لم أقل لها إن طفلي قد تناول طعامه بالكامل أولاً قبل أن يلقي بالصحن أرضاً
شعرتُ بالحرج دون سبب، لذا حدقتُ في هاتفي مرة أخرى.
وقرأتُ في بعض المنشورات أن أطفالاً آخرين يعانون من آلام تسنين حادة حتى عند ظهور سنهم الأولى.
لا عجب في ذلك؛ فالسن تشق طريقها عبر اللحم، لابد أن يكون الأمر مؤلماً.
أما لوكا فقد مرّت سنّه الأولى بسلام ودون ملاحظة، فلم أكن أعلم.
لكنهم يقولون إن الأمر مؤلم بشكل خاص عندما تظهر الأنياب والأضراس، ويبدو أن هذا ما عاناه لوكا اليوم.
"لا أدري كم يوماً يستمر هذا الوضع."
"يختلف الأمر من طفل لآخر؛ أذكر أن تشارلي عانى من آلام التسنين لثلاثة أو أربعة أيام تقريباً. ذاكرتي ضبابية بعض الشيء."
ولحسن الحظ، بدا أن مفعول الدواء كان نجاحاً باهراً مع لوكا.
فقد تناول غداءه بشهية كبيرة كعادته، دون أن يلقي بالصحن أو الملعقة.
بل إنه، تعبيراً عن رضاه التام عن وجبة الغداء، ابتسم في وجهي ابتسامة عريضة وأخذ يهز الصحن الفارغ
"آآ!"
"أجل، هل كان طعام طفلي لذيذاً؟"
أمسكت بسرعة بالصحن الذي كان لوكا يهزه قبل أن يتدحرج على الأرض.
ورغم أنني كنتُ أنظف فمه ويديه بالمنديل، إلا أنه أخذ يحرك قدميه بحماس، ويبدو سعيداً للغاية.
أخرجته من كرسيه وعانقه بشدة.
"طفلي رائع للغاية. يقولون إن الأطفال الآخرين يفقدون شهيتهم تماماً أثناء التسنين. بينما أنت طفل أكول."
"هاه."
أجاب لوكا بفخر، لكن غريغ، الذي كان يتناول الحلوى بجانبه، ضايقه مازحا.
"لا تجبه على هذا يا لوكا! على أي حال يا جون، ما الذي وضعته في هذا الجيلي بالضبط؟"
"برتقال وبروكلي."
انحنى حاجبا غريغ لتتخذ شكل ثمانية ، مرتسماً تعبير غريب على وجهه.
"ما هذا التعبير على وجهك؟ شاركتك إياها بعد أن بذلت جهدًا كبيرًا في صنعها لأقدمها للأطفال."
"يا رجل…… أنت طاهٍ بارع بشكل عام، لكنك تبتكر أحياناً أطباقاً غريبة ومُريبة!"
غريبة ومريبة؟ هذا قاسٍ بعض الشيء.
"إنها مفيدة للصحة، ولذيذة على نحو غير متوقع."
ولإثبات صحة كلامي، أطعمتُ لوكا ملعقة من الجيلي.
فابتلعها لوكا بشراهة رغم أنه أنهى طعامه للتو.
"أجل، هل هي لذيذة يا صغيري؟"
"هاه."
تمتم غريغ بملامح جادة وهو يراقب هذا المشهد
"ألا يمكن الإبلاغ عن هذا باعتباره إساءة معاملة للأطفال؟ للأطفال الحق في تناول طعام طبيعي أيضاً."
بينما واصل غريغ تذمره، وقفت كاساندرا في صفّي
"لا تكن قاسياً هكذا؛ أعتقد أنها جيدة جداً. البروكلي مفروم بنعومة وقوامه ليس سيئاً."
"أليس كذلك؟ أفكر في إعداد جيلي الجزر وجوز الهند في المرة القادمة."
"ممم، بالنسبة لتلك…… حتى أنا قد أتردد قليلاً……"
ما هذا؟ إن كنتِ ستنصرينني فانصريني حتى النهاية!
بعد الغداء، قضينا فترة ما بعد الظهر بشكل جيد، وبما أن لوكا بدا بخير، ذهبنا معاً لاصطحاب ليني.
كان الطقس معتدلاً بالنسبة لبداية فصل الشتاء، لذلك خرجت مبكراً قليلاً وركنت سيارتي في موقف سيارات روضة الأطفال.
وبدلاً من إخراج عربة الأطفال، حملتُ لوكا بين ذراعيّ.
كان ذلك لأني اعتقدت أنه سيكون من الجيد القيام بنزهة خفيفة لتحسين مزاج لوكا بعدما عاناه هذا الصباح.
"مرّ وقت طويل منذ أن خرجنا في نزهة بمفردنا، أليس كذلك؟"
سرتُ به بخطوات على مهل في الشارع.
"لوكا، انظر إلى ذلك المنزل، لقد وضعوا أضواء الميلاد بالفعل. أليست متلألئة وجميلة؟"
أدار لوكا رأسه ذهاباً وإياباً دون أن يجيب، يستوعب المناظر الطبيعية على الطريق.
على الرغم من أنه لم يُجب، إلا أنني تحدثت إليه بجد.
"لوكا، ما رأيك أن نضع زينة الميلاد بعد انتهاء يوم ميلادك؟"
وبدلاً من الإجابة، رفع أصبعه الصغير ليشير إلى مجسم رجل ثلج عبر الشارع.
"رجل ثلج؟ هل نضع زينة رجل ثلج في الشرفة أيضاً يا لوكا؟"
وبعد التأكد من خلو الشارع من السيارات، مشيت إلى المكان الذي أشار إليه.
كان مجسم رجل الثلج يصل لارتفاع ركبتي تقريباً.
وحين جثوتُ أمامه، حدق لوكا في رجل الثلج بتمعن قبل أن يدير رأسه بعيداً.
فوقفتُ مجدداً وتابعتُ المشي.
"قضينا عيد الميلاد الماضي بهدوء نحن الاثنين فقط، لذا سنحتفل بعيد الميلاد هذا بأجواءٍ مفعمة بالبهجة برفقة أخيك ليني. وسنأكل الكثير من الأطباق الشهية."
"هاه."
لماذا تجيب على هذا الكلام تحديداً!
"يبدأ الشك يساور بابا أحياناً؛ أنت تفهم كل ما أقوله، أليس كذلك؟"
ابتسم لوكا ابتسامة مشرقة. بينما كنت أعانقه برفق وأقبله على خده
"هيا نذهب لنحضر أخاك الآن."
"هاه."
ولحسن الحظ، وصلنا في الوقت المناسب تماماً، قبل أن يرن جرس الروضة.
واستطعتُ رؤية ليني مستغرقاً في أداء أمر ما عبر نافذة الفصل.
وعندما رن الجرس معلناً نهاية الحصة، رفع ليني رأسه بتلقائية.
وعندما تحقق من الشخص عند النافذة، ارتسمت على وجهه علامات الدهشة والفرح.
يبدو أنه توقع مجيء غريغ لإصطحابه أيضاً؛ جاء يركض والابتسامة تملأ وجهه
"بابا! لوكا! هل تعافى لوكا الآن؟"
"أجل، تبين لي بعد الفحص أن أضراسه تنبت، ولهذا السبب شعر بألم وأصيب بالحمى. وقد تحسن حاله بعد تناول الدواء."
"هذا جيد."
أمسك ليني بقدم لوكا وهزها بنظرة ارتياح على وجهه.
"لوكا، لا تمرض مجدداً."
"هاه."
عدنا إلى المكتب ونحن نتبادل أطراف الحديث بسعادة.
وما إن أطلقتُ سراح الطفلين في غرفة الألعاب، حتى ناداني غريغ بصوت خافت.
ثم استعرض أمامي موقعاً لبيع مستلزمات الحفلات وسألني
"هل فكرت بشيء ما لعيد ميلاد لوكا؟ لم يتبق الكثير الآن."
"ممم، في الواقع…… فكرتُ في الأمر، ولكن……"
بفضل القدرات التي منحني إياها تطبيق "مانيتو"، أستطيع القول إن لدى لوكا ما يفوق حاجته وزيادة بالنسبة لطفل يبلغ عامه الأول.
يوجد الكثير من الملابس، والكثير من الألعاب، والكثير من الطعام.
"في الحقيقة، لا يوجد شيء إضافي محدد يمكنني تقديمه له في يوم ميلاده."
"ولكن لا يصح هذا مطلقاً!"
قالها غريغ بنبرة قاطعة. وكان كلامه صحيحاً.
ومع ذلك، حتى بعد التفكير في الأمر خلال الأيام القليلة الماضية، لم يخطر ببالي أي شيء مادي مميز.
ولعل قضاء اليوم بأكمله في اللعب معه، كما نفعل يوم الأحد، هو الهدية الحقيقية.
آه، هل أشتري له زوجًا جديدًا من الأحذية؟
سيكون من الرائع تدريبه على المشي بالحذاء داخل المنزل طوال الشتاء.
وعندها سنستطيع السير معاً في الحديقة وهو يرتدي الأحذية بحلول الربيع.
وفي الربيع، سأشتري له أيضا حذاءً رياضياً يدمج بين الأزرق السماوي والأبيض.
ودون أن أشعر، وجدت نفسي أردد لحناً عند التفكير في التسوق.
أخذت الجهاز اللوحي ودخلتُ غرفة الألعاب لأجلس وأستدعي ليني.
"ليني، هل نختار هدية عيد ميلاد لوكا مع بابا؟"
"واااو، نعم!"
اقترب ليني وجلس إلى جواري، فجاء لوكا يزحف بنشاط ليجلس معنا هو الآخر.
لكنه سرعان ما انصرف نحو حوض الكرات و الزحليقه لعدم اهتمامه بشاشة الجهاز اللوحي.
وعند رؤية ذلك، همس ليني في أذني
"هذا مريح، نستطيع جعل الأمر سراً عن لوكا."
"نعم، هذا صحيح."
جلستُ مع ليني نتبادل أطراف الحديث ونستعرض المنتجات للتسوق.
وبعد تفحص طويل، استقر رأينا على شراء حذاء يصدر صوتاً مع كل خطوة.
شيء مشابه لما يملكه ليني.
"أي لون تفضل؟"
"ممم……"
وضع ليني ذقنه على كفه الصغيرة وتأمل بعمق.
ثم اختار حذاءً أزرق وآخر أصفر.
"زوجان؟ ألا يكفي زوج واحد؟"
سوف يكبر بسرعة ولن يتمكن من ارتدائها على أي حال.
وحين سألته عن داعي شراء زوجين، هز ليني رأسه بإصرار
"يجب شراء الاثنين! هكذا سيكون المظهر رائعاً."
"آه..."
هذا الصغير يريد إلباس أخيه أحذية غير متطابقة أيضاً!
فتحت عيني عند الفجر.
فجر أوائل الشتاء، وهو أكثر هدوءاً بكثير من الفصول الأخرى.
استدرتُ تحت الأغطية الدافئة لأطمئن على الطفلين النائمين.
بدلاً من النهوض على الفور، تأملت وجه لوكا مرة أخرى.
كان الطفل الغارق في نومه بأنفاس منتظمة قد نمى وكبر بنحو لا يقاس مقارنة باليوم الأول الذي التقينا فيه قبل عام.
ورغم أنه لا يزال صغيراً جداً……
بيدين صغيرتين، وقدمين صغيرتين، ولم يكن هناك ما يبدو كبيراً فيه سوى عينيه الصافيتين.
"……."
مررت إصبعي برفق على خده الناعم.
وحين لامستُ يده الصغيرة المغلقة قليلاً، قبض عليها بقوة رغم استغراقه في النوم.
وانتقلت حرارته الدافئة من أطراف أصابعي لتستقر في أعماق قلبي. حتى شعرتُ برغبة في البكاء.
لم أكن أستسلم للدموع سابقاً، ولكن منذ أن جاء لوكا وليني إليّ، أصبحت الدموع تملأ عينيّ في كثير من الأحيان.
ناديتُ باسمه بصوت خافت.
"لوكا"
الطفل الذي ربيته وحملته بين ذراعيّ منذ كان رضيعاً.
الطفل الذي أشرق كشعاع شمس اخترق سمائي الملبدة بالغيوم.
"طفلي العزيز، لقد بذلتَ جهداً رائعاً طوال هذا العام."
في نموك الدؤوب.
وفي حبك لوالدك رغم تقصيره.
شكراً لأنك تبادلني النظر وتبتسم، وشكراً لأنك تهز رأسك تعبيراً عن رفضك.
وشكراً لأنك تتجاوز توقعاتي دائماً.
شكراً جزيلاً لأنك وُلدت.
أعددتُ كعكة عيد الميلاد من التوت الأزرق وبحلاوة خفيفة حتى يتمكن الأطفال من تناولها كما يحلو لهم.
واستعرضتُ مهاراتي لأصنعها صغيرة ولكن من طبقتين، مع زينة حافلة بالنجوم الذهبية والكرات الدائرية.
وشعرت بالفخر وأنا أتأمل الكعكة الصغيرة الفاخرة التي كنت أعدّها منذ الأمس وانتهيت منها عند الفجر.
وبالنظر إلى هذا، فإنني نموْتُ وتطورت كثيراً أنا أيضاً طوال العام الماضي أثناء نمو لوكا.
وصحيح أن مهارة إعداد الكعك تعود لتطبيق "مانيتو"، إلا أنني من وضع التصميم والوصفة في النهاية.
ولابد لي من تحقيق هذا المستوى تحت إشراف أفضل معلم في هذا العالم.
عندما رأيت أشعة الشمس الصباحية وهي تتسلل عبر الشرفة، فكرت أنه قد حان الوقت لإيقاظ الأطفال.
"ليني، لوكا. هل نستيقظ الآن؟"
مددتُ ذراعيّ إلى الجانبين ومررتُ بلمسات خفيفة على خدودهما لإيقاظهم.
ولحسن الحظ، كان اليوم هو الأربعاء، مما يعني عدم الحاجة للاستعجال مبكراً للذهاب إلى روضة ليني.
"ممم، بابا…… دعني أنام قليلاً بعد……"
أمسك ليني بيدي وغطى بها وجهه.
لحظة، هل تخطط للنوم هكذا؟
لا أدري إن كان يفعل ذلك لسطوع الضوء أم لدفء يدي.
على أي حال، يتمتع ليني بتفكير فريد من نوعه.
كتمتُ ضحكة كادت تفلت مني وهمستُ في أذنه
"ولكن اليوم هو يوم ميلاد لوكا. وليني وعد بتقديم هدية لوكا…… هل ستستمر في النوم هكذا؟"
"……."
ومن خلال حركة رموشه التي شعرت بها تحت راحة يدي، علمتُ أنه قد فتح عينيه على اتساعهما.
أزاح ليني يدي بسرعة وقفز واقفا
"آه، هذا صحيح!"
وهذه المرة لم أتمالك نفسي وانفجرتُ ضاحكاً.
ثم ربتّ على رأس ليني الذي أخذ يتفحص جواره على عجل، وتحديداً لوكا
"لا بأس، لوكا لا يزال في عالم الأحلام."
أطلق ليني زفيراً مبالغاً فيه وانهار للأمام.
كيف يمكن لجسد أن ينثني إلى النصف بهذه السهولة!
كما هو متوقع، لا يزال عمر الأربع سنوات يتمتع بمرونة عالية.
وبما أن ليني استيقظ أولاً، فقد أخذته إلى الحمام أولاً لمساعدته في غسل وجهه وتنظيف أسنانه، وساعدته أيضاً في الاستعداد.
وأوليتُ عناية فائقة في اختيار ملابسه وزينته حتى لا يشعر بأنه مُستبعد ويعتقد أن والده كان يهتم بلوكا فقط اليوم.
"كيف يمكن أن يكون صغيري ليني جميلاً إلى هذا الحد؟"
وامتدحتُه وأنا أُمشط شعره، فابتسم ابتسامة عريضة.
لكنه سرعان ما عقد ذراعيه بملامح جادة
"بابا، أنا لستُ جميلاً بل أنا وسيم ورائع."
أجل، لا أظن ذلك بعد.
كان ليني يتمتع بجمال رقيق، لدرجة أنه يمكن الخلط بينه وبين فتاة إذا ارتدى شعراً مستعاراً طويلاً.
وفي الواقع، كان قصر قامته ونموه البطئ مقارنة بنمو لوكا المتسارع يثير قلقي قليلاً.
في الحقيقة، لم يكن ليني طويل القامة منذ اليوم الذي رأيته فيه لأول مرة.
ولكنني أدركتُ ما سيحدث لو صرحتُ بهذا، فسارعتُ لتغيير الموضوع
"ولكن يا ليني، ألا توجد رياضة ترغب في ممارستها؟"
"رياضة؟"
"أجل، رياضة. مثل كرة السلة أو السباحة، أو شيء من هذا القبيل..."
واستعرضتُ الرياضات النافعة لزيادة الطول، ففكر ليني للحظة ثم هز رأسه.
"لا!"
"حسنا، فهمت..."
قررتُ تأجيل التفكير في طول قامته إلى وقت لاحق، والتفتُ لإيقاظ لوكا الذي لا يزال يستغرق في نوم عميق.
"لوكا، هيا نستيقظ."
"……."
"بابا، أعتقد أن لوكا استيقظ، لكنه لا يريد أن يفتح عينيه."
"أجل، هل يعتقد ليني ذلك أيضاً؟"
"أجل. يبدو أن لوكا يريد النوم أكثر."
عقد ليني ذراعيه بنظرة تفكير وتأمل نحو لوكا، ثم تحدث كما لو أنه لم يكن هناك شيء يمكنه فعله حقاً.
"أظن أنه لا مفر من ذلك. هل نأكل أنا وبابا الحلوى بمفردنا؟"
وفتح لوكا عينيه فوراً على وسعهما.