"إذا كان الحضور اليومي المنتظم للعمل شاقاً عليها في الوقت الحالي، أليس من الأفضل أن تحضر ثلاثة أيام في الأسبوع فقط؟"
ارتسمت على وجه غريغ تعابير تساءل فيها للحظة عما إذا كان قد سمع كلامي بشكل خاطئ.
لكنه سرعان ما فهم ما أقصده، فأطلق ضحكة ساخرة خفيفة
"تطلب من شخص يبدو عليه الاكتئاب أن يأتي للعمل؟ ما هذا المنطق!"
"قد يبدو الأمر غريباً، لكن راشيل تعمل من المنزل وتؤدي مهامها حالياً على أي حال. كل ما في الأمر أنني أقترح تغيير البيئة المحيطة بها ليس إلا."
ومن المدهش حقاً أن راشيل كانت تنجز من المنزل نفس كمية العمل التي كانت تؤديها لو كانت حاضرة في المكتب.
"أنت تعلم أنني لا أقصد التضييق عليها أو إرهاقها. كل ما في الأمر أنني أشعر أن شعور «الوجود في المكتب» يُعد أمراً مهماً بالنسبة لراشيل، حتى لو قلّ إنجازها للعمل بسبب الوقت المستغرق في الذهاب والعودة."
وعندما تحدثتُ بنبرة جادة، فكر غريغ للحظة ثم تمتم بملامح جادة
"……هل زوجتي مدمنة عمل إلى هذا الحد حقاً؟"
"ما هذا الكلام مجدداً؟ لا تقل لي إنك لم تكن تعلم ذلك حتى الآن؟"
سألت كاساندرا بذهول واستغراب، لكن غريغ رد بوجه يملؤه الاستغراب بدوره
"هي تؤدي عملها بالفعل في المنزل، ولذا لا أفهم لمَ يتوجب عليها القدوم إلى مكان العمل لتأديته مجدداً."
"وما الغريب في ذلك؟ الأمر يشبه تماماً شرب القهوة؛ هناك فرق بين أن تشربها في المنزل وبين أن تخرج لتشربها في المقهى."
"……"
كان تشبيهاً دقيقاً ومناسباً جداً، لكن غريغ كان يبدو حائراً ومتردداً رغم ذلك. ورؤية ملامحه تلك كانت تدعو للضحك قليلاً.
وعلى كل حال، وبعد الحصول على دعم وتأييد كاساندرا، ازدادت ثقتي.
تلك الثقة بأن هذا الاقتراح قد يكون حلاً جيداً بالنسبة لراشيل.
بالطبع لو كان هناك رئيس في شركة أخرى، لما تجرأ على طلب الحضور للعمل برفقة طفل حديث الولادة……
ولكن الحفاظ على الاستقرار النفسي للموظفين الثلاثة كان أمراً بالغة الأهمية بالنسبة للرئيس هنا.
"ولكن حتى لو كان بكاء سابرينا قد قلّ قليلاً، هل من المقبول حقاً إحضار طفلة تستمر في البكاء إلى المكتب؟"
سأل غريغ بملامح قلقة وكأنه يستفسر عما إذا كان الأمر ممكناً .
وعند كلامه، أشرتُ بخفة إلى غرفة التسجيل الخاصة به والمجاورة لمكتب راشيل
"ما المشكلة في ذلك؟ لدينا غرفة عازلة عن الصوت بشكل جيد. يمكن إبقاء الباب مفتوحاً عادةً، وإذا اشتد بكاء الطفلة، يمكنها إغلاق الباب والدخول إليها."
في الاستوديو الخاص بنا، كان غريغ هو الوحيد تقريباً الذي يستخدم غرفة التسجيل.
وبسبب وجود معدات باهظة الثمن، كان دخول الأطفال إليها ممنوعاً تماماً، ولم تكن لكاساندرا أي حاجة للدخول إليها من الأصل.
بل حتى أنا لم أكن أدخلها إلا بضع مرات في الشهر من أجل تسجيل الصوت.
تردد غريغ للحظة، ثم دخل إلى غرفة التسجيل.
وبدأ يفكر بجدية في المكان المناسب لوضع سرير الطفل وكيفية ترتيب واستيعاب مستلزمات الرعاية.
يبدو أنه أدرك بينه وبين نفسه أن راشيل لن ترفض وتقول «لن أذهب للعمل».
إذا أردت الذهاب لاصطحاب ليني في الساعة الثانية تماماً، فلم يكن بإمكاني إنجاز أي شيء يُذكر في فترة الصباح.
فما إن أبدأ العمل وأحاول التركيز حتى يحين وقت الاستعداد والخروج فوراً.
لذا اكتفيتُ باللعب مع لوكا، وقبل الاستعداد بالذهاب بـ 30 دقيقة، بدأتُ بالتنظيف واستغليتُ الوقت لتربية الطفل على ترتيب الألعاب.
"حسناً يا لوكا. سنبدأ اليوم المستوى المبتدئ من ترتيب الألعاب في غرفة اللعب."
"……؟"
وعلى عكس العادة، وضعتُ صندوقين للألعاب على الجانبين وأظهرتُ جدية في كلامي، فمال لوكا برأسه مستغرباً.
وكان منظر الأمير الصغير وهو يميل برأسه أمامي في غاية اللطافة والجمال.
"انظر هنا جيداً. لن نضع كل الألعاب في مكان واحد، بل سنفرزها هكذا: المكعبات مع المكعبات، والدمى مع الدمى."
وقبل أن يتشتت تركيزه، جمعتُ الألعاب المبعثرة وفرزتُها بمهارة.
"مثلاً، إذا كانت كرات حوض الكرات مبعثرة هكذا، فعلينا إعادتها إلى حوض الكرات، أليس كذلك؟"
رميتُ بضع كرات صغيرة ذات ألوان أساسية داخل حوض الكرات، فضحك لوكا بخفة وصفق بيدية مرتين.
"حسناً، انظر هنا مجدداً. أين نضع المكعبات؟ في صندوق المكعبات. وهذه الدمية الناعمة؟ نضعها في صندوق الدمى."
أصبح لوكا يفهم كلمات مثل «مكعبات» أو «دمية» الآن.
لذا أليست هناك فرصة كبيرة لأن يتقن ترتيب الألعاب قريباً لو كررنا هذا الدرس وأكدنا عليه عدة مرات إضافية؟
لكن لوكا، مهما تحركتُ أمامه بجد وإتقان، كان يكتفي بمتابعة حركة يدي برأسه دون أن يمد يده للمساعدة في الترتيب.
"لا بأس، بابا لن يشعر بخيبة أمل رغم ذلك."
لأنه تخلص من القمامة فجأة في أحد الأيام دون مقدمات أيضاً!
غير أن لوكا، وكأنه فهم معنى كلامي، زحف بنشاط نحو الصناديق وبدأ يخرج الأشياء التي وضعتُها بداخلها باجتهاد.
"آه، لا يا لوكا! علينا الترتيب الآن لنذهب واصطحاب شقيقك……"
"يا!"
وقبل أن أنهي كلامي، أطلق لوكا صيحة حماسية ورمى بالمكعب نحو حوض الكرات.
"كيااا!"
"……."
لماذا لم تفهم إلا مفهوم «الرمي» فقط؟
وبنشاط وفير وطاقة عالية، بدأ لوكا يرمي الأشياء دون توقف.
وفي لحظات، أصبحت الغرفة أكثر فوضى مما كانت عليه قبل بدء الترتيب.
شعرتُ بإحباط وفقدان للطاقة للحظة، لكنني لم أستطع الاستسلام هكذا.
احتضنتُ لوكا من الخلف وأجلستُه على ركبتيّ وأمسكتُ بيديه الصغيرتين.
ثم جمعنا الألعاب معاً ووضعناها داخل الصندوق.
"نحن لا نرمي الأشياء هكذا، بل نضعها بداخل الصندوق."
ضحك لوكا بخفة مجدداً وتحرك كما تحركتُ أنا.
وسرعان ما بدأ يرفرف بيديه للأعلى والأسفل ويضحك بصوت عالٍ.
يا ترى ما الذي أخطأتُ فيه بالظبط؟
استسلمتُ عن فكرة الترتيب وذهبتُ مع لوكا لاصطحاب ليني.
ورغم أننا وصلنا في الوقت المحدد، إلا أن الممر كان أكثر هدوءاً مما توقعتُ، ولما تساءلتُ عن السبب، اتضح أن الأطفال الذين سيذهبون للمهرجان هم فقط من يغادرون في هذا الوقت، بينما يستمر باقي الأطفال في دروسهم.
وعند حلول الساعة الثانية، خرج ليني بهدوء من الفصل برفقة بضعة أطفال آخرين بناءً على توجيهات المعلمة، ثم ركض نحوي بابتسامة عريضة تملأ وجهه
"بابااا، لنذهب بسرعة. هل تعرف الطريق إلى مدرسة أخي سونغ جون؟ إذا كنتَ لا تعرفه فاتبعني!"
"ضع حقيبتك في عربة الأطفال ولنذهب بتمهل كي لا تتعثر وتسقط."
ورؤية ليني وهو يجلس ويقف في مكانه من شدة الحماس جعلت لوكا يهز وركيه بحماس هو الآخر.
ومع شعور مشؤوم يتملكني بأنني سأعود إلى المنزل منهكاً للغاية اليوم، مشيتُ بتمهل نحو المدرسة الابتدائية المجاورة للروضة.
وبما أنه يوم المهرجان، كان المعلمون يتواجدون عند بوابة المدرسة فور دخولنا، يبدون مستعدين لتوجيه أسر الأطفال إلى مكان المهرجان.
وبفضل توجيهات المعلمين وطلاب الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، وصلنا إلى صالة رياضية واسعة.
دفعتُ رسوم الدخول عند كشك التذاكر المقابِل للباب، فربطوا شريطاً حول معصمي.
آه، كان الدخول مجانياً للوكا، بينما دفعتُ رسوم الدخول لليني.
ولسبب ما، شعر ليني بفخر كبير لدفعه رسوم الدخول وربط الشريط حول معصمه.
ابتسم ليني ابتسامة عريضة وربت على رأس لوكا.
"سيتمكن لوكا من فعل ذلك عندما يكبر أيضًا!"
"هاه."
بالطبع، أجاب لوكا، الذي لم يكن لديه أدنى فكرة عما يجري، بشكل تلقائي.
"يرجى السير وفق الأسهم الملصقة على السجاد للاستمتاع بكل فعاليات المهرجان!"
وعند المدخل، كان المنظمون الذين يرتدون أشرطة وردية على أكتافهم يوزعون منشورات تحتوي على خريطة المهرجان والفعاليات المجهزة اليوم وهم ينادون بصوت عالٍ.
وفي الجانب الخلفي من المنشور، كان هناك مكان مخصص للملصقات التي يحصل عليها الشخص عند المشاركة في فعاليات كل كشك أو شراء المنتجات منه.
عجباً، هذا يعني أنه لا مفر من استخدام كل الأكشاك والتجول فيها!
فالطفل سيصاب بخيبة أمل كبيرة لو رأى أماكن فارغة لم توضع عليها الملصقات.
ولم أكن الوحيد الذي تعجب من هذه الحيلة التجارية المتقنة التي استخدمتها المدرسة لجمع التبرعات، إذ كان أحد الآباء المارين بجانبي يتمتم بالتذمر وهو يتبع طفله المتحمس الذي يسبقه للداخل.
"وااااو!"
"جميل جداً! أمي، أمي، لنذهب إلى هناك!"
ولكن بمجرد الدخول إلى الصالة الرياضية والتفافنا حول الحاجز المقام عند المدخل، رأى معظم الآباء المنظر الذي أثار حماس الأطفال وهتافهم، فلم يملكوا إلا الاستسلام والابتسام.
فقد كانت الفواصل التي تقسم الأكشاك مغطاة بالكامل ببالونات القلوب الحمراء والبيضاء الممتلئة.
وكان السجاد الممتد بالأسهم والأرقام التي تشير إلى المواقع باللون الوردي المبهج.
وكان هناك موظف يرتدي زي دمية دُب يرقص على ألحان الموسيقى المبهجة ويوزع بالونات الهيليوم على الأطفال القادمين نحوه.
"بابااا……"
يبدو أن ليني كان يرغب في الحصول على بالون لكنه كان خجولاً من الاقتراب من الموظف الذي يرتدي زي الدمية، فاختبأ خلف ساقي وناداني برجاء.
دفعتُ عربة الأطفال ونزلتُ على ركبتيّ بجانب ليني أمام الموظف.
"حسناً يا ليني، قل له: أعطني بالوناً من فضلك."
فالطفل الذي يجيب عادةً وينفذ ما أطلبه منه ببراعة، غطى عينيه بيديه الاثنين وضحك بخجل شديد اليوم.
وبما أنني سمعتُ ضحكة خفيفة من داخل زي الدمية، رفعتُ رأسي لأجد يداً ترتدي قفاز دُب سميكاً تقدم لي خيطاً يربط بالونين معاً.
"شكراً لك."
ربطتُ أحدهما على معصم ليني، وربطتُ الآخر بالإطار السفلي لعربة الأطفال حتى يستمر لوكا في رؤيته.
وكلما مشينا أكثر على السجاد الوردي الذي يملك مفعولاً سحرياً في فتح محافظ الآباء، كلما أصبح مظهر ليني أكثر زينة وبهرجة.
فقد وضع على رأسه طوقاً مزيناً بالقلوب والأجنحة، وربط معصمه بخيط بالون آخر، وحمل في يديه غزل البنات الوردي والفشار.
ورغم أننا اتفقنا على أكل هذه الأطعمة المغلفة بالبلاستيك الشفاف عند العودة إلى المنزل لاحقاً، إلا أن ليني كان يمشي بفرح وسعادة وهو يحمل المأكولات بملء يديه.
أما لوكا فكان يحمل في يده قطعة حلوى أحضرناها من المنزل بالفعل.
"تعالوا لتجربة الرسم على الوجوه! سنرسم لكم رسومات جميلة!"
"بابااا!"
"حسناً."
دفعتُ 3 دولارات وأجلستُ ليني على كرسي مرتفع.
وسرعان ما بدأ رسم قناع جميل مكون من الزهور والقلوب حول عيني ليني.
وعندما رفعتُ لوكا من العربة لأريه مراحل تحول شقيقه، فتح لوكا فمه قليلاً وبدأ ينظر بالتناوب بين ليني والشخص الذي يرسم على الوجه.
وكان الشخص الذي يرسم على الوجوه قد رسم على وجهه هو الآخر رسومات كثيفة وممتدة، مما جعل مظهر حركة وجهه يشبه شجرة تتحرك، فلم يستطع لوكا إبعاد عينيه عنه.
"واو، شقيقك أصبح جميلاً جداً! هل يجرب لوكا أيضاً؟"
"……."
وعلى عكس العادة حيث يجيب بـ «هاه»، أثار صمت لوكا رغبتي في الضحك فكتمتُها بصعوبة.
فقد بدا وكأنه يفكر في نفسه قائلاً «هناك شيء غير طبيعي هنا» أمام هذا المشهد الذي يراه للمرة الأولى في حياته كطفل يبلغ من العمر عاماً واحداً.
وبعد ذلك، زرنا كشكاً يتيح صنع بطاقات عيد الحب باستخدام أدوات مجهزة.
وإلى جانب ذلك، كانت هناك أكشاك تبيع القهوة للآباء، وأخرى تبيع الحلويات اللذيذة، بل وحتى أكشاك تبيع إضاءات رومانسية.
لا، هل تخطط هذه المدرسة لبناء مبنى إضافي ملحق أم ماذا؟
كبحت تذمري، واستمريتُ في جمع الملصقات بجد حتى وصلنا إلى نهاية السجاد، حيث توجد المساحة المخصصة لعرض الأعمال الحرفية والرسومات التي أعدها الأطفال.
"……"
وكان جميع الآباء الذين وصلوا إلى هذه النقطة يملكون تعابير مستنزَفة وكأن أرواحهم قد غادرت أجسادهم بالنصف.
فقد شعروا بالإرهاق نتيجة التعامل مع الموظفين النشطين للغاية، ناهيك عن إنفاقهم لمبالغ مالية أكثر مما توقعوا.
غير أن وجوه الأطفال كانت تتلألأ بريقاً وفرحاً، وكان ليني ينبض بنفس البريق تماماً.
"أخي سونغ جون!"
رصد ليني شخصاً ما وركض بنشاط نحو أحد الأكشاك.
ورحب به الطفل المسمى سونغ جون والمقيم بجانب الكشك بفرح ولطف كما لو كان يجده لطيفًا.
إذا كان في الصف الرابع من المدرسة الابتدائية، فلا بد أنه في نفس عمر تشارلي.
ولكن هذا الطفل كان يبدو كطالب في الصف الثالث بدلاً من الرابع، ربما لأن تاريخ ميلاده متأخر أو لأن بنيته الجسدية أصغر قليلاً.
وبجانب سونغ جون، كان يقف طالب يرتدي زي المدرسة المتوسطة المجاورة بملامح مرتبكة والذي بدا أنه شقيقه الأكبر.
بشرة صافية، وشعر أسود لامع، إلى جانب سماعات رأس باهظة الثمن يضعها حول عنقه وحقيبة مدرسة تحمل شعار علامة تجارية باهظة الثمن بجانبه.
كان يظهر على الاثنين بوضوح أنهما ينعمان برعاية جيدة في منزل ميسور الحال.
ومع ذلك بينما كان سونغ جون طفلاً لطيفاً وبريئاً تماماً، كان شقيقه الأكبر يملك تعابير باردة نوعاً ما وكأنه يمر بمرحلة المراهقة.