الأطفال الذين ذهبوا خلف الراهبة ماريسا لشرب الحليب الدافئ عادوا يتبعونها مجدداً مثل الفراخ الصغيرة.

تساءلت لماذا كان الأطفال متحمسين للغاية لمتابعة الراهبة لمجرد الحصول على كوب من الحليب.

واتضح لي أن شرب الحليب يعني بالنسبة لهم بدء وقت تناول الوجبة الخفيفة.

"شكراً على الطعام! سنأكل الآن!"

هل يمكن أن تكون هذه استراتيجية ذكية لتعليمهم أن "من يصلي القداس بانتظام يحصل على الحلوى"، حتى لا يملوا من القداس؟

كان أسلوب التربية هنا مختلفاً تماماً عن أسلوب الراهبات الصارمات اللاتي أذكرهن من صغري.

ربما يتوجب القول إنه أكثر احترافية، ولعل السبب يرجع لسهولة البحث عن معلومات التربية عبر الإنترنت هذه الأيام.

على أية حال، كان هذا أمراً جيداً.

وبينما كنتُ أنظر بارتياح إلى الأطفال وهم يأكلون الكب كيك المزين بهيئة شجرة عيد الميلاد بمهارة كالسناجب، مد لوكا يده الصغيرة وأمسك ذراعي بشدة.

"مم؟ ماذا هناك يا لوكا؟"

تظاهرتُ بعدم الفهم ونظرتُ إليه بفضول، فرفع لوكا إصبعه بهدوء وأشار إلى إخوته وأخته.

"أجل، إخوتك وأختك يأكلون الكعك."

"...بوا! كاكا!"

عضضتُ على شفتي لأكتم ضحكتي بصعوبة.

فمن المستحيل ألا تضحك وأنت ترى طفلاً يبدو وجهه محروماً ومظلوماً إلى هذا الحد.

ولكن على عكس الكبار ذوي النوايا السيئة، تجاوب الأطفال ذوو النفوس النقية مع ثرثرة لوكا بكل حب.

"يبدو أن لوكا يريد أكل الكعك أيضاً!"

"هل أعطيه من كعكتي؟"

قالت جينيفر ذلك وعيناها المتألقتان تلمعان، بعد أن تبددت الأحزان التي كانت تراودها قبل القداس ، بينما رفع توني كعكته التي أكل منها قضمة ونظر نحو لوكا.

وبالحديث عن ذلك، كان الأطفال ينظرون دائماً إلى لوكا بفرح واستغراب كأنه كائن عجيب يمر عليهم مرة في الأسبوع.

وبدا أنهم أرادوا استغلال فرصة جلوسهم معاً الآن للحديث معه قليلاً.

ومن شدة رغبة لوكا في أكل الكعك، مد يده بسرعة نحو الكعكة التي قدمها له أخوه الذي لم يكن مقربًا منه.

فسارعتُ إلى إيقاف لوكا.

"شكراً لك يا توني، نيتك تكفي. لكن لوكا ما زال صغيراً ولا يمكنه أكل شيء بهذه الحلاوة بعد."

"آه، لا بأس إذن!"

أكل توني قضمة كبيرة أخرى من كعكته، وارتسمت على وجهه تعابير تجمع بين الأسف لأنه لم يستطع الاقتراب من لوكا، والارتياح لأنه لن يضطر لمشاركة كعكته.

"……."

وبينما بقيت يد لوكا معلقة في الهواء، برزت شفتاه إلى الأمام بضيق.

وشعرتُ أن التمادي في المزاح معه لن يكون جيداً، فمددتُ يدي إلى أسفل عربة الأطفال.

"لوكا، سيعطيك بابا وجبة خفيفة."

و كان لوكا يستوعب الكلام جيداً الآن، فلم يبكِ ولم يغضب، بل انتظر بهدوء يراقب ما سأفعله.

فتحتُ علبة البسكويت التي يحبها ووضعتُ قطعة في يده، ثم أجلستُه على حجري.

أسند لوكا رأسه عليّ بهدوء وأخذ يأكل بسكويته وهو ينظر إلى الخشب المشتعل في المدفأة مجدداً.

وبينما كنتُ أجلس وأمسح على ظهر لوكا برفق، سألتني جينيفر

"عمي جون، متى سينام لوكا هنا؟"

"مم؟"

"لماذا لا ينام لوكا هنا؟ ليني لديه غرفة وينام هنا، فلماذا يغادر لوكا دائمًا؟"

"آه..."

هز توني رأسه يميناً ويساراً بجانبها، فهو يستوعب وضعنا بشكل أفضل إلى حد ما.

ولكن لحسن الحظ، لم يوبخ جينيفر أو يقلل من شأن سؤالها.

سارعتُ إلى إيجاد عذر مناسب

"لوكا ما زال طفلاً صغيراً للغاية، وعليه أن ينام معي. ولكن لا يوجد مكان لي لأنام فيه هنا."

"آها..."

أمالت جينيفر رأسها بخيبة أمل خفيفة، ثم رفعت رأسها فجأة

"إذن عندما يكبر لوكا قليلاً، يمكنه أن يأتي وينام هنا."

"أجل، سنفعل ذلك حينها."

بعد أن قلت ذلك، شعرتُ أن هذا قد يحدث بالفعل في المستقبل.

قد يقضي الشقيقان عطلة نهاية الأسبوع في الكنيسة، ويعودان إلى المنزل خلال أيام الأسبوع للذهاب إلى المدرسة……

ورغم أنني سأشعر بقليل من الشوق والحزن إن حدث ذلك، إلا أن فكرة إنجاز الأعمال المتراكمة في عطلة نهاية الأسبوع راودتني في الوقت نفسه.

ألم تقل كاساندرا من قبل أنها شعرت بالسعادة عندما ذهب طفلها إلى الروضة؟

ربما سأكون سعيدًا أيضاً بحصولي على وقت خاص عند حلول نهاية الأسبوع.

بالطبع، هذا أمر لا يمكن تخيله في الوقت الحالي، ولكن لا أعلم لماذا تملكني يقين شديد بأنه سيحدث.

تأملتُ في هذه الأفكار وأنا أتحقق من الوقت.

كان الوقت ما يزال منتصف النهار، ولكن النهار قصير في فصل الشتاء.

وكان عليّ التحرك قريباً إذا أردتُ الوصول إلى المنزل قبل أن حلول الظلام.

في تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب الأمامي.

وعندما فتحت الراهبة ماريسا الباب، دخل زوجان من الآباء والأمهات ومعهم فتاتان وصبي في مرحلة المدرسة الابتدائية.

"إيلينا! سارة! تيموثي!"

كانت جينيفر أول من تفاعل معهم.

ركضت جينيفر وذراعاها ممدودتان نحو الفتاتين اللتين ترتديان قبعات بابا نويل اللطيفة.

أما توني، فمسح يديه الملطختين بالكعك وركض ليصافح الصبي الذي يدعى تيموثي بحماس.

وليني أيضاً، قبل أن يركض نحوهم، أخبرني بأن هؤلاء هم الأشخاص الذين يقيمون معهم حفلة كل يوم سبت.

وأخرجت العائلتان الطيبتان هدايا للأطفال من أكياس حمراء كبيرة تشبه كيس بابا نويل وقدموها لهم.

وتبدد الهواء البارد الذي دخل مع فتح الباب فوراً أمام ضحكات الأطفال المشرقة.

وسُرِرتُ كثيراً لرؤية هذه الوجوه الطيبة لأول مرة، إذ كان واضحاً من النظرة الأولى أنهم يحبون الأطفال من قلوبهم.

وأخذ الأطفال الذين حصلوا على هدايا عيد الميلاد الجديدة يجلبونها إلى طاولة غرفة المعيشة لفتحها جميعاً دون استثناء.

نهضتُ من مقعدي لأترك مكاناً للضيوف الجدد ليجلسوا.

"إذن، سأستأذن أنا الآن. عيد ميلاد سعيد للجميع."

"وداعاً يا عمي! عيد ميلاد سعيد!"

"إلى اللقاء!"

وعلى عكس بقية الأطفال الذين ودعوني بحماس، ترك ليني فتح هداياه وركض إليّ بسرعة ليمسك بساقي.

"بابا، هل سنعود إلى المنزل الآن؟"

يبدو أنه ظن أنه يتوجب عليه المغادرة معي الآن، لأنني لم أطلعه على مدة إقامته في الكنيسة هذه المرة.

"أجل، من الأفضل أن يعود بابا إلى المنزل قبل أن تغرب الشمس. ولكن ما رأيك يا ليني أن تبقى هنا لعدة أيام أخرى؟"

"همم……."

كان من الواضح أنه يريد اللعب مع أصدقائه هنا، وأنه كان حزيناً بشأن خيمة شجرة عيد الميلاد في المنزل والهدايا التي لم تُفتح بعد.

شعرت ببعض الشفقة على الطفل الذي كان قلقاً.

ولكن لعل الحيرة بين أمرين جميلين هي أمر يدعو للامتنان على كل حال.

وضعتُ لوكا في العربة ثم جثوتُ على ركبتي.

أشرتُ لـ ليني ليقترب وهمستُ في أذنه

"سيخفي بابا هدايا عيد الميلاد جيدا حتى لا يفتحها لوكا. وعندما تعود إلى المنزل بعد أيام، سنفتحها معاً."

أشرق وجه ليني فوراً. ثم نظر إلى لوكا بطرف عينيه وهمس في أذني

"ولكن دع لوكا يفتح هدية واحدة…… لا، هديتين! دع له هديتين ليفتحهما أولاً."

"حسنًا، سأفعل ذلك."

طبع ليني قبلة على خدي وذهب ليفتح بقية هداياه، ولكنه عاد مسرعاً وهمس مجدداً

"هديتان من هدايا لوكا، وليس من هداياي!"

"أجل، لا تقلق."

بعد أن قطعت وعداً بالخنصر، طبعتُ قبلة على جبينه.

*

تركتُ ليني في الكنيسة وغادرتُ، لكنني لم أشعر بالحزن لأنني أعلم أنه سيقضي وقتاً سعيداً هناك.

وضعتُ لوكا في السيارة، وبما أننا أصبحنا بمفردنا، أخذ يثرثر بحماس، فدارت بيننا محادثة عميقة نوعاً ما

"لووواا، إييه."

"أجل، يرى بابا أيضاً أن شوربة الخضار الدافئة ستكون ممتازة للعشاء الليلة. ويفضل أن نقلل الملح قليلاً، أليس كذلك؟"

"عنناا."

"صحيح، يبدو أننا أكلنا أطعمة ثقيلة وحلويات كثيرة في الأيام الأخيرة."

كان طريق العودة فرصة جيدة لجولة قصيرة بالسيارة.

أوقفتُ السيارة أمام المبنى المتألّق بالأضواء، وأخذتُ الأغراض وصعدتُ مع لوكا إلى المنزل.

غسلتُ وجهه ويديه سريعاً، وغيّرتُ ملابسه وجلسنا معاً على الأريكة.

فتحتُ هدية واحدة وأخرجتُ لعبة جديدة ولعبتُ بها معه، فأصدر لوكا أصوات فرح تشبه أصوات الدلافين.

مع غروب الشمس وحلول الظلام، قمت بإعداد حساء خضار دافئ مع لوكا كمشاهد، وقمت بتقطيع أنواع مختلفة من الخضار بدقة.

وبعد أن صببتُ الحساء البرتقالي الساخن في وعاء جديد عدة مرات حتى يبرد بشكل كافٍ، قدمتُه في صحن لوكا الخاص.

والآن، أصبح لوكا طفلاً رائعا يجيد استخدام الملعقة بمهارة، فأنهى حساء الخضار بنفسه.

وبعد العشاء والاستعداد للنوم، اتجهتُ معه إلى السرير.

"دارادا، بابا."

لا أعلم إن كان يناديني أم يثرثر فقط.

أمسكتُ بأنفه الصغير برفق ثم تركته وهو يرفع يديه للتعبير عن نفسه.

"سينام بابا معك على السرير الليلة. هل ستنام بمفردك في الخيمة دون أخيك؟"

"هاه."

"لا. دعنا ننام في السرير مع بابا."

ومع كلامي هذا، قمت بنقل وسادة الحماية المستقرة في مكانها إلى أسفل السرير حيث توضع الأقدام، واستلقيتُ مع لوكا بشكل أفقي على السرير.

وبما أن السرير من الحجم الكبير، فلم تخرج قدمي كثيراً حتى عند الاستلقاء أفقيًا.

مددت ذراعي على اتساعهما إلى الجانبين بجانب لوكا.

وكان لوكا ينام في الزاوية الملاصقة للجدار، فلا يوجد خطر لسقوطه أثناء النوم.

"المكان واسع جداً هكذا. تعال لننم براحة مع بابا الليلة."

"هاه."

مهما كان الكلام، فإن لوكا يجيد الإجابة دائماً.

أخذ لوكا ينظر حوله باستغراب إلى المنظر المتغير قليلاً.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأسند رأسه على كفي واستلقى.

"هي……."

ماذا يأكل طفلي ليصبح بهذا الجمال واللطافة؟

في الحقيقة، كان الوقت مبكراً قليلاً، لكنني أردتُ تنويمه قبل أن يبدأ في التذمر والانزعاج.

إذ يتوجب عليّ تنويم لوكا أولاً لأستطيع رفع الهدايا الموجودة في غرفة المعيشة كما وعدتُ ليني.

كما أردتُ تصوير فيديو وأنا أفتح هدايا عيد الميلاد الخاصة بي التي لم أفتحها بعد، ويفضل أن أفعل ذلك قبل انتهاء هذا اليوم.

أجل، ولهذا……

"……المهم الآن هو ألا ينام بابا قبلك، أليس كذلك؟"

"هاه."

كان الدفء المنبعث من الطفل والغطاء المريح يجعلاني على وشك النوم في أية لحظة.

لكنني تمسكتُ برغبة قوية في البقاء مستيقظاً، وأخذتُ أربت على ظهر لوكا بهدوء وأنا أواصل الكلام

" لوكا، يفكر بابا في أن فصل نومك عني ما زال مبكراً جداً. تعال لننم على السرير مجدداً من الآن فصاعداً."

"هاه."

"ولكن عندما تكون مع أخيك، تصبح الخيمة أفضل، أليس كذلك؟"

"……هاه."

"هل يحب لوكا بابا أكثر، أم يحب الخيمة أكثر؟"

"هاه……."

"أجل، هكذا تغرق في النوم أولاً. نام يا طفلي الحبيب، نام بنوم هادئ وعميق……"

أخذتُ أهمس له بكلام لطيف وأنا أنظر إلى عينيه اللتين تغلقان وتفتحان بنعاس وكسل.

ابتسم لوكا ابتسامة خفيفة وأصدر ضحكات صغيرة حتى غرق في النوم ببطء.

"……عيد ميلاد سعيد يا طفلي الحبيب."

تأملتُ الطفل اللطيف لبرهة، ثم سحبتُ جسدي بهدوء من تحت الغطاء وأغلقتُ باب الغرفة قليلاً وخرجتُ.

وعندما خرجتُ إلى غرفة المعيشة الباردة قليلاً، اشتقتُ لدفء الغطاء للحظة.

ولكنني أثناء جمع الهدايا المتراكمة كالجبل الصغير وإخفائها واحدة تلو الأخرى في خزانة المطبخ، زال عني النوم والبرد فوراً.

ستحدث مشكلة غداً إن جاء لوكا يثرثر ويشتكي متسائلاً أين ذهبت كومة الهدايا.

فقمتُ بتقسيم علبة البسكويت الجديدة إلى النصف وتغليفها، ولففتُ بضع قطع من البسكويت المقسم بورق تغليف جميل ووضعتُه في المكان نفسه.

وبهذا لن يشعر لوكا ولا ليني بأي خيبة أو حزن.

نظرتُ إلى الهدايا الجديدة التي أعددتُها بسرعة بفخر وأثنيتُ على نفسي.

كلما زادت مدة أُبُوّتي، كلما زاد دهائي وحيلتي.

تأكدتُ من أن لوكا ما زال نائما بعمق، ثم جمعتُ الهدايا التي استلمتُها وجلستُ على طاولة المطبخ

"……."

بالتفكير في الأمر، فإن نشر فيديو فتح الهدايا بعد انتهاء عيد الميلاد قد لا يثير اهتماماً كبيراً……

ولكن شعوري بالخسارة إن تركتُ محتوى يمكن تصويره يضيع هكذا، يؤكد أنني أصبحتُ يوتيوبر بدوام كامل.

فكرتُ قليلاً ثم تحققتُ من الوقت.

كانت الساعة الثامنة والنصف مساءً فقط.

"……."

……هل يعقل أن تكون هذه هي اللحظة المناسبة؟

شعرتُ بحدسي أن الوقت قد حان لفتح البث المباشر الذي ظللتُ أؤجله مراراً وتكراراً.

2026/07/30 · 23 مشاهدة · 1719 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026