‏​«أسرع! أسرع أيها الحوذي!» ‏«حسناً أيها الماركيز، ولكنها عاصفة ممطرة ورعدية قاسية! إذا أسرعت أكثر ستتضرر العربة!» ‏صرخ الماركيز إدوارد بقلق بالغ: «قلت لك أسرع! افعل أي شيء، يجب أن أصل إلى قصر الملك وأرى ابنائ في أسرع وقت!» ‏​(في قصر الملكة الساحرة) ‏​في غرفة أشبه بلوحة فنية فاخرة؛ جدرانها مطلية بالأبيض الناصع، وسقفها مطلي بذهب خالص، وأرضيتها اللامعة تعكس لون السقف الذهبي كأنها قطعة مقتطعة من الجنة. الغرفة مفروشة بسجاد بني وثير، وفي جانبها يقبع سرير ضخم يليق بأكثر النبلاء ثراءً ومكانة. ‏​أمام مرآة كبيرة معلقة على الجدار، وقف أرنو. كان هناك شخص يساعده في ارتداء ملابسه، كائن يشبه البشر إلى حد كبير، باستثناء أذنيه المرفوعتين المدببتين كآذان "الإلف". ‏​كان أرنو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة بعيون خالية تماماً من أي مشاعر؛ حتى الرعب والخوف تلاشيا، ولم يتبقَّ سوى الفراغ. ساعده الإلف بعد أن خلع عنه درع وملابس الجندي، وألبسه قميصاً أسود مفتوحاً قليلاً يمتد حتى خصره، مع بنطال أبيض ناصع؛ ليعكس تناقضاً غريباً بين الأبيض والأسود. ‏​بينما كان الإلف يمشط شعر أرنو ويغير قصة شعره، أطلق ضحكة غريبة وقال: «هذا غريب! كيف للملكة عظيمتنا أن توكلك أنت بمهمة كهذه وتجعلك تأتي إلى هذه الغرفة؟ ههه.. يا لسخرية القدر! لا أعلم هل أحسدك أم أشفق عليك؟» ‏همهم أرنو وقال بسخرية مكسورة: «بل اضحك على غبائي..» ‏استغرب الإلف وسأل: «غبائك؟ ماذا تقصد؟» ‏ابتسم أرنو ابتسامة صفراء خائبة وقال: «لا شيء.. أيها الوحش». ‏​غضب الإلف بشدة، وقبض على ذراع أرنو يعتصرها وقال بحنق: «لسنا وحوشاً! بل أنتم الوحوش في نظري ونظر الملكة إليزابيث!» ‏لم يبدِ أرنو أي رد فعل، فأكمل الإلف محذراً: «يجب أن تعرف شيئاً أيها الأرنب الوسيم، إننا أيضاً لدينا ما لديك.. لدينا..» ‏​ولكن قبل أن يكمل الإلف كلامه، دخلت الملكة إليزابيث الغرفة وقالت بصوتها المهيب: «هل غُرابي أصبح جاهزاً ليحلق الآن؟» ‏صمت الإلف فوراً، وتكلم بصوت خائف وحائر: «نعم.. نعم يا جلالتك العظيمة، لقد قمت بتجهيزه». ‏ردت بصوت قاطع: «إذن اخرج! أريد أن أتكلم مع خادمي.. أقصد غرابي الجديد». ‏انحنى الإلف مسرعاً: «نعم يا سيدتي!» وغادر الغرفة في لمح البصر. ‏​اقتربت الملكة إليزابيث من أرنو الذي كان لا يزال واقفاً بجمود في مكانه. وضعت كلتا يديها على كتفيه، واقتربت بشفتيها الحمراوين كوردة في عز ازدهارها، وتكلمت خلف أذنه بهمس: «أوه.. انظر لنفسك يا أرنو، لماذا وجهك عابس كأنه لا حياة فيه؟» ‏​بدأت تعابير الغضب والغيظ تظهر على وجه أرنو، فالتفت إليها وقال: «قولي لي الآن.. كيف سأقتل الملك وهو في قصره، ويحرسه حراسه؟» ‏​أنزلت يديها، وابتسمت وبدأت تخطو في الغرفة بثقة وقالت: «اطمئن يا غرابي، لقد أمّنت كل شيء.. اهتممت بالحراس وبطريقة دخولك وخروجك. ما عليك سوى أن تطعن ذلك العجوز القذر في قلبه». ‏نظر إليها أرنو بعينين متسعتين، فسخرت من نظرته وقالت: «لا ترمقني بهذه النظرة! اطمئن، لن يعرف أحد أبداً من قتل الملك.. إلا أنا وأتباعي». ‏​رد أرنو بصوت بارد ممزوج بالهدوء والاشمئزاز: «وعاري؟ وخيانتي لموطني؟ كل هذا.. كيف سأطهره؟» ‏ضحك أرنو ضحكة خافتة ومنكسرة، وأكمل بنبرة حاسمة: «لذا.. لدي شرط واحد، وأعلم أنكِ تقدرين عليه». ‏رفعت إليزابيث حاجبها الأيمن وقالت بتسلية: «أليس إطلاق سراح إخوتك الأرانب؟» ‏رد بسرعة: «غير ذلك». ‏استغربت الملكة وقالت: «ما هو إذن يا أرنبي الصغير؟» ‏أجاب أرنو بجمود: «أن تقومي بمسح ذكرياتي.. فور أن أقوم بقتله وأعود إليكِ». ‏​ابتسمت الملكة ابتسامة ماكرة وقالت: «ولك شرطك يا أرنو.. ولكن لحظة!» ‏اقتربت من صندوق أحمر وحملته. استغرب أرنو وسأل: «ما هذا؟» ‏ردت ببرود: «هديتي.. أو لعنتي، سمّها كما تشاء». ‏​فتحت الصندوق وأخرجت خنجراً يلمع ببريق غريب؛ نصله لامع يعكس ما حوله كأنه مرآة، وقبضته كأنها مطلية بالجليد، ومنقوش عليها رسمة دقيقة لشجرة. ‏قالت وهي ترفع الخنجر: «بهذا يا أرنو ستقلع قلبه! أعلم أن أسلوب قتالك يعتمد على الخنجر.. لذا، خُذه». ‏​نظر أرنو إلى الخنجر وازداد غضبه، لكنه حاول كتمانه. أخذه منها وهو يغلي من الداخل؛ كان يود لو يمزق وجهها الملائكي، ويخنقها بفستانها المصنوع من بلورات الثلج، ويبدل رائحة الياسمين والجاردينيا برائحة دمائها.. ولكنه أمسك نفسه بقوة لأجل رفاقه. ‏​قالت إليزابيث بصرامة: «الآن اتبعني يا أرنو.. الليلة سيكون الموعد». ‏​تبعها أرنو حتى وصلا إلى مكان غريب في القلعة، على أرضه دائرة سحرية تشبه تماماً تلك الدائرة التي رآها أول مرة في الغابة. ‏قالت الملكة: «الآن يا أرنو حان موعدك. ستنقلك هذه الدائرة إلى قصر الملك». ‏سأل أرنو باستغراب: «ولكن.. كيف ستنقلني إلى هناك؟» ‏​ردت بهدوء: «دعني أكمل كلامي. هذه الدائرة موجودة في قصر الملك أيضاً! لقد قام أحد خُدّامي برسمها هناك، وهو إنسان يعيش داخل القصر، لذا ستكون هي الرابط بيننا وبين الملك. وحينما تقتله، ستقوم القلادة التي حول عنقك بنقلك إلى هنا فوراً.. هل فهمت الآن؟» ‏​ارتسمت علامات الاستفهام والغرابة على وجه أرنو: «ماذا؟! كيف.. ما هذه القوة أصلاً؟! هل توجد قوة مثل هذه في هذا العالم؟ ومن هذا التابع الذي زرعتيه في القصر؟» ‏ردت بسخرية: «ستعرفه جيداً يا أرنو! الآن اذهب.. وتذكر، لا مكان للعودة! إخوتك ومصيرك بين يدي، ويجب أن تحمل دماء ذلك العجوز إليّ. وحينما تنجز مهمتك، سأطلق سراح إخوتك الأرانب». ‏​وقف أرنو في منتصف الدائرة. انبعث منها ضوء غريب، ولكنه لم يكن مؤلماً كضوء القلادة في المرة الأولى. اشتد الضوء بسرعة حتى عَمِيَت عينا أرنو ولم يعد يرى شيئاً سوى البياض. ‏​وعندما انقشع الضوء، وجد أرنو نفسه أخيراً في قصر الملك.. داخل غرفة تبدو كغرفة ملكية فاخرة. ‏​فتح أرنو عينيه ببطء، ليسمع صوتاً مألوفاً يقول في الظلام: ‏«أخيراً قد تحركتِ يا مولاتي... لحظة! من هذا الذي أرسلتيه؟» ‏​نظر المتحدث في وجه الوافد وأزاح المعطف الذي كان يغطي رأسه، وقال بتوجس: «من تكون؟!» ‏​وهنا كانت المفاجأة الكبرى.. والصدمة التي شلت تفكير أرنو! ‏فتح أرنو عينيه جيداً ليرى وجه ذلك التابع الذي رسم الدائرة.. إنه هو! إنه ولي العهد "رايان"! ‏​انصدم أرنو واتسعت عيناه غير مصدق، وسقطت نفس الصدمة المروعة على وجه ولي العهد الذي أدرك أن القاتل الذي أرسلته الملكة هو أرنو، ابن الماركيز! ‏​تلاقت الأعين في ذهول تام، ونطق كلاهما باسم الآخر في نفس اللحظة: ‏«أرنو؟!» ‏«رايان؟!»

2026/07/22 · 1 مشاهدة · 920 كلمة
نادي الروايات - 2026