بدا أنني تحدثتُ بشغف وحماس شديد لمجرد أن الموضوع يتصل بمهاراتي واهتماماتي.
وعندما أنهيتُ كلامي، شعرتُ بالخجل قليلاً لأنني بدوت متحمسًا بعض الشيء.
وبينما كان أوليفير يستعد لتصوير مقطع التقويم التالي، أعدتُ زجاجات الحبر الخمس والعشرين إلى أماكنها واحدة تلو الأخرى ببطء كي أهدئ من روعي.
وكان التقويم الذي تلا تقويم الأحبار يخص علامة تجارية لمستحضرات التجميل للرجال.
على الرغم من أنها مستحضرات تجميل للرجال، إلا أنني لم أبدأ بالحرص على وضع المنتجات على بشرتي إلا مؤخراً.
وبما أنها منطقة أجهلها كحال مستحضرات التجميل النسائية، فقد اكتفيتُ بإبداء ردود فعل هادئة.
غير أنه في حالة هذا التقويم، فقد بدا جيدًا حقًا، لذا لم يكن تقييمه أمراً صعباً
"بدايةً، يمكننا منح هذا التقويم نقاطاً إضافية لأن المنتجات ليست بحجم العينات المجانية بل بأحجامها الكاملة الأصلية، كما لا يوجد تكرار فيها. ولكن الآن بعد أن فكرت في الأمر، لا أفهم حقاً لماذا يجب أن أمنحه درجة عالية لمجرد استيفائه الشروط البديهية التي يُفترض توافرها……"
"سيد جون، ألا يقال لك كثيراً إنك شخص بارد الطباع وجادٌّ بعض الشيء؟"
سأل أوليفير بملامح يبدو وكأنه يحاول كتم ضحكته، لكنني أجبتُه بنبرة هادئة غير مبالية
"لو كان الناس يظنون أنني بارد الطباع وجاد، لما تجرؤوا على قول ذلك في وجهي مباشرة، أليس كذلك؟"
"لا لا، لقد كانت مجرد دعابة من جهتي! ولكن ردك هذا يرسخ الفكرة ويجعلها تبدو حقيقة!"
انتهت مراجعة تقويم المجيء.
وأخذنا استراحة قصيرة قبل البدء في تصوير مقطع فتح الهدايا للمنتجات التي حصلنا على رعايتها.
"طفلي لوكا، هل جلست جيداً دون أن تتذمر؟"
"هاه."
رفعتُه من الكرسي العالي بين ذراعيّ وقبلتُه، فحرّك لوكا ذراعيه وساقيه بسعادة وابتسم.
ثم توجهتُ إلى الحمام لأتفقد حفاضته.
"وااو. الحمام واسع للغاية."
وعند رؤية حمام بحجم غرفة صغيرة في منزل عادي، أدركتُ مجدداً أن البيوت الكبيرة مريحة وممتازة حقاً.
وفوق ذلك، كان ديكوره الداخلي مناسباً للتصوير، لذا بدا المكان أفضل بكثير.
"رأيتُ المطبخ قبل قليل وكان واسعاً جداً هو الآخر. ما رأيك يا لوكا، هل ننتقل إلى منزل كبير كهذا يوماً ما؟"
"هاه."
غيرتُ حفاضة الطفل المبتسم، وتأكدتُ من عدم وجود ما يضايقه، ثم عدت إلى غرفة المعيشة.
كان الجميع بما في ذلك كاساندرا وشيرلي وماكس يجتمعون حول شجرة الميلاد يتناولون وجبات خفيفة والقهوة التي أعدها فريق أوليفير.
اقتربتُ من المجموعة التي تتبادل الأحاديث الودية.
ولحسن الحظ، كانت بين الوجبات الخفيفة المجهزة وجبات مخصصة للأطفال الصغار أيضاً.
"هذه منتجات شركة تمنحنا إعلاناتها بانتظام منذ أن كان أطفالي صغاراً كلما طرحوا منتجاً جديداً. ورغم أنها تخلو تقريباً من المواد المضافة، إلا أنها شهية للغاية لدرجة أنني أسرق منها لأكلها أحياناً."
وبينما كنت أأخذ الحلوى بامتنان، ابتلعت شيرلي الكعكة التي كانت تحملها وأضافت تعليقاً.
"ليس أحياناً، بل تتناولها كل يوم! كل يوم! وفي كل مرة!"
"هاها..."
وانتشرت ضحكة خفيفة بين الحضور عند سماع ضحكة أوليفر المحرجة.
وضعتُ في يد لوكا قطعة حلوى تظهر مسطحة وصلبة، لكنها في الواقع هشّة ولينة.
تفحص لوكا الحلوى التي يراها للمرة الأولى للحظة، ثم وضعها في فمه بجرأة.
وبعد أن ذاق طعمها، أخرجها مجدداً ليتأملها.
"يبدو أن الطفل في مزاج جيد."
قال ماكس الذي كان يتمدد على حجر أوليفير ويشير نحو لوكا متحدثاً باهتمام شديد رغم أنه ما زال حذرا منه.
"أنت محق. يبدو أن الحلوى قد راقت له."
"……هل أعطيه من حصتي أيضاً؟"
يا له من أمر لطيف، رغم أن الانطباع الأول لم يكن جيداً، إلا أن ماكس بدا راغباً في التقرب من لوكا والمصادقة معه.
جلستُ بجواره وأجبتُه نيابة عن أوليفير
"لا، قطعة واحدة تكفي لوكا. ولكن شكراً لك على اهتمامك ولطفك."
"……حسناً."
أجاب ماكس بخجل خفيف، ثم واصل أكل الحلوى التي بين يديه بجد.
أما شيرلي وماكس، فبدءا أكثر هدوءاً بعد أن أفرغا طاقتهما المفرطة أثناء اللعب بالألعاب في الطابق الثاني.
وبعد تناول الوجبة الخفيفة، عاد الطفلان للجلوس تحت الشجرة واللعب بألعابهما.
وشعرتُ وكأننا أصبحنا أكثر قرباً مما كنا عليه عند اللقاء الأول.
فشرحتُ لهما أن الصوت العالي والحركات الفجائية قد تفزع لوكا وتخيفه.
وكما هو متوقع، لم يكونوا أطفالاً سيئين، فقد استوعبا الأمر والتزما بالنصيحة فوراً. مع ذلك، قالت شيرلي، التي كانت لا تزال مشاكسة بعض الشيء، شيئاً ما.
"أنت تشبه معلمنا تماماً يا عم!"
"حقاً؟"
"أجل! تشبه معلم الرياضيات الأقل متعة في مدرستنا! المعلم 'كاي' الذي يقطب جبهته هكذا دائماً بملامح جادة!"
وعقدت شيرلي جبهتها بيديها مشكلة ملامح مضحكة ومبالغ فيها.
"……."
أدركتُ أن هذا ليس مديحاً على الإطلاق.
وعندما ارتسمت على وجهي ملامح الارتباك والاستياء الخفيف، أطلقت شيرلي ضحكة عالية.
كيف يمكن أن يكون كل شيء ممتعاً للغاية في هذا العمر؟ ماذا سأفعل إذا أصبح ليني هكذا فيما بعد؟
على أية حال، وأمام الأطفال الذين يلعبون بود ومرح، استرخى الكبار أخيراً على الأريكة يرتشفون القهوة والشاي.
"استئجار منزل كامل لاستخدامه كاستوديو تصوير فكرة ممتازة حقاً. إنه أمر مريح للغاية حتى وأنت في مكان العمل."
"من الأفضل فصل المنزل عن مكان العمل على أية حال. لذا لم أعد أفتح الكاميرا في المنزل إطلاقاً. ومع زيادة أنشطة الأطفال الخارجية، فأنا قلق بعض الشيء بشأن انكشاف عنوان منزلنا….."
قدم أوليفير بصفته صانع محتوى خبيراً على اليوتيوب وأباً أكبر يربي طفلين العديد من النصائح القيّمة التي تستحق الاستماع.
وكانت نصائح مفيدة في مجالات مختلفة عن تلك التي تقدمها فانيسا.
ولم أرى فيه ذلك التنافس أو الرغبة في إظهار قوته أمام وافد جديد كما كانت تخشى كاساندرا.
كان أوليفير مجرد أب يسعى ويعمل باجتهاد في حياته.
بالطبع، لا ندري إن كان سيجري مونتاجاً خبيثاً لهذا الفيديو لاحقاً، لكنني لم أكن قلقاً لأننا اتفقنا على معاينة النسخة النهائية أولاً على أية حال.
لذا أعربتُ له عن امتناني الصادق لدعوتي للمشاركة في هذا البث
"لا أعرف الكثير من صناع المحتوى على يوتيوب حتى الآن، لذا أشكرك على تواصلك معي أولاً"
"على الرحب والسعة. بل أنا من يسعد بالعمل مع الوافدين الجدد أصحاب الشعبية."
واعترف أوليفير بصراحة أنه يعاني من نقص دائم في الأفكار والمحتوى طوال سنوات عمله على اليوتيوب
"لذا أبحث دائماً عن فرص للتعاون مع صناع محتوى آخرين أو البحث عن أفكار وفعاليات ومنتجات جديدة ومبتكرة."
وأضاف أنه عرف بوجودي من خلال التعليقات التي تُترك على مقاطعه، وما إن رأى المقطع الذي جمعني بـ فانيسا حتى سارع بالتواصل معي
"لأنني التقيتُ بـ فانيسا مصادفة سابقاً، وكنتُ أعلم أنها مؤثرة تقيم في هذه الأنحاء."
"فهمت."
أعتقد أن هذا الرجل يعمل باجتهاد شديد حقاً.
ويبدو أنه حتى بعد الوصول إلى 800 ألف مشترك، لا يزال علينا التخطيط والابتكار باستمرار.
انشغلت بالتفكير للحظة حول كيفية إعداد مقاطع فيديو ممتعة ودون استهلاك الصورة الشخصية بسرعة مفرطة.
في تلك اللحظة، تحدث أوليفير بنبرة يملؤها الغبطة.
"فيما يتعلق بالتخطيط للمحتوى، أظنك في غاية الراحة لأنك تمتلك الكثير من المهارات التي تجيدها يا سيد جون. أنا أغبطك حقاً."
"آه... نعم، شكراً لك."
في الحقيقة، لم أستطع القول إن هذه المهارات ليست من صنعي بالكامل بل بفضل تطبيق "مانيتو".
لذا اكتفيتُ بالقول إنني أبذل قصارى جهدي، ثم عدتُ بالحديث نحو أوليفير مجدداً
"عند رؤيتي للمقاطع القديمة للسيد أوليفير، بدا لي أنك كنت تعمل كنجار. هل توقفتَ عن أعمال النجارة والمهن الخشبية تماماً الآن؟"
"آه، أجل. أركز الآن على مقاطع الأطفال والإعلانات. وبالحديث عن ذلك، لاحظتُ أن السيد جون يجيد أعمال النجارة أيضاً. رغم أنها ليست تخصصك الرئيسي، إلا أنك متعدد المهارات حقاً."
وبما أن نبرة أوليفير حملت لمحة من خيبة الأمل والأسف، لم أستطع منع نفسي من السؤال
"هل هناك سبب لتوقفك عن أعمال النجارة؟ لا تبدو وكأنها مجرد مهنة تكسب منها رزقك بل تبدو وكأنك تستمتع بها كثيراً."
هز أوليفر كتفيه.
"نفاذ المحتوى أيضاً هو السبب. فإنجاز مشاريع كبيرة وليس مجرد أعمال نجارة بسيطة يتطلب إدارة فريق كامل، وليس من السهل تشكيل فريق يتوافق معي. فضلاً عن أن ذلك يتطلب مالاً ووقتاً ليس بالهينين."
وأضاف أوليفير أن كل ذلك لا يدُرّ مالاً كافياً مقارنة بتلقي المنتجات المدعومة في المنزل وعرضها بسهولة
"في حالتي، وعند حساب الوقت والتكلفة، كانت الكفاءة والأرباح منخفضة للغاية. كما أنني أنجزتُ بالفعل جميع المقاطع الممكنة حول الديكور الداخلي وصناعة الأثاث."
"فهمت."
وبعد الاستماع إلى مشكلته المعقدة، شربتُ القهوة بصمت وفكرتُ بسرعة
ماذا لو اقترحتُ عليه أنا هذه المرة عملاً مشتركاً؟
فللحفاظ على العلاقات والتواصل، يلزم بذل جهد من جانبي أيضاً.
"إذن يا سيد أوليفير…… في الحقيقة، هناك أمر أرغب في إنجازه بعد انقضاء الشتاء وحلول الربيع، فهل ترغب في المشاركة إن كانت لديك رغبة؟"
سألتُه وأنا أتذكر ساحة الكنيسة الخلفية التي لا تحتوي سوى على ترامبولين واحد لدى جينيفر وتوني.
فإذا انضم نجار حقيقي لصناعة منطقة ألعاب للأطفال، فسيكون ذلك عوناً كبيراً لا يُقدر بثمن.
سواء فيما يتعلق بأمور السلامة أو التجهيز، لأنني كنتُ أتوقع أن يكون العمل بمفردي شاقاً للغاية.
وبالطبع كان الكبار في الكنيسة سيقدمون المساعدة، ولكن بما أنهم ليسوا متخصصين، فقد كنت قلقاً من نواحٍ عديدة.
لكنني ظننتُ أننا سنكون قادرين على إنجازها ببراعة إذا عملنا معاً، لكن سيكون الأمر أفضل لو انضم إلينا شخص آخر أيضاً.
إضافة إلى ذلك، لم يكن لدي حتى معدات مناسبة كالمناشير الكهربائية وغيرها.
وهناك فارق شاسع بين طلب أخشاب مقصوصة جاهزة وبين ابتكار الأفكار وتنفيذها في الموقع فوراً.
شرحتُ له كل ذلك بعناية.
لأنه في حال انضمامه، فسيكون هو من يتولى الجانب الأكبر والأهم من المشروع وليس أنا.
ولم يكن من المناسب أن أفرض عليه الأمر أو أضغط عليه.
رفع أوليفير كتفيه ببطء وتألقت عيناه باهتمام بعد الاستماع للشرح.
لكنه، وبدلاً من الموافقة الفورية، أظهر موقفاً متأنياً ورزيناً
"سأتناقش مع فريق التصوير لدينا وأفكر في الأمر بجدية واهتمام."
"حسناً، شكراً لك."
تبادلنا أطراف الحديث لفترة أطول بعد ذلك، ثم واصلنا تصوير المقطع التالي.
وبما أن أوليفير طلب مني تجنب التقييمات الصريحة القاسية عند مراجعة وفتح المنتجات المدعومة، فقد تجنبتُ الحديث عن جودة التصنيع الخاصة بالمنتجات.
وبدلاً من ذلك، ركزتُ على القيمة مقابل السعر بناءً على المعلومات التي جمعتُها بنفسي.
يمكن القول إنني وضعتُ معياراً منطقياً وأجريتُ المراجعة بناءً عليه.
ورغم أنني تساءلتُ بيني وبين نفسي عما إذا كانت هذه هي الطريقة الصحيحة للمراجعة، إلا أنه لم يكن أمامي خيار آخر.
ركزتُ على النقاط التي قمت بتحليلها مسبقاً، وبذلتُ قصارى جهدي لتقديم تقييم موضوعي قدر الإمكان.
وإذا لم أكن أمتلك مهارة إظهار ردود فعل حماسية، فسأعمل باجتهاد وبأقصى درجات الصدق والأمانة.
وزاد حرصي واجتهادي عندما فكرتُ في أن هناك من سيشاهد هذا المقطع ليقرر ما إذا كان سيشتري المنتج أم لا.
وبما أن المنتجات التي نراجعها اليوم ليست رخيصة، فقد كان تقديم معلومات دقيقة قدر الإمكان هو الخيار الصائب.
في طريق عودتي بعد الانتهاء من التصوير، أعمل بجد بطريقتي الخاصة.
غطيتُ لوكا المستغرق في النوم بالبطانية، ثم أملتُ مقعدي إلى الخلف قليلاً وجلستُ.
وكالعادة، انتابني شعور بالإرهاق الشديد بعد انتهاء التصوير.
لكن الوضع لم يكن كالبدايات؛ يبدو أنني بدأتُ أعتاد على طبيعة هذا العمل.
وبدت كاساندرا التي رافقتني من البداية حتى النهاية اليوم أيضاً أكثر ارتياحاً.
"كان هناك الكثير مما يستحق التعلم والملاحظة اليوم."
"وأنا كذلك. ظننتُ أنني أعرف جون جيداً…… لكنني أشعر الآن أنه يتوجب عليّ تجربة المنتجات المدعومة بنفسي أولاً مستقبلاً أو انتقاؤها بحذر شديد قبل قبولها."
"هل كنتُ بارداً وقاسياً في حديثي إلى هذا الحد؟"
ترددت كاساندرا وتحركت شفتاها وكأن لديها الكثير لتقوله، ثم أطلقت زفيراً ممتزجاً بالضحك كبالون يتسرب منه الهواء
"ليس الأمر كذلك. كل مافي الأمر انه كان مختلفًا قليلًا عما تخيلته.…… لا، في الحقيقة جون كان هكذا منذ البداية، بل أظن أنني أنا التي تغيرت. ربما لأن جون لا يظهر في المكتب إلا بجانبه الدافئ واللطيف دائماً."
أومأت كاساندرا برأسها قليلاً وكأنها رتبت أفكارها، ثم أضافت
"ولكن على أية حال، كان تصوير اليوم جيدًا بالفعل. ففي نهاية المطاف، من الأفضل أن يكون لكل شخص طابعه الواضح."