انتاب غريغ الذهول، فنهض بسرعة وأخذ الصندوق من راشيل.
هل من الممكن أنها في طريقها للعودة بعد أن استقالت من عملها ؟ بدا الأمر وكأنه شيء قد يفكر فيه أي شخص يراها بهذه الطريقة.
ومع ذلك، لم يكن الصندوق الكبير مليئًا بأغراض راشيل الشخصية، بل بجميع أنواع الأغراض الجديدة المعبأة بكميات كبيرة، كما لو أنها قد تجولت في قسم اللوازم المكتبية في أحد المتاجر الكبرى.
"……؟"
عندما ظهرت راشيل وهي تحمل صندوقاً، ظننت أنها استقالت من وظيفتها وأخرجت أغراضها، لكن بدا أنها ذهبت للتسوق.
لكن فجأة هكذا؟
وكأن لديه نفس الفكرة، سأل غريغ وهو يخرج الأغراض من الصندوق ويضعها على المكتب.
"عزيزتي، ما كل هذا؟ ما الذي يحدث؟"
نظرت إلينا راشيل جميعاً مرة واحدة وصاحت بثقة.
"لقد لقنتهم درساً قاسياً وقمت برفع دعوى قضائية !"
يا إلهي!
"يا إلهي! يا للروعة، هذا مذهل حقا!"
صفقت كاساندرا بيديها وأطلقت العنان للإعجاب الذي كنت أفكر فيه في نفسي.
"هل تتحدثين بجدية حقاً؟"
"لا. ليس تماما"
استرخيت عند سماع إجابتها التي أوضحت بها أنها تمزح. لا بد أنني كنت متوتراً قليلاً دون أن أدرك ذلك.
"أوه، رايتشل. لقد فاجأتنا حقاً."
«لكن الأمر مشابه. فاليوم، تلك الشركة اللعــ……»
كادت راشيل أن تقول "تلك الشركة اللعينة" لكنها ألقت نظرة خاطفة على الأطفال الذين كانوا يأكلون الكعك.
ثم أخذت نفساً عميقاً وهدأت قليلاً، وجلست بحرص على الكرسي الذي أعده جريج.
"بصراحة، فكرتُ فعلاً في رفع دعوى قضائية، لكنني استنتجتُ أنني لا أريد إضاعة الكثير من وقتي مع شركة كهذه. إضافةً إلى ذلك، لم يكن هناك ما يكفي من الأدلة أو الحوادث لتبرير رفع دعوى قضائية."
وبما أنها لم تكن تسجل الحوارات ولم تستمع للكلمات من أفواه المعنيين بشكل مباشر، فمن الطبيعي ألا يكون هناك دليل مادي.
بالطبع، لا يزال بإمكانها رفع دعوى قضائية، ولكن كما قالت راشيل، بما أنها ستستقيل على أي حال، فإن قضاء الوقت في ذلك سيكون على الأرجح أكثر إرهاقاً...
"إذا كانت راشيل تعتقد ذلك، فليكن. ولكن ما كل هذا فجأة؟"
"آه، لم أحضر كل شيء بعد. سأجلب بقية الأغراض أولاً، ثم أروي لكم كافة التفاصيل ."
بعد أن أنهت كلامها، حاولت راشيل الوقوف، لكنها وجدت الأمر صعباً، فأمسكت ببطنها وجلست بحذر مرة أخرى، وهي تتحدث إلى جريج.
"عزيزي، هناك المزيد من الأشياء في سيارتي، فهل يمكنك إحضارها؟ هناك حقيبتان فوق المقعد الخلفي، إلى جانب صندوق أبيض مستقر داخل صندوق السيارة الخلفي . سيتطلب الأمر منك الذهاب والإياب عدة مرات."
"حسنا."
"سأساعد أنا أيضاً."
نزل غريغ إلى الأسفل دون طرح أي أسئلة ، وتبعته كاساندرا لمساعدته.
"رايتشل، هل ترغبين ببعض الكعك؟"
"نعم، من فضلك. لقد كنت أشم رائحة حلوة لفترة من الوقت، الآن أشعر وكأنني سأفقد عقلي."
وضعتُ المزيد من الكعك لراشيل في المقلاة الهوائية على عجل. وفي هذه الأثناء، قال لوكا شيئًا ما بعد أن ابتلع آخر قطعة من الكعك.
"كاكا."
عجبا، أنت تعرف بالضبط ما يفعله والدك.
"لا، هذا ليس للوكا. لقد أكل لوكا جميع كعكاته بالفعل."
بعد هذه الكلمات، مسحت يديه بمنشفة مبللة، ثم حملته وأخذته إلى غرفة اللعب.
"أهاه..."
أخذ لوكا يمد شفتيه الصغيرتين للأمام ونظر إليّ بتعبير غير راضٍ، ولكن ما لا يمكن فعله لا يمكن فعله.
"كلا يا صغيري. لقد انتهينا من تناول الطعام!"
رددتُ العبارة التقليدية التي اعتدت على نطقها فور انتهائه من وجباته دائماً، وعانقته عناقًا حارًا . فصغيري المحبوب والجميل يتوجب عليه استيعاب أن الإفراط في تناول الطعام ليس جيدًا لصحته.
وضعت لوكا، الذي كان لا يزال يحمل تعبيراً عابساً، في حوض الكرات، وجلست بجانبه، وأمسكت بكلتا يديه، وهززتهما بالتناوب لأعلى ولأسفل ومن جانب إلى آخر.
على الرغم من أنه طفل عنيد وقوي الإرادة يبلغ من العمر 10 أشهر، إلا أن لوكا كان يتغاضى عن الأمر عندما يتصرف والده بلطف كهذا.
"...هها! أبا! بابا!"
انظر إلى هذا.
بينما كان يضحك كما لو أنه لم يكن عابساً أبداً، قمت بحمله مجدداً وطبعتُ قبلات متتالية فوق وجهه، تحسنت حالته المزاجية على الفور.
"حسنًا، فلنلعب الآن بجد للمساعدة في الهضم، أليس كذلك؟"
ومع نطق تلك الكلمات، أخرجت لعبة سبورة تصدر أصواتاً من شأنها أن تستحوذ على عقل الطفل على الفور بضغطة زر واحدة.
كان زر الجرو هو الزر المفضل لدى لوكا.
وبالفعل، كان لوكا أول من ضغط على وجه الجرو مرة أخرى اليوم وعند صوت"جرو، هوف هوف!" تعالى صوت ضحكاته مجددا
لا بد أنك نسيت أمر الوجبات الخفيفة الآن.
وبعد الاطمئنان على استغراق لوكا في اللعب، تركتُ غرفة الألعاب وتوجهتُ نحو ليني الذي كان يجلس بهدوء، مستغرقاً في حديث شيق رفقة رايتشل.
استمعت بانتباه لأرى ما الذي كان يتحدث عنه، وكان يتباهى بما أخبرني به سابقاً وما فعله في روضة الأطفال اليوم.
استمعت راشيل إلى ليني بتعبير راضٍ.
أخرجت الكعكات من المقلاة الهوائية دون إزعاجهما، ووضعتها أمام راشيل مع كوب من الحليب الدافئ.
"شكرًا لك."
بينما كنت أغادر بعد أن أوصلت ليني إلى غرفة اللعب، عاد جريج وكاساندرا، يحملان حقائب مليئة بالأشياء في كلتا يديهما.
"يا الهي، ما كل هذه الكميات والأشياء الهائلة؟"
وتدفقت أشياء متنوعة، من آلة صنع القهوة بالكبسولات إلى أدوات الكتابة، والقرطاسية المختلفة، وحافظات الملفات، والمنظمات، بلا نهاية من الحقائب والصناديق.
حتى ساعة الحائط التي كنت أقول دائمًا إنني سأشتريها ولكنني كنت أنسى كل مرة، والتقويم المكتبي الذي أضعه على مكتب كل شخص، و…
"يا إلهي، هذه لوحة مفاتيح ميكانيكية! لطالما رغبت في تجربة شيء كهذا!"
كان غريغ متحمساً كطفل دون تفكير، فسألت بصوت قلق بعض الشيء.
"ولكن يا رايتشل. بجدية، ما كل هذا؟"
على الرغم من أن رايتشل لم تكن قد باشرت بالعمل الفعلي معنا بعد، إلا أنها كانت تداوم على التواصل معي بشكل مستمر لتنسيق ومتابعة كافة المعاملات المالية وتفاصيل تصفية النفقات والمصروفات بدقة. وكنتُ أعلم مدى حرصها وتدقيقها البالغ للادخار والتوفير دائماً، فما الذي دفعها للإقدام على مثل هذا التصرف الصادم ؟
وسط نظرات الجميع المتسائلة، ابتسمت راشيل ابتسامة ماكرة بعض الشيء.
"إنها بضائع بقيمة 500 دولار، وهذا مبلغ كبير. سأخبركم بالقصة الآن. كما ذكرت سابقاً، لقد ابتززت هذا المبلغ من الشركة لأنني أوحيت لهم بأنني سأقاضيهم."
"ماذا……؟"
"بمجرد انعقاد الاجتماع الدوري وسؤالهم المعتاد عما إذا كانت هناك أي مستجدات أو ملاحظات، بادرتُ بمواجهتهم وعددتُ الشائعات المتداولة بدقة. وواجهتهم بصراحة مستفسرة عما إذا كانت تلك الأقاويل والكلمات التي سمعتها صحيحة أم لا. "
وأوضحت أنها أطلقت كامل غضبها وانزعاجها، مستعرضة تفاصيل استبعادها من الترقيات بذريعة حملها، إلى جانب الفوارق في الأجور؛ حيث يتلقى الموظفون الجدد رواتب تفوق أجر الموظفين القدامى و الأساسيين، وعلاوة على ذلك فقد استعرضت كافة الثغرات والعيوب اللامنطقية التي كانت بالمشاريع المتنوعة للشركة، وهي تفاصيل لم يكن أعضاء مكتبنا على دراية بها.
"...مجرد تخيل ذلك يجعلني أشعر بالارتياح."
استطعت أن أتخيل بوضوح الأشخاص الذين لا بد أنهم شعروا بالارتباك الشديد عندما عبّر موظف كان عادةً هادئ الأعصاب ومتقناً لعمله عن غضبه علناً.
وقالت إنه بعد ساعة أو ساعتين من انتهاء الاجتماع، استدعاها موظف من قسم الموارد البشرية وسلمها بطاقة هدية مصحوبة بعبارات المواساة التي بدت وكأنها منقولة من نص جاهز ومكتوب
"تعرفون تلك البطاقات التي يتم توزيعها بين الحين والآخر على الموظفين المتميزين أو كبادرة تقدير وامتنان للعملاء والشركاء. بالرغم من أنني لم أكن أنتظر منهم أي حلول أو تصرفات منصفة …… إلا أنهم عندما قدموا لي ثلاث بطاقات هدايا بقيمة ١٠٠ دولار، شعرتُ بالازدراء جراء هذا العرض الهزيل، وطالبتهم بتقديم بطاقتين إضافيتين بلا تردد"
سخرت رايتشل وهي تتحدث. بدت وكأنها وجدت الأمر سخيفاً حتى بعد التفكير فيه مجدداً.
ومع ذلك، فإن مواجهة أشخاص أعلى منها رتبةً وأقدم منها سناً وإجبارهم على الرضوخ بمثل هذا الأسلوب المباشر ليس بالأمر الهين على الإطلاق. أعتقد أن ذلك يعود إلى ثقتها بقدراتها.
أو ربما لم تكن خائفة او مترددة مع اقتراب موعد استقالتها. أو لعله نابع من إيمانها بضرورة اقتلاع هذه المظاهر من الفساد والظلم من أجل تأمين مستقبل أفضل لطفلتها المنتظرة ……؟
للحظة، تساءلت عما إذا كنت قد بالغت في تفكيري، ولكن على أي حال، نظرت أنا وكاساندرا إلى راشيل، التي كانت تجلس هناك مثل جنرال منتصر، بتعابير مذهولة قليلاً.
أشاد غريغ وحده برايتشل، و كان يهز رأسه موافقاً بحماس شديد يوشك معه على التصفيق
"أحسنتِ يا عزيزتي. أعرف ذلك لأني مررت بهذا معكِ خلال السنوات القليلة الماضية - أنتِ مخيفة حقاً عندما توبخينني أو تجادلينني."
هذا ليس شيء يدعو للفخر، أيها الأحمق…
لكن رايتشل أومأت برأسها بنظرة فخر خفيفة. الآن وقد رأيت ذلك، أدركت أن هذين الاثنين متوافقان تماماً.
وبينما كنتُ أتبادل النظرات سرا رفقة كاساندرا بعيداً عن أعين الخطيبين المستغرقين في انسجامهما ، ناداني لوكا من غرفة اللعب
"أبا! بابا!"
"نعم، بابا قادم."
في بعض الأحيان، عندما لا يستطيع لوكا رؤيتي من النافذة، كان ينادي عليّ هكذا.
ومع ذلك، فبينما كان في الماضي ينادي باسمي بينما يسيطر عليه القلق ويستمر في الصياح، فإنه الآن ينتظر بصبر إذا أجبت على الفور.
أطللت من خلال الباب. عادةً، عندما يؤكد وجودي بهذه الطريقة، يعود إلى ما كان يفعله، لكن عندما رأيته يمد يديه كلتيهما طالباً العناق، بدا لي أنه يجب عليّ أن أحتضنه لبعض الوقت.
بينما كنت أخرج مع ليني، وأنا أحمل لوكا، كانت راشيل جالسة هناك وهي تمسك ببطنها.
انقبض قلبي للحظة. ظننت أن شيئًا فظيعًا قد حدث، لكنني شعرت بالارتياح فورًا عندما رأيت غريغ يقف بجانبها بتعبير عاطفي.
قالت كاساندرا بابتسامة خفيفة.
"يبدو أن الصغيرة قد بدأت بالتحرك للتو"
عند سماع هذه الكلمات، قفز ليني في مكانه وسأل.
"يا إلهي، هل تحركت الطفلة؟"
"أجل، لقد بادر الجنين المستقر داخل البطن بركل بطن العمة بنشاط. لم يسبق له أن وجه ركلات قوية بهذا الشكل الباهر منذ بداية الحمل على الإطلاق……"
قالت كاساندرا وهي تربتت على كتف راشيل
"من الطبيعي أن تشعري بذلك أكثر في الشهر السابع."
رفع غريغ يده بحذر ووضعها على بطن رايتشل.
"إن حركاته لا تزال مستمرة شيئاً فشيئاً. "
"وااو."
اقترب ليني، الذي كان يحدق باهتمام في المشهد، بحذر من راشيل وسألها.
"هل يمكنني لمسه أيضاً؟"
آه…
على الرغم من الأجواء الدافئة ، إلا أنني شعرت فجأةً بالخوف من أن يتذكر ليني الماضي. خشيت أن يسترجع اللحظات السعيدة لعائلته التي كانت مترابطة، فيشعر بالحزن.
لكن على عكس مخاوفي، بمجرد أن أعطت راشيل إذنها، وضع ليني يده برفق على بطنها وقرب أذنه إليها.
تماماً كما كان يفعل في السابق مع والدته.
ابتسم ليني ابتسامة خفيفة وأغمض عينيه برفق.
ثم همس بهدوء.
"ستأتي طفلة جميلة."
"آه..."
عند سماع كلمات الطفل المفاجئة، لم تستطع راشيل مواصلة الكلام، واختنق صوتها قليلاً.
ربتت ليني برفق وعناية على بطنها بإصبعها الصغير، كما لو كان يحيي الطفلة الموجود في الداخل.
" دعينا نلعب معًا عندما نلتقي لاحقًا."
"……."
لم يغرق الطفل في الماضي الذي لا رجعة فيه، بل اعتز بذكريات ذلك الوقت وبارك الأم والطفل أمام عينيه.
بينما كنا أنا وراشيل نحاول استجماع أنفسنا من مشاعرنا، قال غريغ وهو يربت على رأس ليني
"أعتقد أن ليني سيكون أباً صالحاً عندما يكبر ويتزوج."
"هذا صحيح!"
"هاها."
انفجرت الضحكات بفضل رد ليني السريع. ثم أضاف ليني شرحاً.
"قالت أنجيلا الشيء نفسه اليوم."
هاه؟
"من هي أنجيلا؟"
"إنها صديقه قابلتها في روضة الأطفال اليوم! وقد طلبت مني الزواج لاحقاً."
لا، هل هذا يعقل!.
كنت مرتبكًا للغاية لدرجة أنني لم أستطع قول أي شيء، ولكن ربما كنت الوحيد المرتبك، لأن الآخرين ضحكوا كما لو كانوا يستمتعون كثيرًا.
"يا إلهي، ما أجملهم!"
"لكن يا ليني، لقد التقيتم اليوم فقط، أليس من السابق لأوانه بعض الشيء أن نعد بالزواج؟"
"هل هذا صحيح؟"
عندما سألته، ابتسم ليني وأمال رأسه. كان يبدو لطيفًا للغاية لدرجة أنني ضحكت مع الكبار الآخرين، لكنني توقفت فجأة بسبب كلماته التالية.
"لكنني وعدت ثلاثة أشخاص بأنني سأتزوجهم اليوم!"
"ثلاثة، ثلاثة؟"
"أجل! أنجيلا، وسيرينا، وحتى كلوي."
قال ليني وهو يطوي أصابعه واحدة تلو الأخرى.
ياالهي... يبدو أن ابني يتمتع بشعبية كبيرة...
ضحكت كاساندرا ورايتشل بصوت عالٍ مرة أخرى، أما غريغ، الذي كان على وشك أن يصبح أباً لابنة، فقد عقد ذراعيه وقال لي
"يا رجل، يتوجب عليك بذل المزيد من الجهد والاهتمام في شؤون تربية أطفالك. "