‏​«سيدي.. سيدي، أستيقظ!»

‏​تنقل الصوت إلى مسامعه، ففتح عينيه ببطء وثقل. وفجأة، انتفض أرنو كالملسوع؛ اندفع نحو الرجل الجاثم فوقه، وبحركة خاطفة أسقطه أرضاً، ثم انقضّ عليه مثبتاً إياه، ووجه خنجره نحو عنقه! كانت عيناه تشتعلان بخوف جارف وغضب شديد، وصرخ بصوت أجشّ يرتجف رعباً: «هل.. هل أنت واحد منهم؟ من خدامها؟! أخبرني سريعاً ماذا فعلتم بأخي وريموندا؟!»

‏​اتسعت عينا الرجل برعب حقيقي، وصرخ مستعطفاً وهو يرفع يديه: «لا.. لا يا سيدي! أرجوك لا تقتلني! لا.. لا أعرف أي شيء عما تقوله! أرجوك.. لدي زوجة وأولاد.. أرجوك!»

‏​في تلك اللحظة، تبدد الضباب عن عقل أرنو، واستعاد وعيه بالكامل. تطلع إلى الرجل بدقة؛ وجده مجرد قرويّ بسيط، يرتدي ملابس رثة وقبعة من القش، وجسده ينتفض تحت سكاكينه.

‏​سحب أرنو الخنجر بسرعة، وارتسمت على وجهه علامات المفاجأة الممزوجة بالخوف، والحزن، والدهشة.. لقد كاد أن يزهق روحاً بريئة لولا ثوانٍ معدودة، ظناً منه أن هذا المسكين من أتباع تلك الملكة الملعونة.

‏​تنهد أرنو محاولاً التقاط أنفاسه وقال بنبرة معتذرة: «سامحني يا سيدي.. كنت أظنك أحداً.. أحد الوحوش».

‏​نظر القروي برعب وخوف إلى الشاب الذي كان قبل قليل سيجز عنقه، وبلع ريقه بتهجئة متقطعة: «حسنـ.. حسناً يا سيدي، لم يحدث شيء.. ولكن، هل أنت شخص خطير؟»

‏​رد أرنو سريعاً ليهدئ روعه: «لا، أنا من فرسان مملكة هايبر.. كنت في مهمة استطلاعية أنا وأخي سلفستر ورفيقنا ريموندا، ثم حدث...»

‏​وفجأة، شعر بوخزة حارقة من القلادة المستقرة على رقبته! تذكر على الفور كلمات ملكة السحر الساخرة وهي تحذره ألا يخبر أحداً بما جرى، وأن مصير إخوته الأرانب معلق بلسانه.

‏​صمت أرنو فجأة، وابتلع بقية الكلمات، ثم غيّر مجرى الحديث قائلاً بنبرة منكسرة: «لا أعلم ماذا حدث بعد ذلك.. لقد اختفوا.. اختفى رفاقي. سيدي، هل تعيش هنا في هذه الأنحاء؟»

‏​تردد الرجل وصمت قليلاً، متوجساً من أن يكون هذا الجندي الغريب من قطاع الطرق الذين يستدرجون الضحايا لسرقة بيوتهم. لاحظ أرنو نظرات الريبة والخوف في عيني القروي، فاقترب خطوة وحاول إظهار الطمأنينة، ووضع يده ببطء على صدره ليزيح رداءه الخارجي ويظهر الوسام الملكي اللامع الخاص بفرسان مملكة هايبر: «سيدي، لا تقلق، لستُ خطراً عليك، ولن أسألك عن عنوان بيتك».

‏​تنهد الرجل بارتياح عندما رأى الشعار الملكي، وعلم أنه يقف أمام جندي حقيقي، فقال باعتذار: «أوه.. معذرة يا سيدي، لقد ظننتك للوهلة الأولى من قطاع الطرق».

‏​رد أرنو بابتسامة خفيفة اعتذارية، فتابع الحطاب كلامه: «لا، أنا لا أعيش هنا في الغابة. في الواقع، أنا مجرد تاجر حطب بسيط، كنت أجمع الخشب حين رأيتك ملقى هنا فاقداً للوعي تحت هذه الشجرة، فأسرعت لتفقدك».

‏​قاطعه أرنو متسائلاً بلهفة: «نحن في أي وقت الآن؟»

‏أجابه الحطاب: «نحن في الصباح الباكر يا بني».

‏سأله أرنو وعيونه تترقب الإجابة: «هل تعبر هذا المكان دائماً؟»

‏أجابه: «نادراً ما أمر من هنا».

‏تابع أرنو بجدية: «هل رأيت يوماً أي شيء غريب في هذه الأنحاء؟ وحوشاً.. أو حتى طائراً يغني بصوت بشري؟»

‏​تعجب الحطاب بشدة، وهز رأسه قائلاً: «لا، لم أرَ أي شيء من هذا القبيل أبداً.. أنا رجل بسيط، كل همي أن أعيش بسلام مع زوجتي وأولادي».

‏​أومأ أرنو برأسه وقال بنبرة تحذيرية حازمة: «حسنٌ.. نصيحة مني، يجب ألا تعبر هذا المكان مجدداً، إنه مكان خطير جداً».

‏​ساد صمت قصير، ثم أجابه الحطاب بامتنان: «حسناً سيدي الجندي، سأفعل.. ولكن، هل أنت بخير؟»

‏رد أرنو وهو يتحامل على نفسه: «نعم.. إلى حدٍ ما. يجب أن أذهب الآن».

‏​أوقفه الحطاب بلطف، وأخرج من جعبته قنينة جلدية: «خذ هذه يا سيدي، إنها قنينة ماء، لعلك عطشان بعد ما مررت به».

‏​نظر أرنو إلى القنينة، ثم إلى ابتسامة الحطاب الطيبة، وقال بنبرة ممتنة: «أقدر لك هذا كثيراً.. شكراً لك».

‏​استدار أرنو وبدأ يسير بخطوات واهنة، لا يدري إلى أين يذهب، بينما تناهى إليه صوت الحطاب من بعيد وهو يلوح له: «انتبه لنفسك يا بني.. في رعاية الله».

‏​أخذ أرنو يركض تارة ويمشي تارة نحو الجنوب، يتخبط بين الأشجار، حتى تراءى له أخيراً طرف الغابة التي أصبحت بالنسبة له "الغابة الملعونة". وبمجرد أن خطت قدماه خارج حدود ظلالها، خانته قواه، فسقط بكامل طوله على الأرض مستلقياً فوق العشب الأخضر.

‏​رفع رأسه بجهد ونظر أمامه إلى جدران مملكة هايبر الشاهقة التي تلوح في الأفق. وفي تلك اللحظة، انقبض قلبه وترتسمت على وجهه ملامح الحزن الشديد والشفقة على حاله. قال بصوت مكسور ومخنوق بالدموع: «ماذا حدث؟ لماذا حصل لنا هذا؟ ماذا سأقول لأبي؟! ماذا سأخبر الجنود؟!»

‏​غطى وجهه بيديه وتابع بنحيب: «هل سأخبرهم عن خوفي وجبني؟ عن أنني هربت وتركت أخي وريموندا يحاربون الساحرة بمفردهم؟! حتى لو.. حتى لو أخبرتهم بالحقيقة لن يصدقني أحد أبداً! سيتهمونني بالجنون أو بالخيانة والتخاذل، وقد يتم إعدامي! لا لا لا.. لن يصدقني أحد.. حتى أبي لن يصدقني!»

‏​أخذ أرنو يلهث مستنشقاً الهواء من أنفه بعنف، والدموع تنهمر بغزارة من عينيه السوداوين متساقطة على العشب: «لماذا أنا؟ لماذا أنا؟! أخي.. ريموندا.. لقد كنتم على حق! أنا مجرد عار على عائلة إيفانز.. أنا مجرد جبان!»

‏​استمر في البكاء بحرقة، ومع كل شهقة حزن، كان عقله يعود به إلى الوراء.. قبل عشر سنوات كاملة.

‏​في ساحة التدريب الفسيحة داخل القصر الملكي..

‏كان سلفستر، البالغ من العمر أربعة عشر عاماً، يمسك بسيف خشبي ثقيل، يضرب به دمية خشبية بعنف وضراوة. كان العرق يتصبب من كل إنش في جسده تحت أشعة الشمس الحارقة.

‏​وعلى الجانب الآخر، كان أرنو الصغير، ذو العشر سنوات، يجلس مسترخياً في الظل الوافر، يشاهد أخاه ويتساءل في عقله بملل: «هيي.. لماذا يتدرب هذا الأحمق بكل هذه القسوة؟ كأن الوحوش ستهاجمنا الآن! لماذا لا يفعل مثلي؟ أنا أتمتع بكل سبل الرفاهية، من الطعام اللذيذ إلى اللعب والمرح وكل شيء».

‏​ثم وقف أرنو وقال في نفسه: «يجب أن أذهب لأخبره أن يتوقف قليلاً لنلعب معاً».

‏​تقدم أرنو الصغير نحو أخيه منادياً: «سلفستر! يجب أن تلعب معـ...»، ولكن أثناء جريه، تعثرت قدماه وسقط على الأرض بقوة.

‏​لاحظ سلفستر سقوط أخيه، ولكنه تجاهله تماماً بملامح جامدة، وأكمل توجيه ضرباته الصارمة نحو الدمية الخشبية. شعر أرنو بالاهانة، فبدأ في البكاء وصاح: «ساعدني يا سلفستر! لقد سقطت!»

‏​استمر سلفستر في تجاهله ببرود، فارتفع صراخ أرنو وبكاؤه أكثر، وأخذ ينادي مستنجداً: «أبي! ساعدوني! ماريا.. ساعديني!»

‏​أتت الخادمة الطيبة "ماريا" مسرعة والشفقة تملأ وجهها، ومدت يديها لتحمل الجسد الصغير، ولكن سلفستر التفت إليها بعينين حادتين كالصقر وصاح بنبرة آمرة: «لا تلمسيه الآن! اذهبي من هنا يا ماريا!»

‏​تعجبت الخادمة وقالت بقلق: «ولكن سيدي الشاب.. لقد سقط السيد الصغير ويجب أن أساعده!»

‏زجرها سلفستر بصوت غاضب وحازم: «قلت لكِ اذهبي الآن.. وإلا!»

‏أجابت ماريا بذعر: «حسناً.. حسناً سيدي، سوف أذهب».

‏​انسحبت الخادمة، فتقدم سلفستر بخطوات ثقيلة نحو أخيه الباكي، ومد يده ليرفعه، ولكن أرنو ضرب يد أخيه بعنف وصاح بوجه محتقن من الغضب: «لماذا تفعل بي هذا؟! لماذا أنت قاسي معي دائماً؟! هل تكرهني؟! لم تحاول حتى مساعدتي عندما سقطت، كنت فقط أريد أن ألعب معك!»

‏​نهض أرنو على ساقيه المرتجفتين وصرخ: «لن أطلب مساعدتك أبداً في حياتي!»

‏​وقبل أن يستدير ليركض، فاجأه سلفستر تقدم نحوه وضمه إلى صدره بقوة وعناق دافئ. همس سلفستر بصوت مخنوق: «لا.. لستُ أكرهك يا أرنو.. أنا أفعل هذا فقط لأنني أحبك.. لا أريد أن أجعلك تعتمد على أحد غير نفسك».

‏​شدد سلفستر من ضمة ذراعيه مكملاً بعاطفة مكتومة: «أخي الصغير.. عمرك الآن عشر سنوات، وأنا قد بدأت التدريب الشاق وأنا في السابعة من عمري!» ثم تراجع خطوة إلى الوراء، وأمسك أرنو من كتفيه بقوة محدقاً في عينيه: «هل تعلم متى بدأتُ التدريب الحقيقي؟ حينما وقفتُ على قدميك وباتت يداك تطعمك! كل هذا العناء كان لأجلك.. ولأجل أبي.. وأخيراً لأجل حماية هذه المملكة. كن قوياً يا أخي، لا تنظر إلى أن عمرك صغير أو أن الوقت ما زال مبكراً.. يجب أن تعتمد على نفسك، هل فهمت يا أخـ...»

‏​ولكن بسرعة وجفاء، نفض أرنو يد أخيه عنه وصرخ باكياً: «لا.. لا! أنت تكرهني، وأنا أكرهك أيضاً! ابتعد عني!»

‏ركض أرنو والدموع تملأ عينيه، تاركاً خلفه سلفستر يقف في منتصف الساحة، وعلى وجهه علامات الخيبة والحزن المكتوم.

‏​أعاده شريط الذكريات إلى الحاضر المرير..

‏رفع أرنو يده وتأمل الخاتم اللامع في إصبعه، ثم همس بنبرة يملؤها الإدراك والأسى: «أخي.. لقد عرفتُ الآن معنى كلماتك.. عرفتُها متأخراً يا أخي».

‏​مسح دموعه بعنف بطرف كمه، ثم انتفض واقفاً على قدميه بصلابة لم يعهدها في نفسه من قبل. تلاشت ملامح الضعف وحل مكانها إصرار فولاذي، وقال بصوت حازم وقوي: «لن أترككما أبداً يا أخي.. أنت وريموندا، لن أترككما بين يدي تلك الساحرة! لقد اتخذتُ قراري».

‏​أمسك أرنو بالقلادة السحرية المستقرة حول عنقه، وبأعين محدقة تملؤها الكاريزما والهيبة هتف متحدياً: «دلينّي الآن على مكان سيدتكِ.. أنا قادم إليها!»

2026/07/22 · 0 مشاهدة · 1320 كلمة
نادي الروايات - 2026