الفصل الثاني: الجوهرة
استيقظ شنغ مو قبل شروق الشمس بقليل.
ظل مستلقياً للحظات، وعيناه معلقتان بالسقف المتشقق. لم ينم جيداً تلك الليلة. كان عقله يعود باستمرار إلى الجوهرة الحمراء التي أخفاها في الصندوق المعدني تحت سريره.
نهض أخيراً، وأزاح بعض الأغراض القديمة، ثم سحب الصندوق من مخبئه.
فتح الغطاء.
كانت الجوهرة لا تزال هناك، حمراء داكنة، يتخللها بريق خافت كلما انعكس عليها الضوء. أخرجها بحذر، وقلبها بين أصابعه.
لم يكن معتاداً على امتلاك شيء بهذه القيمة.
في حياته كلها، لم يحمل شيئاً ثميناً دون أن يكون ملكاً لشخص آخر، ولم يحصل على شيء دون أن يضطر إلى دفع ثمنه بطريقة أو بأخرى.
أما هذه الجوهرة، فقد وجدها بنفسه.
ولأول مرة، امتلك شيئاً يمكنه أن يقرر ماذا يفعل به.
أعادها إلى الصندوق، ثم لفها بقطعة قماش سميكة ووضعها داخل حقيبته.
لم يكن يستطيع بيعها في أي متجر عادي. فالجواهر المستخرجة من الوحوش تخضع للمراقبة، وأي عملية بيع كبيرة قد تترك أثراً يصل إلى عصابة الذئاب.
لذلك كان عليه الذهاب إلى السوق السوداء.
كان السوق يقع في الجزء الجنوبي من المدينة، داخل مجموعة من المباني القديمة التي تحولت إلى متاجر ومخازن صغيرة.
لم تكن هناك لافتات واضحة، ولم يكن الغرباء مرحباً بهم دائماً. لكن شنغ مو عرف المكان جيداً من خلال أعماله السابقة.
تجول بين الأزقة الضيقة حتى وصل إلى متجر متخصص في تقييم الجواهر وشرائها.
كان المتجر صغيراً، تتوزع على جدرانه خزائن زجاجية تحتوي على أحجار مختلفة الأحجام والألوان. خلف المنضدة جلس رجل في منتصف العمر، ممتلئ الجسد، يرتدي نظارات رفيعة.
رفع الرجل عينيه عندما دخل شنغ مو.
«ماذا تريد؟»
لم يجب شنغ مو فوراً. ألقى نظرة سريعة على المكان، ثم اقترب من المنضدة.
«أريد بيع جوهرة.»
مد يده وأخرج القطعة الملفوفة بالقماش.
فتحها ووضع الجوهرة أمام التاجر.
تغير تعبير الرجل قليلاً.
لم يلمسها مباشرة، بل أخرج أداة صغيرة وفحص سطحها تحت ضوء أبيض قوي. ثم أدارها ببطء، وركز نظره على الخطوط الداخلية التي ظهرت تحت الضوء.
«من أين حصلت عليها؟»
«من وحش.»
«هذا واضح. ما مستواه؟»
«المستوى B.»
رفع التاجر حاجبه، ثم نظر إلى شنغ مو.
«أنت واثق من ذلك؟»
«رأيت الوحش بنفسي.»
لم يعلق الرجل. أخذ أداة أخرى، ووضع الجوهرة داخل جهاز التقييم. مرت عدة ثوانٍ قبل أن تظهر الأرقام على الشاشة.
ظل التاجر يراقب النتائج، ثم خلع نظارته ومسحها بقطعة قماش.
«جوهرة جيدة. حجمها أكبر من المعتاد، ونقاوتها مرتفعة.»
أعاد نظارته إلى مكانها.
«خمسة آلاف قطعة فضية.»
لم يمد شنغ مو يده نحو المال، ولم يظهر عليه الانزعاج.
«قليل.»
ابتسم التاجر ابتسامة خفيفة.
«إنها ليست جوهرة من وحش مستوى A. لا تبالغ في تقدير ما تملك.»
«لم أقل إنها من مستوى A. لكنك تعرف أن جواهر المستوى B لا تظهر كل يوم، وهذه أكبر من معظم ما تشتريه.»
أخذ التاجر الجوهرة مرة أخرى، وتأملها للحظات.
«ستة آلاف. هذا عرض جيد.»
«سبعة آلاف.»
هز الرجل رأسه.
«أنت لا تعرف السوق جيداً.»
«أعرف أن الجوهرة تستحق أكثر من ذلك.»
ساد صمت قصير بينهما.
أعاد التاجر الجوهرة إلى المنضدة، ثم قال:
«سبعة آلاف وخمسمئة. لن أزيد أكثر.»
ظل شنغ مو ينظر إليه دون أن يجيب. لم يكن في عجلة من أمره، رغم أن قلبه كان ينبض أسرع مما يظهر على وجهه.
أخيراً، تنهد التاجر.
«حسناً. ثمانية آلاف. لكن هذا آخر عرض.»
أومأ شنغ مو.
«موافق.»
بدأ التاجر إجراءات التحويل، وبعد لحظات أخرج جهازه ومده إليه.
تحقق شنغ مو من المبلغ بنفسه.
ثمانية آلاف قطعة فضية.
لم تكن ثروة، ولن تغير حياته بمفردها، لكنها كانت كافية لما يريده.
أعاد الجهاز إلى التاجر، وأخذ حقيبته وغادر المتجر دون أن يلتفت خلفه.
لم يتجه شنغ مو إلى منزله.
كان لديه مكان آخر يريد زيارته.
في المنطقة القريبة من المصانع القديمة، بعيداً عن الشوارع التجارية المزدحمة، كان هناك متجر صغير لا يحمل اسماً واضحاً. واجهته متسخة، والباب الخشبي قديم، واللافتة المعلقة فوقه فقدت معظم حروفها.
كان المتجر ملكاً لعجوز أعمى يبيع بعض المواد النادرة، بما فيها الأمصال التي لا يرغب أصحاب المتاجر الرسمية في التعامل معها.
دفع شنغ مو الباب ودخل.
رن جرس صغير فوقه.
جاءه صوت عجوز من خلف المنضدة:
«أغلق الباب. الهواء البارد يدخل.»
أغلق شنغ مو الباب واقترب.
جلس العجوز على كرسي خشبي، وعيناه الغائمتان ثابتتان في اتجاه غير محدد. كان أمامه دفتر قديم وكوب شاي لم يعد يتصاعد منه البخار.
«ماذا تريد؟»
«مصل الإيقاظ.»
رفع العجوز رأسه قليلاً.
«هل تعرف ما الذي تطلبه؟»
«نعم.»
«وهل تعرف سعره؟»
«أريد معرفة السعر الذي تبيعه به.»
أطلق العجوز ضحكة قصيرة.
«خمسة آلاف قطعة فضية.»
لم يتردد شنغ مو.
«أريد رؤيته.»
نهض العجوز ببطء، واتجه إلى خزانة صغيرة خلفه. فتحها وأخرج صندوقاً معدنياً ضيقاً، ثم وضعه على المنضدة.
فتح الصندوق.
في داخله قارورة زجاجية صغيرة تحتوي على سائل أزرق داكن، تتخلله خيوط فضية دقيقة تتحرك ببطء عندما تتغير زاوية القارورة.
نظر شنغ مو إليها باهتمام.
كان هذا هو مصل الإيقاظ الذي سمع عنه طوال سنوات.
مادة نادرة، مستخرجة من مركبات موجودة في دماء بعض الوحوش وجواهرها، وقادرة في حالات نادرة على إيقاظ قدرة لدى الإنسان.
أخرج جهاز الفحص المحمول من حقيبته.
لم يكن الجهاز متطوراً بما يكفي لتحديد جودة المصل بشكل كامل، لكنه يستطيع تحليل بعض المركبات الأساسية ومقارنتها بالتركيبات المعروفة.
وضع القارورة في موضع الفحص، وانتظر ظهور النتائج.
تحركت المؤشرات على الشاشة، ثم ظهرت البيانات.
كانت التركيبة متوافقة مع المكونات الأساسية المعروفة لمصل الإيقاظ.
لكن الجهاز لم يستطع تأكيد فاعلية المصل، أو استبعاد وجود عيوب لا يستطيع اكتشافها.
أوقف الفحص وأعاد الجهاز إلى حقيبته.
لاحظ العجوز حركته.
«هل اطمأننت الآن؟»
«إلى حد ما.»
«هذا أفضل من لا شيء.»
أعاد العجوز القارورة إلى الصندوق، ثم دفعه قليلاً نحو شنغ مو.
«قبل أن تشتريه، هناك شيء يجب أن تعرفه.»
رفع شنغ مو عينيه إليه.
«نسبة النجاة من استخدام مصل الإيقاظ تقارب واحداً من ألف. معظم من يفشلون يموتون. وبعض الذين ينجون لا يحصلون على قدرة مفيدة، أو لا يوقظون أي قدرة على الإطلاق.»
توقف قليلاً، ثم أضاف:
«لا أستطيع أن أعدك بأن هذا المصل سينجح معك.»
«هل استخدمه أشخاص من قبل؟»
«نعم. رأيت بعض الذين استخدموه يعودون إلى هنا بعد ذلك. أما الذين ماتوا، فلم أسمع عنهم مجدداً.»
لم يحاول العجوز تخفيف وقع كلماته، ولم يبالغ في تخويفه.
كان يتحدث كما لو أنه يشرح حقيقة يعرفها منذ زمن.
نظر شنغ مو إلى القارورة مرة أخرى.
واحد من ألف.
كانت فرصة ضئيلة إلى درجة أن معظم الناس لن يفكروا في تجربتها أصلاً.
لكن معظم الناس لم يعيشوا حياته.
«هل تعرف نوع القدرة التي يمكن أن يوقظها؟»
«لا أحد يستطيع معرفة ذلك مسبقاً. الأمر يختلف من شخص إلى آخر.»
ظل شنغ مو صامتاً للحظات.
كان يستطيع استخدام المال في أمور أخرى. يستطيع شراء الطعام، أو بعض المعدات، أو دفع جزء من ديونه.
لكن أياً من ذلك لن يغير وضعه الحقيقي.
حتى لو دفع جزءاً من الدين، فلن يتخلص من العصابة. وستستمر الفائدة في الارتفاع، وسيبقى يعمل تحت أوامرهم حتى ينتهي عمره.
أما هذا المصل، فرغم مخاطره، فقد يمنحه فرصة لم يكن يملكها من قبل.
مد يده نحو الصندوق.
«سأشتريه.»
لم يبدُ على العجوز أي اندهاش.
أغلق الصندوق وأخرجه من خلف المنضدة، ثم وضع القارورة في علبة صغيرة مبطنة.
«خمسة آلاف.»
أخرج شنغ مو جهاز الدفع، وأتم التحويل.
انتظر حتى تأكد من خصم المبلغ، ثم أخذ العلبة ووضعها بعناية داخل حقيبته.
بقي معه ثلاثة آلاف قطعة فضية.
لم تكن كثيرة، لكنها كانت كل ما يملكه الآن.
وقبل أن يغادر، قال العجوز:
«لا تستخدمه في مكان لا تستطيع فيه طلب المساعدة.»
توقف شنغ مو عند الباب.
«سأفكر في ذلك.»
«فكر جيداً. لا تتعامل مع الأمر وكأنه دواء عادي.»
أومأ شنغ مو، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
عاد إلى غرفته قبل حلول المساء.
أغلق الباب، ووضع حقيبته على الطاولة. أخرج العلبة المعدنية وفتحها ليتأكد من أن القارورة لم تتضرر أثناء الطريق.
كان السائل الأزرق الداكن لا يزال في مكانه.
جلس على حافة السرير، وظل ينظر إليها.
خمسة آلاف قطعة فضية.
هذا هو السعر الذي دفعه مقابل فرصة قد لا تتجاوز واحداً من ألف.
تناول وجبة رخيصة، ثم غسل يديه وعاد إلى الطاولة. لم يكن يريد استخدام المصل فوراً. كان عليه أولاً أن يختار مكاناً آمناً، ويتأكد من عدم وجود أحد يستطيع الوصول إليه أثناء العملية.
أخرج القارورة مرة أخرى، ثم وضعها داخل درج الطاولة وأغلقه.
لم يكن خائفاً من الألم وحده.
كان يخشى أن يموت دون أن يتغير شيء.
أن يخاطر بكل ما يملك، ثم ينتهي به الأمر جثة أخرى لا يتذكرها أحد.
استلقى على سريره وأغمض عينيه.
في الخارج، بدأت أضواء المدينة تشتعل واحداً تلو الآخر. استمرت الحياة كالمعتاد خلف الجدران، بينما كان شنغ مو يفكر في اليوم التالي.
غداً سيستخدم المصل.
غداً قد يموت.
أو ربما يستيقظ بشيء لم يمتلكه من قبل.
ظل مستيقظاً وقتاً طويلاً، حتى تسلل إليه النعاس أخيراً.
وقبل أن يغلق عينيه تماماً، ظهر سؤال واحد في ذهنه:
ما القدرة التي ستختارني؟