"بفف".
بصق لوكا الحلوى التي كان يمتصها بشغف.
"يا إلهي، ألا يحب لوكا الحلوى؟"
اتسعت عينا لوكا بذهول وهو يكتشف أن الشيء الذي ظنه مجرد لعبة يحمل طعماً غريباً.
لكن لسوء الحظ، كانت الحلوى بنكهة النعناع. لم تكن نكهة محببة للأطفال الصغار عادةً، لذا بعد تذوقها، لم يكن أمامه خيار سوى بصقها.
كتمتُ ضحكتي بصعوبة، ومسحت بمنديل فمه الذي كان مغطى باللعاب
على الرغم من أنني كنت أمسح فمه، إلا أن لوكا واصل التحديق بالحلوى التي بين يديه بنظرة بدت وكأنها تقول "ما هذا الشيء؟" بدا وكأنه طفل صغير ذاق كل مرارة العالم.
في تلك اللحظة، اقترب ليني بسرعة وأخذ الحلوى من يد أخيه
"لوكا، لماذا؟ أليست لذيذة ؟ هل هي حامضة ولاتحبها؟"
وضع ليني الحلوى في فمه يمتصها ليتذوقها نيابة عن أخيه.
"...ممم."
وبعد لحظة، أخرج ليني الحلوى من فمه بنظرة مماثلة لما أظهره لوكا، ثم نظر إليّ
"بابا، الحلوى فاسدة."
"ها ها ها!"
لم يستطع غريغ كبح ضحكته وانفجر ضاحكاً بصوت عالٍ، ووجدت أنا أيضاً صعوبة في كبح ارتعاش زوايا فمي.
مسحت ماريا الجالسة بجانب ليني على رأسه بخفة، بينما ضربت رايتشل ظهر غريغ بكفها بخفة وسحبت الحلوى من يد ليني
"ليني، الحلوى لا تفسد بسهولة لأنها تحتوي على الكثير من السكر والمواد الحافظة. هذه مجرد نكهة النعناع التي يحبها الكبار."
قامت راشيل، التي شرحت الأمور بهدوء، بلف الحلوى في غلافها مرة أخرى، وكسرتها إلى قطع، ووضعت قطعة كبيرة منها في فمها تتذوقها.
"……ماواا."
أصدر لوكا همهمات حزينة وهو يرى اللعبة التي كان يحبها تتحول إلى لعبة غريبة الطعم، ثم تتكسر إلى أجزاء وتختفي أمام عينيه في لحظات.
"عزيزي لوكا. هل أنت حزين."
على الرغم من أن طعمها لم يكن جيداً، إلا أن لوكا بدا معجباً بمظهرها، إذ واصل التحديق بنظرات ندم نحو الحلوى المكسورة.
ثم أخرج ليني مصاصة من حقيبة الحلوى الخاصة به ووضعها في يد لوكا. كانت هي المصاصة التي أعطيتها له سابقاً.
"لوكا، سأعطيك هذه!"
"أوااا."
شعر ليني بالرضا لتخلصه من الحلوى غير اللذيذة، وبدوره ابتهج لوكا وهو يمسك بيده لعبة جديدة ملونة.
قالت ماريا بابتسامة وهي تربت على ظهر ليني
"جون، طفلاك يتمتعان برابطة وأخوة وثيقة جداً."
"أجل، أنت محقة"
قرصتُ خد ليني بخفة، ثم أطعمتُ لوكا بعض البطاطس المهروسة والذرة التي أعددتها من المنزل. والذي بدا الآن وكأنه قد هرب تمامًا من النوم.
"ليني، إن كنتَ قد تذوقت طعام الحفل، فلتتناول بعضاً من طعام المنزل الذي أعده بابا"
"نعمم."
أجاب ليني وفتح فمه وهو يقول "آااه".
عادةً ما يحاول أن يفعل كل شيء بمفرده، قائلاً "سأفعل ذلك بنفسي!"، إلا أنه أحب الليلة لعب دور الطفل الصغير الذي يحتاج للرعاية.
لذا أجلست لوكا على الكرسي، وأجلست ليني على حجري، وبدأتُ أطعمه بنفسي.
"ممم لذيذ."
سألتُ وأنا أطبع قبلة سريعة على رأس ليني الذي كان يفتح فمه مثل فرخ طائر ويتقبل بسعادة كل ما أطعمه إياه بالملعقة.
"عزيزي ليني يأكل جيدا، أليس كذلك؟"
مضغ ليني البطاطس المهروسة حتى امتلأت خدّاه، وابتسم بعينيه اللامعتين.
لم أستطع مقاومة لطافته، فدغدغت جانبه بخفة، فبدأ يتلوى ويضحك بجسده كله دون إصدار صوت حتى لا يسقط الطعام من فمه.
لقمة للوكا، لقمة لليني، ثم لقمة للصغير، وأخرى للكبير……
وبينما كنت أتناوب على إطعام الأطفال لقمة تلو الأخرى، نفدت علبة الطعام التي كنت قد جهزتها بكمية كبيرة.
حملتُ الصغيرين اللذين استسلما لشعور الشبع والنعاس الدافئ، وبدأتُ أتجول بهما حول شجرة الحلوى لأساعدهما على النوم.
جمع ليني بشغف بكلتا يديه الصغيرتين الحلوى من شجرة الحلوى. و لكن لم تكن تتعدَ سوى أربع مصاصات.
"ليني، لمَ جمعتَ كل هذه الحلوى رغم أن طعمها لم يعجبك؟"
"هذه على شكل قلب، لذا سأعطيها لجينيفر. وسيحزن أخي توني إذا لم أعطه واحدة، لذا سأعطيه هذه... سأعطي واحدة للوكا إذا شعر بالملل، وواحدة لي."
"رائع، ابني الأكبر لديه خطة لكل شيء."
عدتُ إلى عربة الأطفال، ووضعت الأطفال الذين كانوا يغطون في نوم عميق، وغطيتهم جيداً ببطانية، وأغلقت غطاء العربة.
"هل حان موعد نوم الأطفال؟"
"تقترب الساعة من التاسعة، لذا فقد تجاوزا موعدهما قليلاً."
"أصبح جون أباً خبيراً قبل أن أدرك ذلك.لا يمكن لأحد أن يصفك بعد الآن بالأب المبتدئ."
"شكراً لكِ يا ماريا. لقد كانت نصائحكِ عن بُعد عوناً كبيراً لي طوال الفترة الماضية."
بينما كان الأطفال نائمين، واصلت تناول وجبتي المتأخرة بمفردي، وتحدثت عن الأمور التي لم نتمكن من التحدث عنها حتى الآن، عندما اقتربت كاساندرا وديمتري، بعد أن بدآ يتجولان بين الطاولات لإلقاء التحية على الضيوف.
"مبارك لكما الزواج!"
بادر الجميع على الطاولة بتهنئة الزوجين. وبدورهما، رد العروسان بابتسامة مشرقة
"شكراً لكم جميعاً! شكراً جزيلاً لكم على تشريفنا بحضوركم اليوم، ومشاركتنا هذه اللحظات السعيدة."
وبعد هذه الكلمات، قام الاثنان بتوزيع هدايا صغيرة مغلفة على جميع من كانوا على الطاولة وانتقلا إلى الطاولة التالية.
وكانت الهدية عبارة عن بطاقة شكر مع شمعة معطرة ذات رائحة طيبة.
صعد غريغ، الذي فتح الهدية أولاً، إلى الطابق الثاني كما لو أنه تذكر شيئاً ما، وطلب مني الانتظار قليلاً. ثم عاد سريعاً وسلمني علبة هدايا إضافية.
"هذه هدية خاصة لوصفاء العريس. لقد احتفظتُ بهديتك معي."
"شكرًا لك."
لم يكن الصندوق كبيرًا، لكنه كان ثقيلًا نوعًا ما.
وضعته بحرص تحت عربة الأطفال لأفتحه عند عودتي للمنزل.
وبعد الانتهاء من تناول الطعام، استأذنت رايتشل وماريا للذهاب إلى دورة المياه، وعندها تنهد غريغ بهدوء.
"ما الأمر؟ هل تشعر بالتعب؟"
"الأمر ليس كذلك... لقد أدركتُ فقط أنه لا يوجد شيء أو شيئان فقط يجب تحضيرهما لحفل الزفاف."
آه. بالحديث عن ذلك، كان غريغ ورايتشل قد خططا بشكل غامض لإقامة حفل زفافهما عندما ينتهي الشتاء ويأتي الربيع.
"أظن ذلك، حتى الهدايا الصغيرة كهذه ستكلف مبلغاً لا بأس به ليتناسب مع عدد الضيوف، ناهيك عن هدايا الوصفاء……"
في الواقع، قد لا تشكل هذه الهدايا شيئاً يذكر مقارنةً بالتكلفة الإجمالية لحفل الزفاف. فبينما استخدم ديمتري حانته الخاصة كمكان لإقامة الحفل، سيتعين على غريغ وراشيل استئجار قاعة منفصلة، لذا ستكون كل الأمور مكلفة من البداية إلى النهاية.
وبما أن عائلة جريج قد وفرت بالفعل كل شيء من المنزل إلى الأدوات المنزلية، فلن يكون من السهل عليه أن يطلب المزيد من المساعدة.
"إذن، هل ستتكفل رايتشل بمعظم نفقات الزفاف؟"
"نعم، هي من اقترحت ذلك."
إذا فكرنا في الأمر، وبما أن جريج هو من وفر المنزل والأثاث، فمن المنطقي أن تتكفل راشيل بنفقات الزفاف.
إلى جانب ذلك، كان من الطبيعي أن تمتلك راشيل، التي كانت أكبر سناً من جريج ولديها مسيرة مهنية أكثر نجاحاً، أموالاً أكثر منه ... لكن بدا أن جريج يشعر بالأسف الشديد لأن عروسه المستقبلية تتحمل هذا العبء.
ومع ذلك، شعرت بالارتياح لأنه لم يسمح لكبريائه عديم الفائدة بالوقوف في طريقه، لكن غريغ أدار رأسه فجأة لينظر إلي وتحدث بصوت جاد.
"يا صديقي."
"لا أملك المال."
رفضتُ رفضاً قاطعاً قبل أن ينطق غريغ بكلمة، فلم أكن أملك تلك الرفاهية المالية فعلياً، فما أملكه بالكاد يكفي لدفع رواتبهم في الأستوديو.
"لا، أنا لا أطلب اقتراض المال..."
تردد غريغ ولم يستطع مواصلة الكلام بسهولة. حثثته على التحدث بسرعة قبل عودة راشيل وماريا.
ثم قام جريج بتقويم ظهره بنظرة حازمة على وجهه واستمر في الحديث.
"لقد تأثرت بشدة بالجهود التي بذلها الرئيس لدعم الموظفين هذه المرة."
"لا، ما هذا الكلام المفاجئ؟"
تراجعتُ للخلف بقشعريرة معقداً حاجبي، فدخل غريغ في صلب الموضوع
"لقد صنعتَ فستان الزفاف لكاساندرا، وساعدتَها أيضاً في حميتها الغذائية حتى اللحظة الأخيرة."
"آه..."
ظننتُ الأمر أبعد من ذلك. لم يكن لدي ما أقوله تحديداً، فهززت كتفيّ قليلاً وسألت
"وماذا في ذلك؟"
"يا رئيس، أعتقد أن راشيل، الموظفة الجديدة في الاستوديو، ترغب في ارتداء فستان زفاف من حرير الأورجانزا."
"……."
عقدت ذراعي، وحدقت في السقف، وأطلقت تنهيدة طويلة.
في الحقيقة، لم يكن الأمر أنني لم أفكر في الأمر إطلاقاً. مع ذلك، فقد واجهت صعوبة بالغة في تصميم فستان زفاف كاساندرا هذه المرة، لدرجة أنني لم أعتقد حقاً أنه شيء يجب أن أفعله مرة ثانية...
لكن كيف لي أن أرفض عندما يطلب مني غريغ هذا الأمر إلى هذا الحد؟
فضلاً عن أن طلبه لفستان الزفاف يعد خياراً ممتازاً؛ فمن جهة سيوفر على العروسين مبالغ ضخمة تخصص عادةً للفستان، ومن جهة أخرى سيمثل أفضل هدية زفاف صادقة يمكنني تقديمها لهما.
"ولكني ادخرتُ بعض المال، لذا أعتقد أنني أستطيع دفع حوالي نصف سعر الفستان."
"دعك من المال. إنها هدية زفاف لكما، لذا من الطبيعي أن أفعل ذلك على الأقل. كل ما في الأمر أنني تذكرتُ المعاناة التي واجهتُها في خياطة الخرز حبة حبة في فستان كاساندرا فتنهدتُ تلقائياً."
أشرقت ملامح غريغ بالارتياح فور سماع ذلك
"إن كان الأمر يتعلق بالخرز فلا تقلق إطلاقاً! فرايتشل تفضل التصاميم البسيطة والخالية تماماً من الخرز والتطريزات المربكة."
حقاً؟ أشرق وجهي قليلاً دون أن أشعر
"إن كان الأمر كذلك، يمكنني خياطة فستانين وليس فستاناً واحداً."
"لا داعي لفستانين! ولكن… ألا يمكن، … أن تصنع لي بدلة الزفاف التي سأرتديها يا صديقي؟"
يا لك من طفلٍ غير ناضج! لم أستطع كبح جماحي أكثر من ذلك، وانتهى بي الأمر بضرب غريغ على رأسه.
بعد تناول الحلويات اللذيذة، تفرق الجميع للتحدث مع الآخرين أو الرقص.
بدا أن الناس هنا سيرقصون ويأكلون ويشربون حتى منتصف الليل، وبالطبع حتى الفجر، لكنني كنت أنوي استخدام الأطفال كذريعة للعودة في وقت معقول.
وبما أن الطقس في الخارج كان يميل للبرودة، فكرت في أن أخذ كوبٍ دافئ من القهوة قبل التوجه إلى السيارة، لذلك تركت الأطفال مع جريج للحظة وصعدت إلى الطابق الثاني.
ثم صادفت ليلي وروز وصديقاتهما الأخريات يتحدثن في الطابق الثاني، الذي كان أقل ضجيجاً من الطابق الأول.
المشكلة كانت أن من بين "صديقاتهم" كانت والدة ديمتري، جين، أيضاً.
"يا إلهي، جون! أهلاً وسهلاً."
"آه، نعم. أهلاً بكِ."
كان الأمر سيكون على ما يرام لو أنني استدرت ورحلت، ولكن بما أن أعيننا قد التقت بالفعل، لم يكن هناك ما يمكنني فعله.
وحاولتُ تجنب النظر المباشر نحو تلك السيدة التي تشعرني بعدم الارتياح منذ ذلك الموقف، وأدرت جسدي نحو المكان الذي كان يقف فيه صانع القهوة.
"عذراً، سأغادر الآن، لذا كنت أتساءل عما إذا كان بإمكاني الحصول على فنجان قهوة معي..."
لكن يبدو أن ليلي وروز لن تدعاني أذهب بسهولة.
"إذن ستعود مبكراً بسبب الأطفال! هذا مفهوم. مع ذلك، دعونا نلقي التحية أولا. هذه صديقتنا، جين. إنها والدة العريس اليوم."
"مرحبًا."
ولتجاوز هذه اللحظة بسرعة، ابتسمت قليلاً وحييت جين كما لو كنت أراها لأول مرة اليوم.
لكن جين تنهدت ونهضت من مقعدها.
وقفتُ أراقبها بهدوء متسائلاً في داخلي عما تنوي فعله، طلبت جين من النادل أن يتنحى جانباً للحظة، وذهبت خلف البار، وسألتني.
"هل تفضل القهوة بنكهة حمضية؟"
"نعم……؟"
لم أفهم ما يحدث، وشعرت بالحيرة، فصفقت ليلي بيديها وضحكت.
"يا إلهي، يبدو أن جين قد أعجبت بك يا جون! إنها تعد لك القهوة بيديها."
"نعم؟"
ما الذي يحدث هنا؟ ولماذا تتصرف هكذا فجأة؟ وبينما كنتُ أرمش بعيني بذهول وعدم فهم، ضحكت سيدة مسنة أخرى كانت تجلس معهن.
"ما الذي يحدث؟ حتى نحن أصدقاؤها القدامى لا نحصل على قهوة من صنع يدي هذه السيدة المتكبرة بسهولة."
"أماندا، لماذا أنتِ دائماً متشائمة جداً رغم سنكِ؟ إنه أحد وصفاء ابنها ومن الطبيعي أن تود معاملته بلطف."
أطلقت السيدة التي تُدعى أماندا ضحكة ساخرة وبدت من نبرتها وقسوة كلامها أنها سيدة صريحة وحادة الطباع
"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. لا بد أن هناك شيئاً يخفونه."
عند سماع كلماتها، تنهدت جين بعمق واعترفت بهدوء بوضعنا لأصدقائها.
كان رد فعل الأصدقاء الثلاثة تجاه جين فورياً.
"كنت أعرف ذلك. إلى أين ستذهب شخصيتك اللعينة هذه؟"
أطلقت أماندا ضحكة ساخرة أخرى ووجهت كلمات لاذعة، ولم تكن ليلي وروز أقل منها حدة
"يا إلهي، هل جُننتِ؟! هل أنت مصابة بالخرف بالفعل؟!"
"يا للخجل! كيف تتصرفين بهذا الشكل وأنتِ في هذا العمر؟"
ومع هجوم السيدات الثلاث الحاد والمتواصل عليها، لم أعد أتمنى شيئاً سوى الهروب من المكان فوراً.