الفصل الحادي والسبعون: الغيرةُ في ثوبِ الليل
كان كاي يدركُ تمام الإدراك أن القضاء على «الرجل الشيطاني» لن يكون بالأمر الهين ؛ فقد أيقن منذ البداية أن المهمة بالغة الصعوبة ، بل تكاد تكون من ضرب المستحيل. و لكنه كان يتوقع -على أقل تقدير- العثور على خيطٍ رفيع يهديه إلى الطريق الصحيح ، لا هذا الخيط الواهي التي بين يديه. فحتى لو تمكن من لقاء رئيسة الملائكة «موريفا» ، فمن المحتمل ألا تفصح له عن شيء ، أو ربما هي نفسها لا تعرف هوية ذلك الرجل المختبئ خلف القناع.
ومع ذلك كان كاي يصرُّ على أنها لابد وأن تعرف من يكون ؛ لا بد لها أن تعرف. وبناءً على هذا الافتراض ، صار همه الوحيد هو ضمان انتزاع الإجابات منها. والآن ، وبصفته حاملاً للألقاب الثلاثة ، سيحصل كاي على «دموع أرغوس المتبلورة» الثلاث ، والتي يمكن الحصول عليها من «رابطة أكاديميات الملائكة» ؛ فبات لديه مبررٌ وجيه للذهاب إلى هناك.
على أن الشكوك ساورته حول سهولة العثور على «موريفا» ، وحتى إن وجدها ، فليس من المضمون أن تجيبه عن تساؤلاته. بل إن الحقيقة المرّة هي أنه إن بادر بسؤالها عن «الرجل الشيطاني» بوضوح ، فمن المرجح أن تعتقله ، أو ما هو أسوأ ، أن تبلغ «الرجل الشيطاني» نفسه بأمره. حيث كان بحاجة إلى ورقة ضغط ، ولكن لا سبيل له إليها في الوقت الراهن.
خطوة بخطوة ؛ فكما يقال "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه " و "الصبر مفتاح الفرج ". إن كان يصبو إلى الانتقام ، فعليه أن يتقبل فكرة أنه لن يتحقق في ليلة وضحاها.
في وقت متأخر من تلك الليلة كان كاي يجلس في غرفته ، وعلى الجانب الآخر من الغرفة ، حيث تفصل بينهما صناديق مكدسة كانت «تاليثا». وبما أن «أبيغيل» لا تملك خادمة ولا يُسمح لها بذلك فقد اضطرت «تاليثا» للبقاء مع كاي ، حيث ستنام على فراشٍ مرتجل صنعته من أكوام الملابس غير المستخدمة التي نفضت عنها الغبار ونظفتها. سينتظر كاي حتى الغد ليطلب من الأكاديمية ما يحتاجونه من مستلزمات ؛ فهو لم يعد ملاكاً ، لكن «المستشار» أخبره أن هناك بعض الامتيازات التي قد يحتفظ بها ، ومنها الحصول على غرفة لائقة.
قرر كاي البقاء في القبو ، لكن طلب بعض الأثاث لن يكون مشكلة. حيث كان ينبغي عليه أن يطلبه قبل أن يُوضع في غرفة التدريب ، لكن ضيق الوقت لم يسعفه. وفي الوقت الراهن ، سيبيت الاثنان كالمعدمين ، رغم أن «تاليثا» قد نظفت الغرفة جيداً وجعلتها أكثر راحة.
بما أنه كان غائباً لمدة شهر ، فقد توقع أن يغطي الغبار كل زاوية ، لكنه نسي وجود «تاليثا» ؛ فهي لم تكتفِ بالحفاظ على نظافة الغرفة فحسب ، بل أعادت ترتيبها أيضاً. و لقد استغلت أغلب الأشياء غير الضرورية لصنع حاجزٍ مرتجل ، فصار القبو الفسيح غرفتين منفصلتين.
نظر كاي إلى الساعة كانت تشير إلى السابعة. حيث كان يخطط للتنقيب في الثامنة أو التاسعة لتجنب معظم الطلاب ؛ فبصفته شخصاً لا يجد غضاضة في السهر كانت هذه هي الخطة المثلى. صمتٌ مطبق ، واحتمالية ضئيلة للقاء شخصٍ مزعج ، ولا حاجة لمنافسة أحد ؛ فقط هو ، وفأسه ، وخامات «المانا» التي تبعث في نفسه السكينة. و لكن قبل ذلك قرر الولوج إلى «بيت الليل».
"سباتٌ عميق… "
لقد تنامت مهارته في «إرث السبات العميق» ، وأتاحت له استثناء أشياء محددة أثناء التهام غيرها تماماً كما فعل مع آخر الطلاب الخونة من «فريق هايبريون». لم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب ، بل زادت فرصته في دخول «بيت الليل». كان على يقين بأنه قريباً جداً سيتمكن من دخول «بيت الليل» متى شاء.
فتح كاي عينيه ليستقبل ذاك المشهد المألوف ؛ فبعد أن تردد عليه مراتٍ عدة لم يعد يبدو كشخصٍ تائه ، فقد عرف تماماً ما عليه فعله. واضعاً اسم «نوكسيان» نصب عينيه ، سار كاي بخطواتٍ ثابتة ، مستخدماً الليل ليقوده إلى ذلك المنزل الخشبي المتواضع. لم يستغرق الأمر طويلاً ، وكما جرت العادة كان «نوكسيان» جالساً على الشرفة.
بعد زياراتٍ متكررة لنطاقه لم يرَ كاي «نوكسيان» داخل المنزل قط ، وبدأ يتساءل إن كان «نوكسيان» قد دخل منزله يوماً ما.
قال «نوكسيان» وصوته النجمي يتردد حين رفع نظره "لقد تغيرت… هذا جيد ".
حتى دون أن يخبره كاي بما حدث له ، عرف «نوكسيان» أنه مر بتجربة قاسية وخرج منها رجلاً مختلفاً. فمن الهالة التي تحيط به والتي أصبحت أكثر حدة ، أدرك «نوكسيان» أن كاي قد نضج أكثر.
هز كاي كتفيه ، ثم توقف على مسافةٍ مدروسة ، مراعياً مساحة «نوكسيان» "القتال من أجل البقاء يترك هذا الأثر في الأرواح. و لدي أسئلة ، وآمل أن تنير لي بصيرتي ، فأنا في أمسِّ الحاجة لذلك ".
"أرني «مولود الليل» الآخر أولاً. "
"لا مشكلة. "
استدعى كاي «بيريون» ، فظهر فوراً وسم الشعلة المقلوبة على جبهته ، ونفث نجماً أسود تشكّل بسرعة ليتحول إلى «جوليم» حجري ضخم. وبجانب «بيريون» ، شعر كاي بضآلة حجمه ، كطفلٍ في الرابعة من عمره يقف أمام والده.
لثانيةٍ واحدة ، رفع «نوكسيان» بصره ليرى «بيريون» جيداً ، ثم نهض واقترب. حيث توقف على بُعد خطواتٍ ونظر للأعلى "نادِ باسمه مجدداً ".
"بيريون… ؟ "
في اللحظة التي نطق فيها كاي اسم «بيريون» للمرة الثانية ، حدث شيءٌ ما ؛ إذ تدفقت الطاقة من جوهر صدر «بيريون» ، وصعدت كالنار عبر العمود الفقري ، لتغمر العقل ، ثم تسربت للخارج. انبثقت من جمجمته على هيئة خيوطٍ تجمعت فوقه ، معلقةً هناك كحكمٍ صامت ؛ نجمةٌ متوهجة ، لكن بريقها كان خافتاً ، يشبه نجوم السماء في ليلةٍ مقمرة.
أومأ «نوكسيان» برأسه "جزءٌ واحدة ، وهي كبيرةٌ نوعاً ما. إنه «مولود ليل» جيد للبداية ".
نظر كاي إلى «بيريون» وقال بذهول "انتظر ، هل يمكنني فحص الأمر هكذا ؟ هل يمكنني مناداته مجدداً لأعرف عدد الشظايا التي يمتلكها «مولود الليل» ؟ وهل الحجم مهم أيضاً ؟ "
أومأ «نوكسيان» "شيءٌ من هذا القبيل. المزيد من النجوم يعني المزيد من الشظايا ، أما الحجم والمظهر فيحددان قوة تلك الشظايا. أترى اللون الخافت واللمعة الحمراء فيه ؟ " -وأشار إلى النجمة- "هذا يعني أن الجزء تنتمي إلى «إله الهلاك» ".
كان كاي يعلم ذلك بالفعل من خلال نافذة الحالة ؛ فقد كان يعلم أن «نهاية الحجر» تنحدر من «إله الهلاك» ، كونه ابن «الآلهة» منحه تلك الميزة.
قال «نوكسيان» "يمكنك حتى فحص شظايا «مولود الليل» دون معرفة اسمه ".
سأل كاي بلهفة "وكيف لي أن أفعل ذلك ؟ "
ربما كانت لهفته أكثر من اللازم ؛ فلو تمكن من فحص شظايا «مولود الليل» دون معرفة اسمه ، لأمكنه تصفيتهم واختيار المناسب من غير المناسب ، دون الحاجة لمعرفة الأسماء أولاً. لم يقابل قط «مولود ليل» غير مناسبٍ له ، لكنه بالتأكيد سيقابل في المستقبل. حيث كان بحاجةٍ ماسة لهذا ، خاصة وأن المهمة التالية تتطلب استكشاف «بيت الليل».
أشار «نوكسيان» بإصبعه نحو السماء "مثل كل شيء عليك استخدام الليل ".
نظر كاي للأعلى واستدعى الليل فوراً. و بعد تلك المرة الأولى لم يعد الليل يتجاهله ؛ إذ هبط خيطٌ داكن من الأعلى كشريطٍ من الظلال الحية ، والتف حول ذراع كاي في لولبٍ بطيء وعاطفي. رفع كاي نظره ، ثابتاً وعازماً ، والتقى بعيني «نوكسيان».
حذره «نوكسيان» "إياك أن تفكر في الأمر ".
نقر كاي بلسانه "ظننت أننا أصبحنا أقرب الآن. ألا يمكنني تجربة هذا عليك ؟ "
"يمكنك ذلك إن كنت لا تمانع في فقدان رأسك ".
"حسناً… "
أشار كاي لـ «بيريون» بإزالة النجمة فوق رأسه ، ثم حاول استخدام الليل عليه. وكما حدث سابقاً ، ظهرت النجمة دون أن ينشط الوشم على جبهته ؛ لقد كان فحصاً نظيفاً.
سأل كاي "هل هناك أي أثرٍ جانبي ؟ "
لم يكن يصدق أن استخدام الليل بهذه الطريقة سيمر بسلامٍ تام ؛ فقبل شهر ، ربما كان ليصدق ، لكنه لم يعد ساذجاً كالسابق.
"إذا استخدمته قسراً دون موافقة على «مولود ليل» معادٍ أو قويٍ جداً ، فستعاني من ارتدادٍ عنيف. ارتدادٌ شديدٌ إلى حدٍ ما. لن تموت -على الأقل لا أعتقد أنك ستموت- لكنه شعورٌ مزعجٌ للغاية. ضع هذا في اعتبارك ".
"وكيف أعرف إن كان بوسعي استخدام الليل لفحص «مولود ليل» أم لا ؟ "
"ليس بوسعك إلا الاعتماد على إحساسك ".
قدّر كاي المعلومات المجانية التي منحها إياه «نوكسيان» ، فقد كان يحتاجها لإنجاز المهمة التي تناديه لاستكشاف «بيت الليل». لكنه لم يأتِ من أجل ذلك فحسب ، بل كان لديه بضعة أسئلة. أولها ، أراد معرفة متطلبات تعلم الجزء التالية لـ «نوكسيان». كان كاي يعلم الآن أن «نوكسيان» ليس «مولود ليل» عادياً ؛ فهو قويٌ للغاية ، وكان من المنطقي أن يتمسك به بقوةٍ أكبر ليصبح أقوى بسرعة.
ليس ذلك فحسب ؛ فبعد مطاردة الخونة والتهام بعض الوحوش الموقظة في الحفرة ، كدّس كاي كمية معتبرة من نقاط الخبرة القابلة للاستخدام ؛ 31 نقطة على وجه الدقة. حيث كان الرقم ليكون أكبر بكثير ، لولا أن «القفل البدائي» أجبره على السماح له بالتهام معظمها. لم يُغذَّ «بيت الليل» إلا بقلةٍ منها ، لذا فلديه هذا المقدار فقط. ومع ذلك كان ينبغي أن يكون أكثر من كافٍ لتعلم جزء أخرى من «نوكسيان».
لسوء الحظ ، أخبره «نوكسيان» أنه بحاجة لأن يصبح أقوى ؛ فجسده ليس مستعداً بعد ، وليس قوياً بما يكفي لتعلم الجزء التالية. إن أراد التقدم ، فعليه أن يصبح «متسامياً طموحاً» ، أي مرتبة واحدة أعلى من «المتسامي الموقظ». حينها فقط سيكون قوياً بالقدر الكافي.
كان كاي يتوقع شيئاً من هذا ، ولم يشعر بالإحباط ؛ فهو حالياً «متسامٍ موقظ» من الدرجة الثانية ، ولا يفصله سوى رتبة فرعية واحدة عن رتبة «الطموح» ، لذا لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
أما سؤاله الثاني ، فكان يتعلق بما حدث أثناء وجوده مع «لايرا». تذكر كيف انفتن بمظهرها ؛ وجهها الجميل ، وشعرها ، ووقارها ، وكل شيء فيها. و لكن في اللحظة التالية ، وبعد شدةٍ من أعماق قلبه ، تلاشى ذلك الشعور ، وكأنه مُحي من روحه. حيث كان أمراً غريباً ، وأراد كاي أن يعرف حقيقة ما حدث.
ضحك «نوكسيان» على سؤاله الثاني.
سأله كاي "ما المضحك في ذلك ؟ أليس من حقي أن أرى شخصاً ما جميلاً ؟ "
"بالطبع يمكنك ذلك ولكن مر وقت طويل منذ سمعت مثل هذا الكلام ".
"أيها العجوز ".
"ماذا قلت ؟ " حدق «نوكسيان» بعينيه الأرجوانيتين في كاي ، فرفع كاي يديه فوراً معتذراً ، ولم يكن يقصد ما قاله. "على أية حال تلك الشدة التي تتحدث عنها هي غيرة الليل ، وهذا هو السبب على الأرجح ".
"غيرة ؟ كيف يمكن للليل أن يغار ؟ هل هو إنسان ؟ "
"بالنسبة لك ، الليل ليس مجرد وقتٍ يمضي ، بل قد يكون كياناً حياً. و قبل أن توقظ سلالتك أخيراً ، كم ليلةٍ قضيتها تحدق في سماء الليل ؟ كانت كل انتباهك منصباً عليه ، ومشدوداً إليه ".
قطب كاي حاجبيه ؛ فلم يكن يستطيع النوم قبل إيقاظ سلالته ، لذا كان التحديق في سماء الليل عادةً لديه.
قال «نوكسيان» "حين سُلب انتباهك من قبل شخصٍ آخر ، غار الليل ".
"هذا سخيف… هذا أمرٌ لا يُصدق ".