قبل أن تنتهي العطلة الشتوية الخاصة بليني، ذهبنا إلى المستشفى لإجراء الفحص الطبي الدوري.
وأكد الطبيب أن صحة السمع والبصر والأسنان لدى الطفلين ممتازة وبحالة جيدة.
بعد ذلك، تحدث معنا بشأن طول ووزن الأطفال.
"محيط الرأس ونسب الجسد ممتازة للغاية…… ونمو لوكا جيد جداً. وطوله الذي يبلغ 82 سم في شهره الثالث عشر يجعله أطول من أقرانه في نفس العمر."
"فهمت. وهل وزنه طبيعي وبخير؟"
لم أكن أرى أن لوكا ممتلئ الجسم بصورة مفرطة، لكنه كان يملك شهية جيدة و لم أستطع إلا أن أسأل.
"نعم، وزنه البالغ 11 كيلوغراماً جيد جداً. هل هو طفل كثير الحركة والنشاط؟"
"إنه نشيط بالفعل. غير أنني أقلق قليلاً لأن طفلي الثاني يأكل بشكل جيد للغاية، وأخشى أن يصاب بالسمنة المبكرة."
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة، وبدت تلك الابتسامة وكأنها ناتجة عن رؤية والد مفرط القلق، مما جعلني أشعر بالحرج قليلاً.
وفي النهاية، ألقى الطبيب نظرة على استمارة فحص النمو والتطور التي ملأتها، ثم نادى اسم الطفل.
"لوكا".
رفع لوكا، الذي كان يعبث بكرة طرية مخصصة للأطفال، عينيه لينظر إليه.
"لوكا، أين الكرة؟"
خفض لوكا نظره وتأمل الكرة المستقرة بين يديه الصغيرتين.
"أعط الكرة للعم الطبيب."
مد الطبيب يديه المفتوحتين نحو لوكا.
حدق لوكا في هاتين اليدين للحظة، ثم هز رأسه رافضاً.
"ممتاز جداً. إنه طفل يملك إرادة ورأياً واضحين."
"نعم…… آه، يا دكتور. أسمع أن بعض الأطفال يرفضون الطعام في مثل هذا العمر أو عند بروز الأسنان، لكن طفلي لم يفعل ذلك مطلقاً."
"هل تتباهى أم ماذا؟"
"يعني هذا أنه لا توجد مشكلة إذن."
هز الطبيب رأسه مبتسماً بالإيجاب، ثم انتقل للحديث عن ليني
"طوله 105 سم ووزنه 17 كيلوغراماً……"
عندما أدرك ليني أن الحديث يدور عنه، رفع رأسه فجأة عن كتاب الصور الذي كان يقرأه.
ابتسم الطبيب للطفل ولطف الجو بوجه بشوش موجهاً له الثناء أولاً
"ليني. لقد أكلتَ الطعام الذي أعده لك والدك بشكل جيد، ولعبتَ ونمتَ بجد."
"نعم!"
أجاب ليني بابتهاج بعد حصوله على هذا الثناء.
أثنى الطبيب عليه مرة أخرى، ثم كتب بعض الملاحظات على الورق ونقل لي رأيه الطبي الخاص
"……."
كان مفاد الكلام أن ليني أصغر وأنحف قليلاً من المتوسط العام لمن هم في عمره.
وشعرتُ ببعض الحزن والأسف رغماً عني، فأنا أحرص على إطعامه واختيار أفضل الأغذية له.
وصحيح أن الفتيات ينمون أسرع من الأولاد في هذا العمر، وكان من الواضح أن جينيفر في دار الرعاية كانت أطول قليلاً من ليني ……
وحتى في الروضة التي تضم أطفالاً من أعمار مختلفة، كان ليني يبدو دائماً أصغر حجماً من غيره.
هل يعقل أن يلحق به لوكا ويتجاوزه قريباً؟
تزاحمت الأفكار في رأسي، لكنني شعرتُ بالارتياح والاطمئنان حين تأكدتُ أنه لا توجد مشكلة في نموه وتطوره بشكل عام.
وفي الأصل، رغبتي في أن يكون ليني أطول قامة ليست سوى جشع مني؛ فالطفلان يأكلان جيداً، ويلعبان جيداً، وينامان جيداً، وصحتهما ممتازة على أتم وجه.
وكان هذا بالتأكيد أمراً يستحق الاحتفال، لذا أعددتُ للطفلين وجبة خفيفة ولذيذة فور عودتنا من المستشفى.
وجدتُ في يوتيوب وصفة لكعكة الموز يمكن إعدادها دون إضافة زبدة أو سكر، وقمت بصنعها.
وعندما قدمتُ الكعكة والخبز الساخن الذي اكتمل للتو في أطباق واسعة زُينت بنجوم كبيرة للأطفال، صاح ليني بابتهاج وفرح
"ليني، إنها لا تزال ساخنة قليلاً، لذا كُل بحذر اتفقنا؟"
"نعم!"
وجهتُ له هذا التنبيه وأنا أقدم له الكعكة التي برّدتها بالتهوية الجيدة ولكنها كانت لا تزال دافئة.
أمسك ليني بالشوكة وأجاب بابتسامة مشرقة وكأنه يخبرني ألا أقلق.
أما بالنسبة للوكا، فقد شعرتُ أن التنبيه لن يجدي نفعاً، فقطعتُ الكعكة إلى قطع صغيرة ووضعتُها في الثلاجة لفترة من الوقت.
"بابا، بابا!"
عندما رأى لوكا أن أخاه حصل على طبقه بينما دخل طبقُه هو إلى الثلاجة، صاح بصوت محتج وكأنه يتعرض للظلم.
"لوكا، انتظر لحظة."
ومع هذه الكلمات، نقلت الحليب الذي أعددتُه سابقاً في كوب آخر إلى زجاجة الماء الخاصة به.
"……"
استلم لوكا زجاجة الحليب بوجه متجهم ومستاء.
و لحسن الحظ أنه لم يلقِ بها جانباً كونها طعاماً.
"يا إلهي."
ابتسمتُ وأخرجتُ الطبق من الثلاجة ووضعتُه أمامه
"سيتوقف تعديل درجة الحرارة بشكل فردي بهذه الطريقة بمجرد أن تكبروا!"
ابتسم ليني بصمت وفمه مليء بالكعكة، بينما ابتسم لوكا بلمعان في عينيه وكأنه فهم ما قلته تماماً، ثم أدخل قطعة الكعكة في فمه.
ومضى الوقت، وحلت ليلة اليوم الأخير من العطلة الشتوية.
كان ليني يتجول في أرجاء المنزل بنشاط ويشكو لي
"بابا، العطلة اختفت بسرعة كبيرة."
"أليس كذلك؟ الوقت يمر بسرعة دائماً عندما نكون مستمتعين."
"لماذا؟"
ورغم أنه تساءل عن السبب، إلا أن ليني قام بترتيب الواجبات التي أتمها طوال العطلة وملابسه التي سيرتديها غداً بشكل منظم خارج الخيمة.
وكان من الواضح أنه يفكر في ارتداء الملابس وترتيب الحقيبة فور استيقاظه صباح الغد.
وبالطبع، لو وضع الواجبات والأغراض داخل الحقيبة من الآن يمكنه توفير عناء الترتيب في الصباح……
لكنني رأيتُ أن إدراك الأمور عبر التجربة المباشرة أمر مهم، فتركتُه وشأنه.
أنا متشوق لرؤية تعابير وجهه في اليوم الذي يدرك فيه أنه كان بإمكانه تجهيز الحقيبة من الليل فوراً.
أما الملابس، فقد فرد القميص والبنطال والجورب بالهيئة التي سيرتديها بها.
حدق ليني في التنسيق الذي أكمله، ثم استبدل الجورب بآخر.
وبفضل جهودي المضنية السابقة، نجحتُ في جعله يرتدي أزواج جوارب ذات ألوان موحدة حتى وإن اختلفت نقوشها.
ورغم ذلك، كان لا يزال يرتدي جوربين غير متماثلين مرتين في الأسبوع حسب رغبته.
وبعد أن أنهى التحضير للروضة غداً، التفت ليني إلى لوكا ووضع يديه على خصره وقال بنبرة جادة
"لوكا، غداً سأذهب أنا إلى الروضة. لذا عليك أن تلعب جيداً بمفردك اتفقنا؟ وتدرب على الكلام أيضاً."
"هاه."
"مجرد الإجابة بشكل جيد لا يكفي. عليك أن تتدرب بجد حقاً اتفقنا؟"
"هاه."
أمال ليني رأسه قليلاً بنظرة تشكك، بينما نظر إليه لوكا وأمال رأسه هو الآخر.
واليوم أيضاً، يتجاوز كلا الأميرين حدود اللطافة المسموح بها.
"إذن هيا بنا ننم مبكراً."
"نعم!"
دخل ليني سريعاً إلى الخيمة، وتبعه لوكا للداخل.
ومنذ أن بدأ الأطفال النوم في الخيمة، لم يعودوا يهربون أو يماطلون عند حلول وقت النوم.
يبدو أن مكان النوم داخل الخيمة يعجبهم إلى هذا الحد حقاً.
"……."
سبق أن قلتُ لغريغ إنني لن أزيل الخيمة حتى يأتي الربيع.
لكنني الآن أشعر برغبة خفيفة في إزالتها.
لا، بما أن الأطفال يحبونها إلى هذا الحد فمن غير المنطقي إزالتها طبعاً.
فضلاً عن أن عملية فصل نومهم عني تتم بسلاسة شديدة بينما يعاني الآباء الآخرون في ذلك……
لكن لا يمكنني منع نفسي من الشعور ببعض الوحدة وخيبة الأمل.
لقد كان من العادة أن أنام وأنا أستمع لأنفاسهم الصغيرة، متى كبرا إلى هذا الحد؟
بالطبع، عندما كان ليني يذهب إلى الكنيسة كنتُ أنام مع لوكا في السرير، وفي الأيام الأخرى، بصراحة، كان من المريح النوم بمفردي في الغرفة الواسعة.
……ولكن رغم ذلك!
إذا كان ليني قد كبر، فقد اشتريتُ السرير الضخم لأبقي لوكا بجانبي حتى يبلغ العاشرة من عمره على الأقل.
ابتلعتُ خيبة أملي المستمرة، ورتبتُ المنزل واستحممتُ قبل أن أخلد إلى النوم.
وبينما كنتُ أجفف شعري وأنا أنظر إلى الطفلين النائمين بعمق داخل الخيمة، تذكرتُ فجأة كيف كنتُ أتمنى الحصول على لحظة مثل هذه قبل عدة أشهر.
لقد مر وقت كان فيه الحصول على وقت هادئ في نهاية اليوم لتنظيف المنزل والاستحمام براحة أمراً لا يمكن حتى تخيله.
وعندما فكرتُ في ذلك، خفّت خيبة أملي قليلاً.
يا للعجب! كيف نستسلم للراحة بهذه الطريقة. البشر مخادعون حقاً.
وبعد أن فكرت في ذلك، استلقيت براحة على السرير الواسع.
"أوف."
بعد العمل بنشاط لساعتين متواصلتين بعد الوصول إلى المكتب، استلقى غريغ على الطاولة وهو يأن بتعب.
"ماذا هناك، هل حدث شيء؟"
"لا، ليس كذلك. فقط…… لا يعني أنني لا أريد العمل، بل هو تفاعل جسدي يظهر وكأنه لا يريد العمل……"
"أنت تتفوه بكلام لا يصح أن يقال أمام رئيسك في العمل."
أردتُ توجيه المزيد من التوبيخ له، لكنني توقفتُ.
فبمجرد أن تبدأ راشيل عملها، سيعمل دون أن يجرؤ على إخراج صوت واحد. لذا قررتُ التغاضي بقلب رحيم.
وعلاوة على ذلك، لم يكن الأمر غير مفهوم تماماً.
فمن عيد الشكر إلى عيد الميلاد وليلة رأس السنة، مررنا بفترة تشبه عطلة الكبار، وها نحن نعود للعمل والقيام بمهامنا الآن.
تنفس غريغ بعمق وهو مستلقٍ، ثم اعتدل جالساً فجأة
"ولكن بما أن أمراء هذا المنزل يعملون بجد ليدفعوا لي راتبي، يجب عليّ أن أعمل بجد أيضاً."
أمام هذا الكلام، لم يكن أمامي خيار سوى الضحك، وحتى كاساندرا التي كانت تنقر على لوحة المفاتيح والماوس بحماس شديد رغم أصوات أنين غريغ لم تستطع منع نفسها من الابتسامة.
لأن مقطع الفيديو القصير الذي رفعناه لإطلاق لوكا الريح حقق أرقام مشاركات هائلة، وارتفعت نسبة المشاهدات لجميع فيديوهات الأطفال مجدداً.
وبالطبع، كلما نجحت فيديوهات الأطفال، استمر الاهتمام بي أنا صاحب القناة بشكل ثابت أيضاً.
"وأيضاً، من الواضح أن الأشخاص الذين يهتمون بجون يملكون انجذاباً نحو جون أكثر من الأطفال أنفسهم."
كان هذا رأي كاساندرا؛ فالأطفال كائنات لطيفة بلا شك، لكن يبدو أن هناك الكثير من الناس ممن يعتبرونني صديقاً قريباً بدلاً من مجرد شخص يشاهدونه من بعيد.
"يعني هذا بالنسبة لهم أن جون هو المحور الأساسي للقناة. حتى وإن كانت أرقام المشاهدات أقل مقارنة بالفيديوهات التي يظهر فيها الأطفال. الأرقام تسير كما أردنا تماماً."
"نعم."
وبطبيعة الحال، اجتمعنا حول طاولة المطبخ لمناقشة الاتجاه الذي ستسلكه قناتنا في الفترة القادمة.
"في النصف الأول من العام، ينبغي أن نركز على رفع جودة المحتوى الحالي وإدارة الرعاة والإعلانات جيداً بدلاً من تجربة أشياء جديدة."
"صحيح. فالمعلنين والمشاهدين لديهم توقعات، وإذا أهملنا ذلك فسوف يتحول انتباههم إلى مكان آخر."
ورغم أنه لم يمضِ على بدايتها سوى بضعة أشهر، إلا أن فيديوهات قائمة التشغيل الخاصة بغريغ كانت تحظى بشعبية مستمرة.
ويبدو أن السبب يعود لكونها فيديوهات مناسبة للتشغيل في الخلفية أثناء القيام بأعمال أخرى، مما جعل عدد مرات التشغيل مرتفعاً، وكان هناك الكثير ممن يعودون لسماع ما سمعوه بالأمس مجدداً.
"أعتقد أن التخطيط لنشر قائمتين تشغيل شهرياً سيكون فارق زمني مناسب جداً. ما فكرتُ به حالياً هو مواضيع تناسب كل فصل من الفصول……"
قبل قليل كان مستلقياً ويصرخ بأنه لا يريد العمل.
ولكن رؤية غريغ الآن وهو يفهم بدقة حجم العمل ويقدم خطة للشهور القادمة أعطت انطباعاً احترافياً حقاً.
"يا رجل، أنت تبدو كشخص يعمل بجد حقاً."
"يا رئيس، أليست هذه الإهانة قاسية جداً؟"
أنهينا الاجتماع بشكل مناسب ونحن نضحك.
"إذن هذا بالنسبة للاستوديو، فما هي خطط كل منكم للعام الجديد؟"
سألت كاساندرا وهي تقوم من مكانها وتجري بعض التمدد لظهرها.
"بالنسبة لي، لقد زاد وزني 3 كيلوغرامات بعد الزفاف، لذا أنوي العودة لممارسة التمارين بجد. وسأحاول التوقف عن تناول الوجبات الخفيفة متأخراً في الليل."
"ماذا؟ كيف يمكن أن يزيد وزنكِ 3 كيلوغرامات في أقل من شهرين؟"
"هذا كله بسبب زوجي. الإنسان يسمن طبيعياً عندما يكون سعيداً."
وبينما كنتُ أقف عاجزاً عن الرد، تدخل غريغ فجأة وهو يجمع الأوراق المنشورة في ملفه
"هذا عذر جبان. أنا سعيد بفضل زوجتي وابنتي لكنني فقدت بعض الوزن."
"هذا لأن لديك طفلة حديثة الولادة فمن الطبيعي أن تكون متعباً. أما أنا فأصبح لدي أربعة أفراد في العائلة يمكنني طلب المساعدة منهم في الأعمال المنزلية عندما أكون متعبة!"
وهرباً من شجارهما، قمتُ من مقعدي وتواصلت بصرياً مع لوكا، الذي كان يدفع مشايته خارج غرفة الألعاب.
"كاكا!"
"يا إلهي، لماذا تطلب وجبة خفيفة منذ الصباح يا أميرنا الصغير؟"
ورغم أنني عاتبتُه بلطف، إلا أنه قد مر وقت غير قصير منذ تناول وجبة الفطور، لذا كان طلبه للوجبة الخفيفة مقبولاً تماماً.
أجلستُه على الأريكة المخصصة للأطفال الموجودة في الممر لكي يستريح عليها بعد المشي، وفتحت له وجبة خفيفة.
وبينما كنت هناك، تفقدتُ الثلاجة لأرى ما يمكن أكله وتحدثتُ مع الموظفين حول قائمة طعام الغداء.
"إذن مراعاةً لحمية كاساندرا، فلنتناول السلطة على الغداء لفترة من الوقت..."
"آه، هذا غير معقول! هذا تصرف غير عادل مطلقاً."
"وأنا أيضاً لن أملك طاقة إذا أكلتُ السلطة فقط……"
يا إلهي، ما هؤلاء الناس.
كنتُ على وشك أن أعقد ذراعي وأوجه كلام لهم، لكنني توقفتُ بسبب لوكا الذي كان يمشي بخطوات غير متزنة نحوي وهو يحمل غلاف الحلوى الفارغ.
مشى لوكا وهو يستند على الخزانة السفلية للمغسلة، ثم ألقى بالغلاف داخل سلة المهملات.