الفصل الرابع والسبعون: الأخت الثانية الواهنة (1)

كان "كاي " يلهث بشدة ، فقد كان بوسعه استخدام الانتقال الآني لمسافات قصيرة بلا انقطاع ، لكنَّ الركض كان يستنزف طاقته الجسديه.

لقد مرَّ أكثر من عشر دقائق على عدوه المتواصل ، أو هكذا خُيّل إليه على الأقل ، ولم تكن هناك أيُّ بادرةٍ تدلُّ على قدرته على التملص من ذلك الـ "نايت بورن " (ليلبورن) ، أو العثور على مكانٍ يلوذ به.

سابقاً ، حاول التوجه إلى إقليم "بيريون " ؛ ظناً منه أنَّ ذلك الـ "نايت بورن " لن يجرؤ على دخول أرضٍ تابعة لواحدٍ من جنسه ، لكنَّ محاولته باءت بالفشل ؛ فـ "بيريون " لم يكن يستجيب لنداءاته ، لذا استحال عليه إيجاد سبيلٍ للوصول.

الآن ، بدأ يفقد زخمه ، فانتقل "كاي " آنياً إلى الأمام ، وما إن تجسد في مكانه الجديد حتى تلقى ضربةً قوية على خاصرته ؛ فارتفعت من فمه فحيحةٌ مكتومة بينما كان يتدحرج عبر المياه الضحلة ، لكنه سرعان ما انتقل آنياً مرة أخرى قبل أن ينهال عليه ذلك المخلوق بمخالبه في وجهه.

بعد قليل ، أبصر شيئاً ما.

خلف الضباب كان هناك ضوء متوهج يجذبه نحوه.

نظر "كاي " من فوق كتفه ليرى ذلك الـ "نايت بورن " وهو يحلق نحوه مجدداً ؛ فلم يكن أمامه من خيارٍ سوى التوجه نحو ذلك الضوء ، فقد كان الشيء الوحيد الذي رآه طوال مطاردته ، ولم يملك إلا أن يأمل في أن يكون طوق نجاةٍ له.

انطلق راكضاً ، يزداد سرعةً مع كل خطوة ، محركاً ساقيه بأقصى ما أوتي من قوة.

في الخلف ، شعر باقتراب الـ "نايت بورن " منه ، وحتى دون أن يلتفت ، أحسَّ بيد ذلك المخلوق المخالبة تمتد نحوه ؛ فاندفع "كاي " بكل ما في وسعه ، ماداً يده ليقبض على ذلك الضوء.

وحين لامست أصابعه الحادة ظهره ، قبضت يده على النور.

ابتلع الضوءُ العالم بأسره ، وغدا كل شيءٍ ساطعاً حدَّ العمى.

حجب "كاي " عينيه بذراعه ، مندهشاً من أنَّ العالم بأسره قد أضاء فجأة.

وعندما خفت حدة الضوء وعاد إلى حالته المعهودة ، واجه مشهداً يحبس الأنفاس.

"مـ.. ما هذا ؟ "

أمامه فغرت فوهةٌ هائلة كانت بحجم مدينة صغيرة أو حتى أكبر ، دائرةٌ متقنة من الضياء نُقشت في الوجود. انساب الضوء الساطع منها كشلالين متقابلين ، أحدهما يتدفق صعوداً نحو السماوات ، والآخر يهوي إلى أعماقٍ مجهولة.

كلاهما تدفق في آنٍ واحدٍ في أعمدةٍ صامتةٍ ومستحيلة.

استشعر "كاي " الدفء النابض الذي كان يولد من ذلك المكان ، وهو أمرٌ منافٍ لطبيعة "بيت الليل " (منزل لـ ليل) المعهودة التي تتسم ببرودة الهواء وخفوته.

نظر إلى قدميه ؛ كانت المياه الضحلة تمتد نحو حافة الفوهة ، والضباب الذي يبلغ ارتفاعه مستوى الركبتين يلتف فوق سطحها ، بينما كانت ظلمة الليل تُسحب وتُجذب كتياراتٍ سوداء نحو ذلك الفم المضيء.

في الأعلى حتى سماء الليل كانت تتلوى ، وتتلطخ نجومها في خيوطٍ باهتة تنحني وتلتف نزولاً نحو الضوء.

وكأنه يقف بالقرب من ثقبٍ أسود كان كل شيء في تلك المنطقة يتمدد.

استفاق "كاي " من ذهوله ، والتفت لينظر إلى خلفه ليرى – بذهولٍ وارتجاف – أنَّ الـ "نايت بورن " كان يقف على مسافة غير بعيدة ، يراقب بصمتٍ في الظلام بنظراتٍ يملؤها التردد.

ودون أن ينبس ببنت شفة ، تراجع الـ "نايت بورن " إلى الوراء واختفى.

"توقف عن مطاردتي ؟ " نظر "كاي " عائداً إلى الفوهة. "هل هذا بسبب هذا الضوء ؟ "

بغض النظر عن السبب ، شعر بارتياحٍ لأنَّ ذلك الـ "نايت بورن " قد رحل أخيراً عن ظهره.

سقط على الأرض واستلقى لدقائق ليلتقط أنفاسه.

لقد قال "نوكسيان " حقاً إنه يجب عليه الركض سريعاً كلما صادف "نايت بورن " آخر ، لكنه استخف بمدى خطورة الأمر ؛ ناهيك عن أنَّ ذلك الـ "نايت بورن " الذي قابله يبدو من الأشرار ؛ فقد هاجمه وتلاعب به للتسلية ، كما كان شديد الإصرار.

لكن "كاي " تعلم درساً قيماً ونجا ، وهذا في نهاية المطاف أمرٌ جيد.

بعد خمس دقائق من الراحة ، جلس "كاي " وألقى نظرةً على المكان.

"هل هذا نطاقٌ خاص ؟ " فكر وهو يبتلع ريقه بصعوبة ، متخوفاً من أنَّ مالك هذا المكان قد يكون أكثر رعباً مما سبقه. و لكنه لم يرَ أحداً. "لا ، ليس كذلك ولا أظن أن المكان خطرٌ هنا. "

نهض "كاي " وجال ببصره في الأرجاء ؛ فمن الأفضل استكشاف هذا المكان ما دام موجوداً فيه ، فلا ضمانة ليعود إليه ثانيةً.

وبالنظر إلى أنه كاد يلقى حتفه قبل دقائق ، فإنَّ الاستمرار في الاستكشاف تهورٌ صريح ، لكن "كاي " لم يستطع كبح جماح نفسه ؛ فربما تكون فوهة الضوء هذه مفتاحاً لإتمام المهمة. "هذه الفوهة كبيرة حقاً. "

كان "كاي " يدور حول الفوهة منذ عشر دقائق على الأقل ، ومع ذلك لم يقطع عُشر مساحتها الإجمالية.

بدافع الفضول لمعرفة ما يكمن في الأسفل ، استدعى "كاي " الليل ليربط نفسه به كحبل نجاةٍ ضد أي سقوطٍ محتمل ، لكنَّ الليل لم يستجب كما ينبغي ؛ بل على العكس ، اعترضت الفوهةُ استدعاءه واختطفته وسحبته إلى داخلها.

مشكلةٌ لم يتصور "كاي " أنها ممكنة.

"كيف يعقل هذا ؟ هذا بيت الليل! "

بما أنه عجز عن استخدام الليل ، تراجع "كاي " ؛ فلا يستحق فضوله أن يخاطر بالسقوط في هاويةٍ من الظلام.

وبينما كان يهم بالمضي قدماً ، وقع بصره على شيءٍ ما في الأفق.

توقف في منتصف الطريق وضيق عينيه ليتأكد أنه لا يرى سراباً.

كلا لم يكن سراباً.

هناك شخصٌ يجلس على حافة فوهة الضوء الهائلة دون أي اكتراث.

امرأة ، أو شيءٌ يبدو كامرأة.

حتى من بعيد ، استطاع "كاي " رؤية بشرتها الباهتة التي تشبه حجر القمر ، والتي تكاد تكون شفافة ، حيث ينتشر تحت الضوء لونٌ أزرق خافت عبر بشرتها. حيث كان شعرها طويلاً جداً ومستقيماً ، وتنجرف أطرافه وتتمايل برقةٍ كما لو كانت مغمورةً تحت الماء ، مما ذكّره بشعر "الإلهة ".

كان ثوبها المصنوع من "حرير الظل " يلتصق بمنحنيات صدرها وطول ساقيها ، تاركاً المساحة الباهتة بينهما مكشوفةً بشكلٍ متعمدٍ ومريب. و لكن بالنظر إلى المكان الذي تتواجد فيه ، فمن الواضح أنَّ المظهر ليس من أولوياتها.

"نايت بورن ؟ " أمال "كاي " رأسه قليلاً.

من بعيد ، بدت هذه المرأة غير مؤذية ، وبدا قوامها أكثر نعومةً من أن يؤذي أحداً.

لكن "كاي " كان أكثر دهاءً من أن يغتر ؛ فبعد ما حدث سابقاً ، سيكون من الحماقة الاقتراب منها.

تراجع "كاي " ببطء ، كمن ينسحب بعد مواجهة مفترسٍ لم يلحظ وجوده بعد ، لكن وبينما كان على وشك الالتفات ، لمحت عيناه علامةً محفورةً على صدر المرأة ، بدأت من بين ثدييها وانحدرت كالمداد المنسكب حتى وصلت إلى سرتها.

وفي اللحظة التي أدركت فيها عيناه ماهية العلامة ، تداعت الأرض من تحته وتصدعت.

هوى قلبه في أحشائه ؛ فحتى من هذه المسافة ، عرف تلك العلامة.

علامةٌ سوداء على شكل شعلةٍ مقلوبة.

جعل هذا "كاي " يدرك أنَّ هذه المرأة ليست "نايت بورن " بل هي واحدةٌ من أبناء "الإلهة "!

تذكر "كاي " ما أخبرته به "الإلهة " ؛ بوجوب الابتعاد عن أخواته ، وكان يظن أنَّ لقاء إحداهن أمرٌ مستبعد ، بالنظر إلى أنَّ "بيت الليل " أكبر مما توقع ، وربما أكبر من العالم أجمع.

لكن ها هي إحداهن أمام عينيه ، تتدلى قدماها عند الفوهة في صمتٍ مطبق.

أراد "كاي " أن يفر ، لكنَّ الأوان كان قد فات.

رفعت المرأة بصرها ببطءٍ شديد ، كأنها تتلذذ بلحظة الصمت ، والتفتت نحوه. وحين التقت عيناهما ، سَرَت قشعريرةٌ جليدية في عمود "كاي " الفقري ، وتحرك جسده قبل أن يدرك عقله ما يفعل.

استدار ليركض ، لكنها كانت قد سبقته ووقفت خلفه ، قريبةً بما يكفي ليلامس أنفاسها وجهه.

لم يمر سوى جزءٍ من الثانية ، وكانت في الطرف الآخر ، والآن هي خلفه مباشرة.

نظرت "ابنة الليل " إلى "كاي " من رأسه حتى أخمص قدميه ، وكانت نظراتها متفحصةً ومقتحمة ، كأنها تسبر أغوار روحه. "الضوء كان سيجذبك للداخل " تمتمت بصوتٍ خافت ، بينما كانت ظلمةٌ كثيفة تنزف من العلامة حتى بدت كالمداد. حيث كانت عيناها بلون العنبر الداكن ، ولم يكن بوسع "كاي " تتبع اتجاه بصرها إلا من خلال وجهها. "فلماذا لم تنجذب ؟ "

كان عقل "كاي " فارغاً ، ولم يدرِ ماذا يفعل ، لكنَّ غريزة البقاء انتزعته من ذهوله وأجبرته على محاولة النجاة من هذا الموقف.

"لأنه لم يستطع " أجاب "كاي " محاولاً أن يبدو مهيباً وهادئاً بقدر الإمكان.

ومض بريقٌ في عينيها وهي تدور حوله.

الآن وقد وقفت قريبةً منه ، استطاع "كاي " تأملها بوضوح ؛ كانت نحيلةً ، بل واهنةً. أطرافها الطويلة جعلتها تقارب طوله ، وعنقها يبدو رقيقاً ، يكاد ينكسر بليّةٍ بسيطة ، ويدها شحبتان وأنيقتان.

لكن المظاهر خداعة.

فمجرد قدرتها على الظهور خلفه فجأة جعلت الأمر جلياً ؛ هذه المرأة تتمتع بقوةٍ لا تُصدق ، قوةٍ تفوقه بمراحل.

"ولماذا تتجول في الأرجاء ؟ " سألت المرأة مجدداً. "يجب على الـ 'نايت بورن ' البقاء في أبعادهم. "

"لأنني أردت تمديد ساقي ، ولست ممن يستمعون للآخرين بسهولة " أجاب "كاي " بكلماتٍ لا يقولها إلا الأقوياء ، أو من يظنون أنفسهم كذلك ؛ فمعظم من كانوا يتنمرون عليه كانوا يتحدثون بهذا الأسلوب.

كان مجرد حدس ، لكنه شعر بوخزةٍ في عقله تخبره أنَّ هذه المرأة تستطيع شم رائحة الضعف ، وأنها ستستمتع به. لذا اختار المنهج المهيب لهذا السبب ، وبما أنه اتخذ هذا القرار ، فلا مجال للتراجع أو التردد.

سيخوض غمار هذه المواجهة للنهاية.

"لا تستمع جيداً ؟ يا لك من جريء. " ابتسمت المرأة. "هل تعرف من أنا ؟ "

"أجل " أومأ "كاي " برأسه ، وسقط بصره على العلامة السوداء. فلوجود العلامة على صدرها ، باديةً للعيان ، لكان من المريب ألا يتعرف عليها. "هل تعرفين من أنا ؟ "

"لا… " اتسعت ابتسامتها. "وهذه مشكلة. "

في تلك اللحظة ، انخفضت درجة الحرارة.

خفق قلب "كاي " بشدة ضد أضلاعه ؛ تلك العينا العنبريتان الداكنتان ، اللتان تشبهان حجرين كريمين ولا بياض لهما لم تعودا كما كانتا. فقد برزت حلقةٌ من اللون الأبيض البارد ، تطوق موضع إيريس كالهالة.

كان الأمر أشبه بانقباض حدقتين ، لكن بطريقتها الخاصة التي تنفرد بها بيولوجيتها ، مما زادها رعباً.

"هيا ، أيها الـ 'نايت بورن ' البائس " تحركت المرأة ببطءٍ متعمد وطفَت في الهواء ، باسطةً ذراعيها قليلاً بجانب فخذيها ، مشيرةً لـ "كاي " بأن يهاجمها. "افعل ما جئت لتفعله. "

"ماذا… ؟ " صعق "كاي ".

"لقد أرسلتك 'سكوتيسا ' إلى هنا ، لا داعي لإخفاء ذلك عني " بدأ جسدها يمتص الليل ، ولكن بنطاقٍ بُعدي مختلفٍ تماماً عن "كاي ". "سأسمح لك بمهاجمتي مرةً واحدة قبل أن أطردك من هذا البيت. "

2026/05/15 · 0 مشاهدة · 1701 كلمة
نادي الروايات - 2026