كان بالإمكان سماع صوت الموظفين القريبين يشهقون من الصدمة.
رمشتُ عيني بهدوء.
لقد شعرت بالارتباك للحظة، لأنني لم أتعرض لمثل هذا الموقف منذ فترة طويلة، وتساءلت متى اختفت ذكريات التمييز الذي كنت أواجهه يوميًا في الحي القديم الذي عشت فيه.
نبرة صوتها الباردة و كلماتها المليئة بالكراهية جعلتني أشعر للحظة وكأنني ارتكبت خطأً ما فعلاً.
قبل أن أتمكن من الرد، تدخل النادل الذي ساعدته للتو بسرعة
"سيدتي، يبدو أن هناك سوء تفاهم، دعينا نصعد إلى الطابق الثاني أولاً.."
لكن محاولته لإنقاذ الموقف فشلت تمامًا.
"أنا لا أكذب! لم أسمع أو أرَ شيئاً كهذا في حياتي كلها!"
وبينما كنت تحت أنظار الجميع هكذا، احمر وجهي قليلاً وعجزت عن الكلام.
ليس لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأنني كنت مذهولا من الأسباب السخيفة التي تدفعها لقول ذلك.
لكنني كنت أعلم أن الانفعال بشأن شخص كهذا مضيعة للوقت والمشاعر.
"أوووه..."
زاد شعوري بذلك لأنني كنت أحمل لوكا بين يدي، الذي بدأ يتحرك بقلق وعصبية بعد أن شعر بالتوتر في المكان.
رفع غريغ يده متقدمًا بوجه أحمر غاضب بعد أن فهم ما يحدث، لكنني أشرت إليه بيدي لأوقفه، ثم رددت عليها بهدوء
"حسنًا، لقد رأيتِ حالة كهذه الآن. لقد تم تعييني رسميًا كوصي على الطفل من قبل المحكمة، لذا إذا كانت لديكِ أي اعتراضات، فيمكنكِ الذهاب إلى المحكمة برفقة محامٍ."
عند سماع إجابتي الحازمة والهادئة، بدت السيدة عاجزة عن الكلام للحظات هذه المرة.
بالتأكيد هي لن تذهب إلى هذا الحد، فلماذا تفتعل المشاكل وتفسد مزاج الآخرين هكذا؟
كان الجميع قبل قليل مشغولين بالتحضير للافتتاح، لكنهم الآن توقفوا تمامًا وراقبوا الموقف.
تنهدت قليلا وأنا أفكر في كيفية إنهاء هذا الموقف، وفي تلك اللحظة سمعت صوت كاساندرا وهي تنزل من الطابق الثاني.
كانت تحمل الكثير من السترات بين يديها وتبتسم بسعادة، وعندما رأت السيدة العجوز رحبت بها بحرارة
"أوه، جين! أنتِ هنا بالفعل. كنتُ في الطابق العلوي للتو..."
"……."
…… يا إلهي.
كان ينبغي أن أعرف ذلك منذ اللحظة التي نادى فيها النادل هذه السيدة العجوز بـ"سيدتي" بكل أدب.
يبدو أن هذه السيدة العجوز التي تدعى جين هي حماة كاساندرا الجديدة.
تباً.
بينما كنت أمسح وجهي بيدي في ضيق، توقفت كاساندرا، التي كانت تتمتع بفطنة استثنائية، عن الكلام وألقت نظرة حولها.
"لماذا الجو هكذا؟ هل حدث شيء ما أثناء غيابي؟"
اقتربت منها إحدى النادلات وهمست في أذنها بما حدث. ومع كل كلمة تسمعها، كانت حواجب كاساندرا ترتفع من الدهشة والغضب.
مسحت وجهي مرة أخرى. لم أكن لأرى هذه السيدة كثيراً على أي حال، لذا لم أرغب في وضع كاساندرا في موقف محرج بسبب ما حدث للتو.
حاولتُ تلطيف الأمور بإجبار نفسي على الابتسام، لكن كاساندرا كانت متقدمة عليّ بخطوة.
بعد أن أدركت كاساندرا الموقف، لوحت بالسترات التي في يديها وصرخت بوجه مصدوم و نظرة على وجهها كما لو كانت على وشك الإغماء.
"يا إلهي يا جين! كيف يمكنكِ قول كلام عنصري ومؤذٍ وغير منطقي كهذا لصديقي! هذا وقاحة شديدة!"
يا إلهي!، كلامها صحيح، لكن هل يعقل أن تقوله بهذه الصراحة؟
حدق العديد من الأشخاص، بمن فيهم أنا، في دهشة.
أما غريغ، الذي كان يقف بشكل محرج في المنتصف، رفع يديه وتراجع ببطء نحو المسرح.
نظرت إليه بغضب وهو يحاول إخفاء ابتسامته الساخرة.
لا تضحك أيها الوغد.
لكن الشخص الأكثر صدمة في المكان كانت السيدة العجوز جين بالتأكيد.
" ماذا؟ غير منطقي ؟ وقاحة شديدة!؟"
وضعت جين يدها على صدرها بنظرة مصدومة، وكأنها لم تسمع مثل هذا الكلام في وجهها طوال حياتها.
"أنتِ... كيف تجرئين على التحدث معي بهذه الطريقة!"
لكن كاساندرا لم تتراجع، تصرفت كعادتها بقوة، تماماً كما عرفتها دائما
"لكنها الحقيقة! لم أتوقع أبداً أن أسمع مثل هذا الكلام من شخص أعرفه".
"……."
أغلقت جين فمها مرة أخرى عندما رأت تعبير كاساندرا، الذي بدا عليه خيبة الأمل والحزن الشديدين.
هل يعود ذلك إلى أن العلاقة بين الحماة والكنة الجديدة هي علاقة لا خيار أمامهما فيها سوى توخي الحذر من بعضهما البعض؟
... أو ربما لأنها أدركت أن الكلمات التي تفوهت بها دون اكتراث كانت غير لائقة اجتماعياً.
ددرررن درررن!
يا إلهي، أفزعني الصوت فجأة.
كان هاتفي هو الذي يرن. انتفض الجميع في المكان عند سماع الصوت المفاجئ.
كنتُ أُسرع في إخراج هاتفي لإنهاء المكالمة، لكنني لم أستطع لأنني رأيت مكالمة فيديو واردة من الراهبة.
يبدو أن ليني قد استيقظ للتو من نومه ويبحث عني.
ولم يكن هناك شيء في هذا الموقف أهم من الرد على طفلي الذي قد يبكي باحثاً عن والده.
عندما رفعت رأسي، كان الجميع يحدقون بي. شعرت بالدوار للحظة، لكن لم يكن أمامي خيار آخر.
"عذراً، لحظة من فضلك."
بعد هذه الكلمات، خرجت من الحانة وأجبت على الهاتف.
"مرحبًا."
بما أنها كانت المرة الأولى التي أجري فيها مكالمة فيديو، فقد وضعت الهاتف على أذني بشكل غريزي، ثم مددت ذراعي بسرعة لأنظر إلى الشاشة.
[بابا…….]
رأيت ليني على الجانب الآخر من الشاشة، وهو يكتم دموعه وكأنه مستعد للبكاء. ورغم أن صوته كان حزينا قليلاً، إلا أنه لحسن الحظ لم يكن يبكي.
"اااو".
رأى لوكا ليني على الشاشة ومد يده.
"أجل، لوكا. إنه أخوك ليني."
شرحت لي الراهبة التي كانت تقف بجانب ليني الموقف باختصار
[استيقظ ليني وشعر بالضيق لأنك غادرت دون أن تودعه].
كانت الراهبة تبتسم بلطف وهي تربت على كتف ليني.
نظرت إلى طفلي اللطيف وشعرت بالأسف، وقلت له معتذراً
"أنا آسف يا ليني. لم أستطع البقاء في الكنيسة طوال الوقت لأنني اضطررت للذهاب إلى الحانة للغناء اليوم."
حتى بعد اعتذاري، بدا ليني لا يزال مستاءً، لذا تذمر بنبرة طفولية غاضبة بسبب النعاس
[بابا! لم يقل حتى وداعاً، ولم يمنحني حتى قبلة وداع… … .]
انهمرت الدموع من عينيه الواسعتين، وكأن الفكرة لا تزال تُشعره بالحزن. بدا غير راضٍ عن كل شيء في الوقت الراهن، فبدأ يشتكي وهو يشهق بلطف
[واليوم... جواربي... بنفس اللون أيضًا...]
يا إلهي…
رفع قدمه ليريني الجوارب وهو يهز كتفيه. كان المنظر لطيفاً جداً لدرجة أنني كتمت ضحكتي بصعوبة.
لو ضحكت الآن لحدثت كارثة، خاصة وأنني لا أستطيع مسح دموعه أو احتضانه حالياً.
"ليني، عزيزي لا تبكي. في الحقيقة، ودّعك بابا في وقت سابق وأعطاك الكثير من قبلات الوداع. هل أفعل ذلك مرة أخرى؟"
بعد ذلك، طبعتُ قبلة سريعة على وجهه على شاشة الهاتف. بالتفكير في الأمر، أعتقد أن شكلي كان يبدو غريباً بعض الشيء على الشاشة المقابلة لي.
[هييييينغ.....]
عندما بدأ ليني بالبكاء أخيرا، بدأ لوكا أيضاً يضم شفتيه مستعداً للبكاء. كانت هذه إشارة خطر جعلت العرق البارد يتصبب من ظهري.
حاولتُ على عجل تهدئة ليني قبل أن يبدأ الاثنان بالبكاء بصوت عالٍ.
"ليني، ليني. ما رأيك أن نستمر في الحديث عبر الهاتف الآن؟ أنت لم ترَ بابا يغني في الحانة من قبل، لذا يمكنك مشاهدتي الآن وكأنك تشاهد التلفاز، ما رأيك؟"
[… … .]
خفّ بكائه قليلاً. بدا مرتبكاً من الاقتراح غير المتوقع، ولم يعرف إن كان أمراً جيداً أم سيئاً.
الراهبة التي كانت تبتسم بهدوء بجانبه ساعدتني بسرعة أيضاً.
[هذه فكرة رائعة! سيكون من الرائع مشاهدة عرض والدك مع أصدقائك قبل بدء الحفلة. أليس كذلك يا ليني؟]
[…….]
بدأ ليني يستيقظ ببطء، و توقف عن البكاء، على الرغم من أنه كان لا يزال يتنفس بصعوبة.
ظننت أن هذه فرصتي، فأضفت شيئاً آخر لتهدئته.
"وفي يوم الاثنين، سيصنع بابا كعكة الليمون الحلوة والحامضة المفضلة لدى ليني."
[…….]
"هل أصنع الكعكة على شكل نجمة؟ سأجعلها جميلة مثل نجمة صغيرة، لذا آمل أن يستمتع ليني بتناولها."
توقف ليني عن البكاء تماماً وبدأ يتمتم بشفتيه، وفجأة ظهر وجه جينيفر بجانبه
[عمي، أريد أن آكل كعكة على شكل قلب وردي.]
ثم ظهر رأس توني فجأة فوقها.
[وأنا أريد كعكة على شكل بطريق]
كتمت ضحكتي وسجلت طلبات الأطفال اللطيفة.
"حسنًا، هل نجعل كعكة القلب لجينيفر كعكة فراولة وكعكة البطريق الخاصة بتوني كعكة شوكولاته؟"
[نعم!]
ولعلّ فرحة الأطفال معدية، لذا سرعان ما ارتسمت ابتسامة على وجه ليني أيضاً.
"ثم سيسرع بابا في إنهاء التحضير للعرض وسيتصل بك. هل هذا مناسب؟"
[ييييي!]
أجاب ليني بابتسامة عريضة كما لو أنه لم يبكِ على الإطلاق، ثم اختفى من الشاشة مع أصدقائه.
بعد تبادل بضع كلمات أخرى مع الراهبة، أغلقت الهاتف.
"يا للهول..."
تنهدت وأنزلت كتفي بتعب، فنفخ لوكا الهواء في وجهي مقلداً إياي.
وضعت الهاتف في جيبي الخلفي واحتضنت لوكا بذراعيّ بقوة وفركت وجهي بكتفه الصغير، فضحك بصوت عالٍ
"لوكا، بابا متعب اليوم."
"دااا!"
"نعم، الأمر صعب، لوكا قل 'تشجع بابا'."
"داا داا!"
"هل هذا صحيح فعلاً؟"
ضممت لوكا المبتسم بقوة أكبر وأخذت نفساً عميقاً آخر.
لم أكن أرغب في العودة إلى الحانة، ولكن بما أن وقت الافتتاح قد اقترب، لم يكن بإمكاني البقاء في الخارج أكثر.
لكن عندما فتحت الباب ودخلت، وجدت أن الأجواء قد تغيرت.
لم تكن جين موجودة، على الأرجح لأنها صعدت إلى الطابق الثاني، وكان الموظفون يتحركون بنشاط مرة أخرى، ويبدو أنهم منشغلون تمامًا بالتحضيرات للافتتاح.
بجوار المسرح، كان جريج وكاساندرا يتحدثان بينما يجرب غريغ السترة.
هل تمكنت كاساندرا من حل الموقف بالكامل؟
اقتربت منهما وأنا أتساءل، فضحك غريغ
"يا رجل، لقد سمعنا مكالمتك بالكامل هنا. يبدو أن تلك العجوز العنيدة لم تتحمل نبرة صوت الأب الحلوة ، ففرت هاربة إلى الطابق الثاني"
مستحيل!
كان بالإمكان سماع ضحكات مكتومة من الموظفين هنا وهناك. حاولت جاهدا تجاهل احمرار وجهي وتمتمت بصوت متذمر.
"عزل الصوت في الحانة سيء للغاية."
"ذلك لأن النوافذ كانت مفتوحة"
ضحكت كاساندرا وتحدثت.
بعد ذلك تنهدت واعتذرت منها.
"أنا آسف لأنني سببت لكِ الكثير من المتاعب يا كاساندرا. هل كانت تلك المرأة والدة ديمتري؟"
هزت كاساندرا رأسها معترضة وقالت بسرعة.
"لا، لماذا يجب على جون أن يعتذر؟ أنا من يجب أن أعتذر لك. وجين قالت إنها ستعتذر منك بشكل لائق لاحقاً."
أومأت برأسي بشكل مبهم. بما أنني لم أخطئ لأعتذر، فكذلك كاساندرا لم تكن مذنبة لتشعر بالأسف.
ومع ذلك، لم أستطع إلا أن أشعر بالقلق.
"...لكنها ستصبح قريبتك الكبيرة في العائلة قريباً، هل أنتِ بخير فعلاً مع ما حدث؟"
هزت كاساندرا كتفيها.
"أودّ أن أتغاضى عن معظم الأمور وأن تمر بسلام لكن الخطأ يظل خطأً. فضلاً عن ذلك، ليس الأمر كما لو أن هذا زواجي الأول؛ ولقد تجاوزت المرحلة التي أصمت فيها عن حقي وأقلق من كل صغيرة وكبيرة تخص عائلة زوجي"
"حسنا……."
لم أكن أعرف ماذا أقول، فالتزمت الصمت. تساءلت إن كان ذلك أفضل من كتمان الأمر، لكن كاساندرا ابتسمت مجدداً.
"سيكون كل شيء على ما يرام. في الحقيقة، لقد فوجئت قليلاً اليوم أيضاً. كانت جين تتمتع بصورة هادئة ولطيفة للغاية..."
خلع غريغ السترة التي كان يرتديها، وأخذ لوكا مني، وأضاف.
"العرض سيبدأ قريباً، ارتدِ سترتك بسرعة وجربها. آه، وبالنسبة لتلك العجوز، بدت وكأنها نادمة قليلًا، رغم أن هذا لا يمحو خطأها بالطبع"
ارتديت السترة وتحققت من المقاس، ثم ابتسمت قليلا.
"ومع ذلك، أشعر بالاطمئنان لوجود أصدقاء يقفون بجانبي بهذه الطريقة."
ألقت كاساندرا نظرةً قالت كل أنواع الأشياء، بينما ابتسم جريج قبل أن يجيب بوجه جاد.
"عن ماذا تتحدث؟ أنت رئيسي الذي يدفع راتبي، فماذا يمكنني أن أفعل؟ ستأخذ كل هذا في الاعتبار عند تقييم أدائي، أليس كذلك؟"
"يا إلهي، حقاً..."
أخيراً تلقى غريغ ضربة على ظهره من كاساندرا.