الأرض إلى وحوش. لم يقتصر الأمر على الحيوانات المفترسة، بل شمل البشر أيضاً. تغيّرت أجسادهم، وتشوهت أشكالهم، وظهرت بينهم مخلوقات لم يكن من الممكن تخيلها من قبل.
أما العشرون بالمئة الباقون، فقد نجوا من التحول، لكنهم لم يخرجوا سالمين تماماً.
أصبحت أجسادهم أقوى، وحواسهم أكثر حدة، وسرعتهم وقدرتهم على التحمل تفوق ما كان البشر يعرفونه سابقاً. وبعضهم اكتشف شيئاً أكثر غرابة: قدرات لم تكن موجودة في الطبيعة البشرية من قبل.
قوى تتحكم في النار والماء والرياح والأرض، وأخرى تمنح أصحابها قوة جسدية أو سرعة أو قدرة على الشفاء.
ومع مرور السنوات، بدأت البشرية تتعلم كيف تعيش في هذا العالم الجديد.
بُنيت المدن المحصنة، وارتفعت الأسوار لتفصل ما تبقى من البشر عن الأراضي التي سيطرت عليها الوحوش. ظهرت نقابات الصيادين، وأصبحت مهمتهم الخروج إلى العالم الخارجي وقتل الوحوش وجمع مواردها.
ومن أجساد تلك الوحوش، اكتشف البشر شيئاً غيّر موازين القوة.
الجواهر.
كانت هذه الأحجار تتشكل داخل أجساد بعض الوحوش، وتحمل طاقة يمكن استخلاصها واستخدامها. وبفضلها، طوّر العلماء مصل التقوية، الذي يساعد على رفع مستوى الجسد، ومصل الإيقاظ، الذي يمنح الإنسان فرصة لاكتساب قدرة خاصة.
لكن مصل الإيقاظ ظل خطيراً إلى درجة مرعبة.
فمن بين كل ألف شخص يستخدمونه، ينجو واحد فقط في المتوسط. أما البقية، فيموتون عندما تعجز أجسادهم عن تحمل التغير.
لم تعد القوة مجرد ميزة.
لقد أصبحت الفارق بين الحياة والموت.
ومع تطور نظام الصيادين، ظهرت مستويات لتصنيف قوتهم، تبدأ من المستوى F وتنتهي عند المستوى SSS. وكلما ارتفع المستوى، ازدادت القوة والندرة، وأصبح صاحبها أكثر قيمة في هذا العالم.
مرت مئة سنة على الكارثة.
كبر جيل جديد لم يعرف السماء الزرقاء كما كانت، ولم يشاهد المحيطات النظيفة أو المدن التي لم تحاصرها الأسوار. بالنسبة إليهم، لم يكن العالم القديم سوى حكايات يرويها كبار السن.
أما العالم الحالي، فكان له قانون واحد:
الأقوى يملك حق البقاء.
كانت السماء رمادية.
لم تكن هناك شمس واضحة، ولا زرقة يمكن تمييزها بين طبقات الغيوم الثقيلة. مجرد لون باهت يغطي مدينة الأمل الجديد، كأنه غبار عالق فوق العالم منذ سنوات طويلة.
وقف شنغ مو أمام نافذة غرفته الصغيرة، ينظر إلى المباني المتراصة في الجهة المقابلة.
كانت بعض النوافذ محطمة، والجدران مغطاة ببقع سوداء، بينما امتدت الأسوار العالية حول المدينة كحاجز يفصل ما تبقى من البشر عن العالم الخارجي.
لم يكن المشهد جديداً عليه.
لقد اعتاد كل شيء.
اعتاد السماء الرمادية، والهواء الملوث، والوجوه المتعبة التي تمر في الشوارع. اعتاد أيضاً أن يبدأ يومه وهو يعرف أن معظم ما سيكسبه سيذهب إلى أشخاص لا يرغب في رؤيتهم.
ألقى نظرة على الجهاز الصغير فوق الطاولة.
ظهرت رسالة تذكير بالدين.
137,000 قطعة فضية.
هذا هو المبلغ الذي يطارده.
كان والده قد اقترض المال من عصابة الذئاب قبل سنوات، ثم اقترض مرة أخرى عندما عجز عن السداد. ومع مرور الوقت، تضخم الدين حتى أصبح أكبر من قدرة رجل واحد على تحمله.
كانت الفائدة عشرة بالمئة شهرياً.
ومع كل شهر يمر، كان المبلغ يزداد، حتى بعد أن مات والده وتركه وحيداً في مواجهة ذلك العبء.
أطفأ الشاشة.
لم يكن بحاجة إلى تذكير يومي بما يعرفه جيداً.
ارتدى معطفه القديم، وأخذ حقيبته، ثم غادر الغرفة.
كان مقر عصابة الذئاب يقع في مبنى قديم قرب المنطقة التجارية. لم يكن مبنى ضخماً أو فخماً، لكنه كان كافياً ليذكّر كل من يقترب منه بمن يسيطر على هذا الجزء من المدينة.
دخل شنغ مو من الباب الأمامي.
في الداخل، جلس الرجل السمين خلف مكتب عريض. كان وجهه قاسياً، وعيناه صغيرتين تحملان نظرة حاقدة. وقف خلفه ثلاثة رجال عريضي الأكتاف، وقد ظهرت أوشامهم على أذرعهم المكشوفة.
رفع الرجل السمين رأسه عندما رآه.
«تأخرت.»
«لم أتأخر. ما زال الوقت مبكراً.»
ضرب الرجل سطح المكتب بأصابعه.
«لا تجادلني.»
خفض شنغ مو عينيه.
لم يكن يخشى الكلمات. لقد سمع ما هو أسوأ منها مرات كثيرة، لكنه تعلم أن الاعتراض لا يغير شيئاً. كل ما يفعله هو منحهم سبباً إضافياً لإيذائه.
أخرج الرجل ورقة من الدرج ودفعها نحوه.
«هناك مهمة اليوم. مجموعة من الصيادين اختفت قرب المنطقة المحظورة. نريد معرفة ما حدث لهم، وجمع أي معدات أو آثار تركوها خلفهم.»
أخذ شنغ مو الورقة.
كانت تحتوي على خريطة تقريبية للموقع، وبعض المعلومات عن آخر إشارة أرسلتها المجموعة.
«ستعمل مع فريق لو كاي. لا تحاول التصرف بمفردك، ولا تعد من دون نتيجة.»
«فهمت.»
نظر إليه الرجل السمين لحظة، ثم أضاف:
«وتذكر أن دينك لم يتوقف عن الزيادة.»
لم يرد شنغ مو.
استدار وغادر المكتب.
كان لو كاي ينتظره عند البوابة الشرقية.
رجل في الثلاثينيات من عمره، قوي البنية، يحمل بندقية على كتفه. وقف إلى جانبه ثلاثة صيادين، لكل منهم حقيبة معدات وسلاح مختلف.
نظر لو كاي إلى شنغ مو من رأسه حتى قدميه.
«أنت عامل الاستعادة؟»
«نعم.»
«هل سبق أن دخلت المنطقة المحظورة؟»
«عدة مرات.»
لم يبدُ لو كاي مقتنعاً.
قال أحد الصيادين خلفه ساخراً:
«لا يبدو عليه أنه يستطيع حمل سلاح.»
لم يلتفت شنغ مو إليه.
كان يعرف موقعه جيداً. لم يكن صياداً، ولم يمتلك قدرة خاصة. وظيفته هي الدخول خلف فرق الصيد بعد انتهاء الاشتباكات، وجمع المعدات والجثث والأشياء التي يتركونها في الميدان.
أحياناً كان عليه حمل صناديق ثقيلة، وأحياناً البحث بين الأنقاض عن أجهزة أو ذخيرة أو آثار لمجموعة مفقودة.
لم تكن مهمة مجيدة، لكنها كانت عملاً.
والعمل، بالنسبة إليه، يعني أن يحصل على بعض المال ويؤجل المشكلة شهراً آخر.
رفع لو كاي يده.
«تحركوا. لا نريد إضاعة الوقت.»
غادر الفريق المدينة عبر البوابة الشرقية.
خلف الأسوار، امتدت أرض قاحلة تغطيها الصخور والحطام. كانت بقايا المباني القديمة تظهر بين حين وآخر، وقد التهمت النباتات اليابسة أجزاءً منها.
تحرك الصيادون في المقدمة، بينما بقي شنغ مو خلفهم بمسافة قصيرة.
كان يراقب الأرض بعناية.
آثار الأقدام، والخدوش على الصخور، وبقايا الدماء الجافة. لم يكن خبيراً في تعقب الوحوش، لكنه قضى سنوات يعمل في أماكن كهذه، وتعلم أن التفاصيل الصغيرة قد تكشف ما لا تراه العين لأول وهلة.
بعد نحو ساعة، توقف لو كاي قرب مبنى نصف منهار.
«الإشارة الأخيرة وصلت من هنا.»
انتشر الصيادون حول المكان، وبدأوا تفتيش الأنقاض.
انحنى شنغ مو قرب جدار متهدم. وجد قطعة قماش ممزقة عالقة بين حجرين، وبجانبها أثر دم جاف.
«هناك شيء هنا.»
اقترب لو كاي.
تفحص الأثر، ثم نظر إلى الأرض الممتدة خلف المبنى.
«اتجهوا إلى الشمال.»
واصل الفريق التقدم.
لم يكن المكان هادئاً تماماً. بين الحين والآخر، كانت أصوات بعيدة تصل من أعماق المنطقة المحظورة؛ صرخات غريبة، أو احتكاك شيء ثقيل بالأرض.
شد أحد الصيادين قبضته حول سلاحه.
«لا يعجبني هذا المكان.»
قال لو كاي:
«ابقَ منتبهاً. لا نعرف ما الذي حدث للمجموعة.»
تابعوا البحث حتى وصلوا إلى مساحة مفتوحة تحيط بها صخور كبيرة.
وهناك وجدوا أول جثة.
كانت جثة صياد، أو ما تبقى منه. درعه ممزق، وسلاحه مكسور إلى نصفين. لم تكن هناك علامات واضحة على اشتباك طويل.
اقترب لو كاي وفحص المكان.
«لقد مات منذ أيام.»
بدأ الصيادون تفتيش المنطقة بحثاً عن أي ناجين أو معدات يمكن استعادتها.
أما شنغ مو، فتوجه نحو الجهة الأخرى من الصخور، حيث لمح شيئاً عالقاً بين بقايا شاحنة محطمة.
كان جزءاً من حقيبة صيد.
انحنى وسحبها بحذر. كانت ممزقة، لكن بداخلها جهاز اتصال محطم وبعض الأدوات المعدنية.
وضعها في حقيبته.
ثم لمح آثاراً غريبة على الأرض.
خطوط عميقة امتدت فوق التراب، وكأن شيئاً ضخماً جُرّ من مكان إلى آخر. تبعها بعينيه، ثم رفع رأسه نحو مجموعة من الصخور المتراكمة في نهاية المساحة.
كان هناك شيء خلفها.
اقترب ببطء.
«لو كاي!»
لم يسمعه أحد. كان الصيادون منشغلين بفحص الجثة الأولى.
تجاوز شنغ مو الصخور، ثم توقف فجأة.
كانت هناك جثة وحش ضخم.
جسد مغطى بجلد داكن، وأطراف سميكة، وقرن طويل بارز من مقدمة رأسه. كان حجمه أكبر من معظم الوحوش التي رآها من قبل.
لم يحتج إلى وقت طويل ليدرك خطورته.
وحش من المستوى B.
تراجع خطوة، ونظر حوله.
لم تكن هناك حركة.
اقترب بحذر، وهو يحاول فهم ما حدث. كانت هناك جروح عميقة على جسد الوحش، وبعضها بدا قديماً، لكن الضربة التي قتلته كانت في صدره.
وهناك، بين اللحم المتشقق والعظام، رأى شيئاً أحمر.
جوهرة.
لمعت داخل صدر الوحش، بحجم لم يره من قبل.
تجمد شنغ مو في مكانه.
كان يعرف قيمة جواهر الوحوش. إنها المادة الأساسية التي تُستخدم في تصنيع أمصال التقوية والإيقاظ، وكلما ارتفع مستوى الوحش، ازدادت قيمة جوهرته.
لكن جوهرة من وحش مستوى B، بهذا الحجم؟
قد تساوي أكثر مما يجنيه في سنوات من العمل.
التفت نحو المكان الذي جاء منه.
كان يسمع أصوات الصيادين على مسافة ليست بعيدة.
إذا أخبرهم بما وجد، فستصبح الجوهرة ملكاً للفريق، وربما تصل في النهاية إلى العصابة. لن يحصل هو إلا على أجره المعتاد، وربما لا يحصل حتى على ذلك.
أما إذا أخفاها...
فقد تكون فرصته الوحيدة.
اقترب من الجثة، وأخرج أداة صغيرة من حقيبته. لم يكن يحمل معدات مناسبة لاستخراج الجواهر، لذلك عمل ببطء، محاولاً ألا يصدر صوتاً.
أزال بعض الأجزاء المتضررة حول صدر الوحش.
ثم أمسك الجوهرة.
كانت دافئة على نحو غريب.
سحبها بحذر حتى تحررت من الجسد، ثم لفها بقطعة قماش ووضعها داخل حقيبته.
في تلك اللحظة، سمع صوتاً خلفه.
«ماذا تفعل هناك؟»
استدار بسرعة.
كان أحد الصيادين يقف على بعد خطوات، وينظر إليه باستغراب.
أجاب شنغ مو دون ارتباك واضح:
«وجدت آثاراً أخرى. كنت أتأكد من عدم وجود معدات عالقة تحت الصخور.»
نظر الرجل إلى الجثة الضخمة خلفه.
«هل وجدت شيئاً؟»
«بعض القطع المعدنية. لا شيء مهم.»
ظل الصياد يراقبه لحظة، ثم ناداه لو كاي من بعيد.
«تعال إلى هنا!»
استغل شنغ مو انشغاله، وأغلق حقيبته.
ثم عاد إلى الفريق.
لم يجدوا ناجين آخرين.
وبعد تفتيش بقية المنطقة، قرر لو كاي أن المهمة انتهت.
عاد الفريق إلى المدينة مع بعض المعدات المتضررة والجثة التي عثروا عليها. لم يسأل أحد عن الوحش القرني، ولم يلاحظ أحد اختفاء الجوهرة من صدره.
وعندما وصلوا إلى البوابة، سلّم شنغ مو ما جمعه من معدات إلى المسؤول المختص، ثم حصل على أجره.
كان المبلغ صغيراً، لكنه لم يكن مهماً الآن.
الجوهرة لا تزال معه.
عاد إلى غرفته مع حلول المساء.
أغلق الباب، ووضع حقيبته فوق السرير. أخرج الجوهرة الملفوفة بالقماش، ثم وضعها أمامه.
تأمل لونها الأحمر العميق.
لم يكن متأكداً من قيمتها الدقيقة، ولا من الشخص الذي يمكنه شراءها دون أن يطرح أسئلة كثيرة. لكنه يعرف شيئاً واحداً: لا يمكنه ترك هذه الفرصة تضيع.
جلس أمام الطاولة، وفتح جهازه.
ظهر رقم الدين مجدداً.
137,000 قطعة فضية.
لم يتغير شيء.
لا يزال الدين يطارده، ولا تزال الفائدة تزداد كل شهر. وحتى لو باع الجوهرة، فلن يقترب من تسديد المبلغ كاملاً.
لكن ربما يستطيع فعل شيء آخر.
شيء لم يجرؤ على التفكير فيه من قبل.
مصل الإيقاظ.
كان المصل نادراً وباهظ الثمن، وفرصة النجاة منه لا تتجاوز واحداً من ألف. معظم من يستخدمونه يموتون، أما الناجون فقد يحصلون على قدرة تغير حياتهم بالكامل.
لم يكن شنغ مو يملك قدرة.
ولم يكن لديه ما يخسره سوى حياة اعتاد أن يعيشها دون أمل.
نظر إلى الجوهرة مرة أخرى.
إذا تمكن من بيعها بسعر جيد، فقد يحصل على ما يكفي لشراء المصل.
لم يكن ذلك ضماناً لأي شيء.
قد يموت.
وقد ينجو دون أن يوقظ قدرة مفيدة.
لكنه، للمرة الأولى منذ وقت طويل، رأى أمامه طريقاً لا ينتهي بالعودة إلى المكان نفسه.
أغلق الجهاز، وأعاد لف الجوهرة بعناية.
غداً سيذهب إلى السوق الأسود.
سيبيعها.
وسيشتري المصل.
لم يكن يعرف ما الذي ينتظره بعد ذلك، لكنه لم يعد يريد أن يقضي بقية حياته مجرد أداة في أيدي الآخرين.
فرصة واحدة ليصبح شخصاً مختلفاً.