"إذن، أتمنى للجميع عيد ميلاد سعيداً، ونلتقي يوم الجمعة! عيد ميلاد سعيد!"
قبل أن أعود إلى المنزل، مررتُ على شقة روز وليلي لتبادل التهاني والهدايا، ثم عدتُ إلى المنزل.
أنزلتُ الطفلين من العربة، واستلقيتُ على الأريكة لآخذ قسطاً من الراحة.
شعرتُ وكأنني أنجزتُ مهمة كبيرة كان عليّ القيام بها.
أثناء استرخائي، جاء ليني ليطرح عليّ سؤالاً، وكان يقفز في مكانه بخفة من شدة الفرح.
"بابا، لماذا خرجت من العمل مبكراً اليوم؟ وهل يوم الجمعة هو غداً؟"
يبدو أنه ظن أن كلام كاساندرا عن اللقاء يوم الجمعة يعني يوم غد.
ابتسمتُ بخفة ومددتُ يدي، فجاء ليني بسرعة وألقى نفسه في أحضاني.
وعندما رأى لوكا ذلك، تردد للحظة، ثم جاء يزحف كأنه مرغم ووقف ممسكاً بساقي.
ما الأمر؟ لماذا يتردد هكذا؟
لا أعرف ما إذا كان عليّ أن أرتاح لأن غيرته من أخيه قد خفت، أم أقلق لأن محبته لي قد قلت.
على أي حال، احتضنتُ لوكا هو الآخر، وأخذتُ أمسح على ظهريهما الصغيرين وأنا أشرح لهما بهدوء
"اليوم هو الاثنين، لذا فغداً الثلاثاء. وبما أن غداً هو عشية عيد الميلاد، فالشركة في عطلة، ويوم عيد الميلاد نفسه عطلة، واليوم الذي يليه عطلة أيضاً."
في الواقع، كان بإمكان غريغ وكاساندرا أخذ إجازة أطول مثل معظم الموظفين الآخرين، لكنهما لم يفعلا ذلك.
كان ذلك لسبب وجيه، وهو أنهما لم يرغبا في الابتعاد عن الشركة لفترة طويلة طالما أنها لم تستقر بعد.
تأمل ليني كلامي بتمهل، ثم لمعت عيناه كأنه فهم الأمر
"إذن فالكبار لديهم عطلة أيضاً!"
"هذا صحيح. كما هو متوقع، ابني ذكي كالعادة."
في اليوم التالي.
قضينا اليوم بأكمله في المنزل بدلاً من الخروج، فلم يكن هناك شيء مختلف عن بقية الأيام لمجرد أنها عشية عيد الميلاد.
وبعد أن قضينا يوماً هادئاً وممتعاً وأنهينا الاستعداد للنوم، تسلل الطفلان إلى داخل الخيمة كأن هذا أمر طبيعي.
"……."
من الجيد أنهما يحبان خيمة شجرة عيد الميلاد، لكنني بدأت أشعر بخيبة أمل بعض الشيء.
"هل يدخل بابا معكم؟"
سألتُهما وأنا أدخل رأسي فقط من فتحة الخيمة، فظهرت على وجه ليني علامات الحيرة
"لكن بابا كبير جداً……"
"أجل، هذا صحيح مع الأسف."
ونظرتُ إلى لوكا بأمل خائب، لعل طفلي الثاني يشعر بالشوق لي.
لكن لوكا كان مشغولاً بلعبته الجديدة ولم يكلف نفسه حتى عناء النظر إليّ.
ولكي لا أكون أباً متشبثاً، تظاهرتُ بالبرود وسحبتُ رأسي من الخيمة.
إن كان هذا حالهم الآن، فماذا سيفعلون حين يصلون إلى سن المراهقة؟ هل سيتجاهلونني تماماً؟
وبعيداً عن شعوري بخيبة أمل طفيفة، كان هناك شيء عليّ الاهتمام به.
أحصيت في رأسي عدد الهدايا التي سأضعها أمام الخيمة أثناء نومهما، والعدد الموجود حالياً تحت الشجرة.
في تلك اللحظة، أخرج ليني جسمه من الخيمة فجأة وكأنه تذكر شيئاً، وناداني بنبرة مستعجلة
"بابا، هناك مشكلة كبيرة!"
"ماذا؟ ما الأمر؟"
تأثرتُ بنبرته وسألتُه بعجلة.
"لقد قلتَ إن اليوم هو عشية عيد الميلاد! وهو اليوم الذي يأتي فيه بابا نويل!"
"نعم، هذا صحيح."
"لكن منزلنا ليس فيه مدخنة ليدخل منها بابا نويل! ماذا سنفعل؟"
تنفستُ الصعداء بعد كلامه. ظننتُ أن هناك أمراً خطيراً بالفعل.
"لا بأس، عندما يأتي بابا نويل، سيفتح له بابا باب المنزل."
فتح ليني عينيه واسعتين بذهول
"هل يصعد بابا نويل في المصعد؟"
"أجل، المنازل التي لا تملك مدخنة يفعل معها ذلك."
تمتم ليني بـ "فهمت" بملامح تبدو وكأن خياله قد تحطم قليلاً.
كان منظره لطيفاً جداً لدرجة أن خيبة أملي الطفيفة قد تلاشت، ولم أستطع إلا أن أضحك.
ربتّ على رأس الطفل الذي كان ما يزال ينظر إلى الأرض ويفكر بجدية
"ولكن لكتمان السر، لا يأتي بابا نويل إذا كان الأطفال مستيقظين، لذا عليك أن تنام فوراً يا ليني."
"آه، صحيح. أجل!"
أشرقت عينا ليني من جديد. ودخل إلى الخيمة مجدداً.
ثم استلقى مباشرة وأخذ ينظر إلى السقف الذي تنعكس عليه الأضواء المتلألئة.
ولأنني أردتُ أن ينام الطفلان بسرعة، جلستُ على الأريكة وأخذتُ أعزف على الجيتار بهدوء.
بعد المعزوفة الأولى، سمعتُ ضحكاتهم الخفيفة، وبعد الثانية، سمعتُ صوت ليني النعسان.
وعندما انتهت المعزوفة الثالثة، ساد الهدوء، فنظرتُ إلى الداخل ببطء.
كان الطفلان قد غرقا في نوم عميق وهادئ.
كانا يبدوان كالملاكين أثناء نومهما.
التقطتُ صوراً لهما، ثم أحضرتُ الهدايا من الخزانة.
وضعتُ الهدايا أمام الخيمة وأنهيتُ يومي أنا أيضاً.
أشرقت شمس صباح عيد الميلاد.
في الحقيقة، لستُ طفلاً، لذا لم يكن صباح عيد الميلاد مختلفاً كثيراً عن المعتاد.
استيقظتُ في وقتي المعتاد وأنهيتُ تمارين الصباح الخفيفة.
ثم استحممتُ وجلستُ على الأريكة براحة لأستمتع بفنجان قهوة.
"……."
أجل، لم يكن هناك شيء مختلف.
لكن رؤية الطفلين ينامان داخل خيمة شجرة عيد الميلاد المتلألئة، جعلت قلبي يفيض بالدفء.
"هذا جميل."
تمتمتُ دون أن أشعر، وفي تلك اللحظة استيقظ ليني وخرج من الخيمة بشعر أشعث.
ورغم أنه لم يستيقظ تماماً بعد، إلا أنه ابتسم ابتسامة مشرقة فور رؤيتي.
"بابا، عيد ميلاد سعيد!"
"عيد ميلاد سعيد لك أيضاً يا بني."
خشية أن يشعر بالبرد، أخذتُ بطانية ونهضتُ.
لففتُه بالبطانية الدافئة وحملتُه بين ذراعي.
"ليني، هل نمت جيداً؟"
"نعم."
تحرك ليني داخل البطانية الدافئة وهو يفرك عينيه.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة وهو ينظر إلى صناديق الهدايا الجديدة الموضوعة أمام الخيمة، بعدد الأيام التي فتح فيها الهدايا مؤخراً.
"هل جاء بابا نويل؟ هل قرع الجرس؟"
"أجل، جاء وذهب. ولكنه لم يقرع الجرس حتى لا يوقظكم، بل طرق الباب بخفة."
"فهمت!"
ورغم تراكم الهدايا الجديدة، لم يكن لدينا وقت طويل لفتحها.
فقد كان علينا الذهاب إلى الكنيسة في وقت مبكر من هذا الصباح.
وبما أن ليني استيقظ، تحركتُ بسرعة.
ساعدتُ ليني في تغيير ملابسه، وألبستُ لوكا معطفاً فوق ملابس النوم.
تحققت مجدداً من الأغراض التي جهزتُها بالأمس في العربة، ثم خرجتُ مع الطفلين.
وكان سبب هذا الاستعجال هو رغبتي في لقاء الكاهن.
فالكاهن هو أكثر شخص مشغول في عيد الميلاد.
واتفقنا على اللقاء لبرهة بين قداس الفجر وقداس الظهر، لذا كان التأخير غير مقبول.
"أهلاً يا أبتِ."
"أوه، أهلاً بك يا جون."
رحب بنا الكاهن بحرارة، واستلم صندوق الهدايا الذي قدمتُه له بسعادة.
ولكن عندما قدمتُ له صندوق صانعة الثلج المزين بشريط كبير، ظهرت على وجهه علامات التررد.
"صانعة ثلج في منتصف الشتاء يا جون؟ تبدو باهظة وممتازة، ولكن……"
لقد عرف قيمتها بسرعة، وهذا يشبهه تماماً.
"احتفظ بها واستخدمها في الصيف. حتى لا تقدم القهوة الساخنة للضيوف في الصيف بعد الآن."
في الواقع، كنا نتبادل الرسائل النصية كلما دعت الحاجة مؤخراً، فلم يكن هناك الكثير لنقوله، وكان هناك الكثير من الزوار غيري، فاكتفيتُ بتقديم الهدايا وغادرتُ المكتب.
توجهتُ فوراً لزيارة الأم الرئيسة.
وكما هو متوقع في مثل هذا اليوم، كانت الأم محاطة بالناس.
سلمتُ عليها بإيماءة هادئة وقدمتُ الهدية، ثم اتجهتُ نحو دار الرعاية حيث يوجد جينيفير وتوني.
"ليني!"
فور فتح الباب، ركض الأطفال وهم يرتدون زي الملائكة ونادوا ليني.
وعندما دققتُ النظر، وجدتُ أجنحة صغيرة مثبتة على ملابسهم البيضاء.
يا لجمالهم!
"لماذا تأخرت؟ نحن بحاجة إلى التدرب على الغناء!"
"لقد تدربتُ كثيراً فلا بأس! ولكن أين زِيّ الملائكة الخاص بي؟"
تلعثم ليني من العجلة، فاعتنى به توني
"تعال معي! لنذهب إلى الراهبة ماريسا!"
وقبل أن أتمكن من القول إن هناك وقتاً ولا داعي للعجلة، ركض ليني مع توني بعيداً.
سلمت جينيفر على لوكا، ثم توجهت إلى أليسيا التي كانت تجلس على الأريكة، وأمسكت بيدها، وجلست بجانبها.
"……."
ناديت جينيفر التي كانت تبدو خائرة القوى قليلاً وقدمتُ لها الهدية
"لقد أعددتُ لكِ هدية يا جينيفر، هل تقبلينها؟"
"وااو، شكراً جزيلاً لك."
استلمت الفتاة الصغيرة الهدية بسعادة، لكن ملامحها سرعان ما انطفأت. كانت تتردد بين الفرح والحزن.
في الحقيقة، لم أكن بحاجة للسؤال لأعرف السبب.
ففي أفضل الأيام، يتذكر المرء أكثر الناس قرباً إلى قلبه.
ولكن والدتها لم تأتِ لرؤيتها حتى في عيد الميلاد، ولهذا كانت تشعر بذلك.
"وااو! حمالة مفاتيح للأميرة ذات القلب الوردي!"
ولكن الطفل يظل طفلاً في النهاية.
لم تستطع إغفال الإكسسوار المتلألئ الذي ظهر أمام عينيها.
وبدلاً من تقديم كلمات المواساة أو إظهار الشفقة، استجبت بحماس لصيحة الطفلة المبهجة.
وقدمتُ الهدية لتوني أيضاً الذي عاد إلى غرفة المعيشة قبل ليني.
كان توني سعيداً حقاً.
إذا كان عدم الشعور بخيبة الأمل نابعاً من عدم توقع أي شيء منذ البداية، فلا يمكنني القول إنه كان سعيدًا تمامًا، ولكن…
في كلتا الحالتين، كان قلبه يتألم، لذلك حاولت أن أركز على لحظات الفرح.
ينما كنتُ أفتح الهدايا مع الأطفال واحدة تلو الأخرى، ركض ليني نحونا وكأنه ملاك صغير هبط من السماء.
واستدار ليني أمامي وأليسيا بنظرة فخر على وجهه.
"أنا ملاك اليوم! ولدي أجنحة على ظهري أيضاً."
عندما رأيتُ الأجنحة القطنية اللطيفة، عرفتُ كم بذلت الراهبات من جهد.
وأمام هذا المنظر، لم أتمكن من منع نفسي من التقاط صورة للأطفال الثلاثة وهم يرتدون زي الملائكة.
عندما كنتُ صغيراً، كنتُ أكره التقاط الكبار لصوري، والآن أجد نفسي أفعل الشيء نفسه.
لحسن الحظ، لم يمانع الأطفال.
بل وقفوا يلتقطون الصور وهم يشيرون بعلامة النصر أو يصنعون حركات مضحكة. هل هذه هي الفجوة بين الجيلين؟
على أي حال، على عكس ما كنت عليه عندما كنت صغيراً، شعرت ببعض الارتياح عندما رأيت أن هؤلاء الأطفال ينشؤون معاً كالإخوة.
ورغم أن النظر إلى أليسيا وهي تتابع كل هذا لم يكن مريحاً تماماً……
إلا أن الراهبات الشابات اللاتي يدرن الأمور في دار الرعاية كن لطيفات مع الأطفال، وكانت علاقة أليسيا بتوني وجينيفر جيدة على ما يبدو.
مشيتُ خلف ليني وجينيفر اللذين كانا يمسكان بيدي أليسيا، وتوني الذي كان يمسك بيد الراهبة ماريسا.
حتى وإن كان عليهم مغادرة هذا المكان عندما يكبرون، آمل أن تكون لديهم القوة الكافية حتى ذلك الحين.
دعوتُ لهم من أعماق قلبي.
انتهى قداس الظهر.
نظر إليّ ليني وهو يعقد ذراعيه بضيق
"بابا، لم تنم عندما كنتُ أغني، أليس كذلك؟"
"بالتأكيد لا. لقد صورتُ غناءك بالكامل بالكاميرا. بابا نام فقط عندما كان الكاهن يتكلم."
قدمت عذراً واهياً لليني، قائلاً أن كلام الكاهن فيه سحر يبعث على النوم بالتأكيد.
" يا إلهي."
فك ليني ذراعيه المعقودتين واحتضنني وكأنه يتغاضى عن الأمر.
ابتسمتُ بحرج واحتضنتُه بقوة، ثم دخلتُ مع الأطفال إلى دار الرعاية.
وضعتُ العربة في غرفة المعيشة، وحملتُ الطفلين وجلستُ أمام المدفأة لأدفئ أجسادنا.
ولوكا، الذي نام جيداً طوال وقت القداس معي، تمدد ببطء وأخذ ينظر إلى الخشب المشتعل بعينيه اللامعتين اليقظتين.
وبما أننا كنا أول من عاد، فقد وصل جينيفير وتوني وأليسيا والراهبات تباعاً وجلسنا جميعاً في غرفة المعيشة.
"هل ينبغي لأطفالنا شرب بعض الحليب الدافئ؟"
"نعم!"
عند نداء الأخت ماريسا، سارع الأطفال الثلاثة خلفها إلى المطبخ.
ولم يبقَ في غرفة المعيشة سوى الراهبة غريتا وأليسيا وأنا ولوكا.
"……."
"……."
ساد صمت محرج للحظة، حتى عطس لوكا "أتشو!". فاتجهت أنظار الجميع نحوه.
"لوكا، هل تشعر بالبرد؟ هيا، افعل هكذا!"
ورغم أن لوكا لم يستطع الشم بعد، إلا أنه لم يكن يبدو عليه البرد أو أعراض الزكام.
مسحتُ وجه لوكا ورفعتُ رأسي، فرأيتُ أليسيا تنظر إلى لوكا.
"……."
طوال الفترة الماضية، تعمدتُ عدم إعطاء لوكا لأليسيا لتحمله.
فبالنسبة للوكا، كانت أليسيا امرأة غريبة وليست أمه، وبالنسبة لأليسيا، كان لوكا طفلاً يذكرها بأوقات مؤلمة.
لكن أليسيا الآن، سواء كان ذلك بسبب تأثير الدواء أم بسبب تحسن حالتها، لم تكن تبدو وكأنها ستجهش بالبكاء أو تصاب بنوبة عند رؤية لوكا.
والراهبة غريتا، التي تعرف حالتها أكثر من أي شخص آخر، لم تحاول منع الأمر.
عدلتُ جلستي وحملتُ لوكا بحذر، ونقلتُ مكاني لأجلس بجانب أليسيا.
ثم وضعتُ لوكا بيننا.
كانت نظرات لوكا ما تزال معلقة على الخشب المشتعل في المدفأة.
لكن أليسيا اكتفت بذلك، وأخذت تنظر إلى الطفل الذي أنجبته بعينين مليئتين بالدفء.
و يبدو أن هذا كل ما في الأمر بالنسبة لهذا اليوم.
لم تمد أليسيا يدها لتمسح على شعر لوكا.
ولكنها لم تظهر ملامح ألم بجانبه أيضاً، ولم يبتعد لوكا عنها ليحتمي بي وكأنه يخاف غريبة.
"……."
ورغم عدم وجود حديث بيننا، إلا أن الجو كان مفعماً بالدفء بدلاً من الصمت الثقيل.
أجل، أليس هذا كافياً لهذا اليوم؟
ومع مرور الوقت، قد يأتي يوم ننظر فيه إلى بعضنا براحة، ونتحدث ونبتسم.
رفعتُ دعاءً متأخراً لم أتمكن من أدائه أثناء القداس.