بعد تناول وجبة الصباح وتنظيف المكان، خرجتُ لأتناوب مع الراهبة وشرعتُ في رعاية الأطفال.

"واو! كما توقعت، بما أننا نعمل نحن الثلاثة، فإن سرعة البناء سريعة جداً! كلاكما رائع!"

أثنى توني كثيرا على شقيقيه الصغيرين، وأمام هذا الثناء السخي من الأخ الأكبر، انتفخت أكتاف ليني وماكس بفخر وازدادا حماساً في العمل.

كنتُ أعلم أنه طفل ذكي، لكنني لم أكن أعلم أن توني يجيد التعامل مع الأطفال بهذا الشكل.

بينما كنتُ أراقب لعب الأولاد باهتمام، نزلت الفتيات من الطابق الثاني وهنّ يحملن في أيديهنّ أشياء مختلفة.

كانت هذه المستلزمات مخصصة للعبة الأميرة بوضوح، إلا أن المشكلة تكمن في أن الضحية كان طفلي الثاني.

حتى تلك النقطة كان الأمر لا بأس به، لكن وجود قلم التلوين في يد جينيفر لم يكن كذلك على الإطلاق.

وعندما أردتُ منع جينيفر التي كانت تفتح غطاء القلم بحماس ، كانت شيرلي أسرع مني بشكل مذهل

"جينيفر، لا يجب عليكِ استخدام قلم التلوين على الطفل! قلم التلوين يُستخدم فقط على كراسة الرسم."

"أجل، فهمت."

هزت جينيفر رأسها وأغلقت غطاء قلم التلوين.

"……."

هذا مريح. لا، لحظة واحدة.

كانت تجادلني وترد على كلامي بالتفصيل، لماذا تستمع لكلام أختها الكبرى بهذه السرعة……؟

شعرتُ بالظلم قليلاً ففتحتُ فمي دون أن أستطيع النطق بأي كلمة، فاقتربت مني الفتاتان.

ثم طلبتا مني وضع لوكا على الأرض، معلنتين أنهما ستبدآن مشروع تحويل لوكا إلى أميرة.

بذهول وشعور بالحيرة، نفذتُ ما طلبتاه مني.

"سنجعلك أميرة صغيرة جميلة!"

"ولكن لوكا ليس أميرة بل هو أمير……."

رفع ليني صوته بصفته الأخ الأكبر، لكن بدا أن الفتيات لم يسمعنه.

عندما قلتُ إن الأمر لا بأس به، هز ليني كتفيه وعاد ليركز في بناء المكعبات مجدداً.

لكنني تساءلتُ عن كيفية تهدئة الفتيات في حال أبدى لوكا انزعاجه، لكنني سرعان ما أدركتُ عدم الحاجة لذلك القلق.

شيرلي، التي لديها أخ أصغر، كانت أكثر خبرة وممارسة من جينيفر في التعامل مع لوكا.

حتى لا يمل الطفل ويغادر، وضعت لعبة في يده لجذب انتباهه أولاً، وظلت تنهال عليه بالثناء المستمر لتجعله يبتسم بين الحين والآخر.

بالفعل، هذه هي خبرة الأخت الكبرى …….

الأخت التي لديها إخوة أصغر تختلف حقاً عن غيرها.

ومع ذلك، فكرتُ أنه لو استمر الأطفال في اللعب معاً بانسجام هكذا فسيكون أمراً رائعاً، لكن يبدو أن هذه الفكرة بحد ذاتها كانت هي المشكلة؛ إذ اندلعت المشكلة من جانب الأولاد.

ماكس، الذي أراد التقرب من ليني وهو في مثل سنه، أبدى لطفاً زائداً عن حده.

"بما أن ليني قصير القامة، سأتولى أنا بناء الطبقات الأعلى هنا!"

"……."

كانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها أن ليني يمكنه أن يغضب بملامح خالية من التعابير.

ولطالما كان الغضب الهادئ هو الأكثر إخافةً على الإطلاق.

*

رغم الفوضى القصيرة، نجحتُ في المصالحة بين الأطفال وجعلهم يلعبون بسلام بطريقتي الخاصة.

ثم في منتصف النهار، وصلنا طرد بريدي فتسنى لي التناوب مع الراهبة.

كانت محتويات الطرد عبارة عن أدوات طهي طلبتها عبر تطبيق 'مانيتو' الليلة الماضية قبل النوم.

بينما كنتُ أفتح الطرد في جانب من غرفة المعيشة، أطلت الراهبة بنظرات تملؤها الفضول. ابتسمتُ قليلاً عند رؤيتها وشرحتُ لها الأمر.

"طقم أدوات الطهي هذا هو نفسه الذي أستخدمه في المنزل، وبما أن جودته جيدة، فكرتُ أنه سيكون من الجيد وجود طقم مماثل في الكنيسة فاشتريته."

وشعرتُ بسعادة الراهبة الهادئة عند سماع كلماتي الإضافية تلك.

فالأدوات الموجودة في الكنيسة كانت بسيطة وبدائية بطبيعتها.

"وأيضاً، بما أنني مقيم في الكنيسة، أردتُ أن أقدم لكم وجبة من طبخي ولو لمرة واحدة، ولأن استخدام أدوات اعتادت عليها يدي سيمنعني من ارتكاب الأخطاء."

إضافة هذه الملاحظات دون أن تسأل الراهبة كان بمثابة عذر أقدمه لنفسي.

لا، بل أعتقد أنني كنتُ أستطيع الطهي بشكل لا بأس به بدونها.

لكن بما أن العدد كبير، فإن الفشل لمرة واحدة سيكبدنا خسارة كبيرة، لذا كان خياراً لا مفر منه. حقاً، اشتريتها لأنه لا مفر من ذلك.

"يا إلهي، هذا..."

"آه، هذه مريلة طبخ. رأيتها في التخفيضات فطلبتُ عدة قطع، هل أعجبتكِ؟"

مراعاة لاستخدام الراهبات، طلبتُ عدة مريلات مزينة بنقوش الزهور.

"نعم، إنها زاهية وجميلة جداً. شكراً لك."

رغم أن الراهبات عادة يرفضن الهدايا الباهظة بأدب، إلا أن هذا القدر سيكون مقبولاً.

"واو، إنها جميلة! أريد ارتداء المريلة أنا أيضاً."

رَمَت جينيفر المشط البلاستيكي وأمسكت بطرف تنورة الراهبة متوسلة.

طوت الراهبة المريلة إلى النصف وربطتها حول جينيفر بحبلها، وفجأة أدركتُ أمراً قد غفلتُ عنه.

لقد نسيتُ تماماً أنه يتعين عليّ استخدام المريلة أنا أيضاً أثناء إقامتي هنا.

على الأقل، ربما تكون المريلة ذات نقوش الزهور الزرقاء الفاتحة مناسبة لي قليلاً…….

بعد أن أفرغتُ جميع الأمتعة في المطبخ وأنا أدندن لحناً، وصلت هذه المرة ماكينة الخياطة.

"هناك ماكينة خياطة في الكنيسة أيضاً……."

آه، هذه المرة طلبتها حقاً لأنني شعرتُ أن مهاراتي لن تسعفني بدونها.

أخفيتُ مشاعري الحقيقية هذه المرة أيضاً ومزحتُ قائلاً

"أنا أستخدم ماكينة الخياطة هذه في المنزل عندما أصلح ملابس الأطفال، وقد وجدتها متينة وتؤدي وظيفتها بشكل جيد."

"هل هذا صحيح؟"

"نعم. لقد طلبتها خلال إقامتي هنا كي أصنع أغطية وملابس للأطفال، لذا أرجو قبولها دون أي حرج أو شعور بالعبء."

بما أن الأمر يتعلق بالأطفال، هزت الراهبة رأسها موافقة هذه المرة أيضاً.

ومع ذلك، يبدو أن سعادتها الخفية لم تكن مجرد وهم من مخيلتي.

"ولكن يا عمي، ما هذا؟"

سألت جينيفر وهي تشير إلى الصناديق الكبيرة التي وصلت مع ماكينة الخياطة.

كانت المحتويات بالطبع عبارة عن أقمشة متنوعة اشتريتها لاستخدامها مع ماكينة الخياطة.

لكن القول بـ ‘إنها هدية لكِ’ لن يكون عادلاً لشيرلي وماكس فقط، بل وسيكون أسلوباً خالياً من المتعة أيضاً، أليس كذلك؟

قررتُ إغاظة جينيفر قليلاً.

"لن أخبركِ ما لم تناديني 'عمي' (سامتشون)."

"……."

بعد لحظات قصيرة، فهمت جينيفر كلامي وانفجرت ضاحكة، كأن الأمر مضحك للغاية.

عندما أمسكتُ بالطفلة التي كادت تسقط للخلف من شدة الضحك، أشارت جينيفر إلى الصندوق وسألت بثقة مجدداً.

"سا-آ-آم-تشو-أو-ون، ما هذا؟"

"شيء جميل جداً."

عند سماع عبارة ‘شيء جميل جداً’، أبدت شيرلي فضولها هي الأخرى.

ولم أتردد أكثر من ذلك، ففتحتُ الصندوق أمامهم.

وبما أن القماش الذي اخترته خصيصاً لـ جينيفر كان في الأعلى، أخرجته ونشرته واسعاً.

"وااااو!"

عند نشر قماش الشيفون الوردي الفاتح المليء بالنجوم والأهلة الذهبية الصغار بحجم ظفر الأطفال، انطلقت صرخات الإعجاب والذهول من الأطفال.

"إنه جميل! متلألئ!"

"يبدو كفستان الأميرة……."

كان عليّ مراقبة ردة فعل جينيفر أكثر من أي شخص آخر، ولحسن الحظ، لم يعجب القماش الطفلة فحسب، بل بدا وكأنها وقعت في حبه.

حتى الأولاد توقفوا عن بناء المكعبات وأتوا للاستطلاع والمشاهدة.

"عمي، هل ستصنع فستان أميرة بهذا؟"

لا، لم أفكر في ذلك إطلاقاً…….

ولكن بالنظر إلى جينيفر وشيرلي اللتين تنظران إليّ بأعين متلألئة، شعرتُ أنه حتى لو لم أصنع فستاناً، فإنه يتوجب عليّ صنع تنورة على الأقل.

لكن شرح كل شيء للأطفال والتفصيل فيه في ظل عدم وجود أي شيء جاهز بعد يعتبر تصرفاً غير حكيم.

"هذا سر."

عندما قلتُ ذلك بملامح تحمل معاني خفية، ارتسمت على وجوه الأطفال تعابير ذهول للحظة، ثم سرعان ما انفجروا جميعاً بالضحك.

"هذه قسوة!"

"يا لك من طماع!"

أنا أفهم القسوة، لكنني لا أعلم لماذا أصبحتُ ‘طماعاً’ بالضبط.

عندما نشرتُ الشيفون الأبيض والشيفون السماوي الفاتح اللذين كانا أسفل القماش الوردي بالتتابع، سعد الأطفال كثيراً.

رغم أن الأقمشة جميلة، إلا أنني تساءلتُ هل تتطلب كل هذه السعادة حقاً؟

تأملتُ تلك الوجوه المحبوبة واحداً تلو الآخر، ثم جمعتُ كل الأقمشة مثل الشخص الطماع وأعدتها إلى الصندوق.

"الآن هي ملك لي. إذا لعبتم جيداً واستمعتم لكلام الراهبة، فسأعطيكم إياها كهدية لاحقاً."

"نعم!"

ورغم إجابتهم، إلا أنهم لم يستطيعوا إخفاء مشاعر الخيبة، فقدمتُ لهم ظرفاً يحتوي على بقايا أقمشة أرسلها المتجر كخدمة مجانية.

"هل تودون اللعب بهذه مؤقتاً؟"

تسلمت جينيفر وشيرلي الظرف الذي يحتوي على مزيج من الأقمشة المختلفة بما فيها الشيفون الذي عرضته للتو، فارتسمت على وجوههما تعابير وكأنهما حصلتا على سبائك ذهبية.

أما الأولاد، فقد أخذ كل واحد منهم قماشاً مطبوعاً أعجبه وعلّقه على برج المكعبات.

وعندما علقوا الأقمشة الحمراء والزرقاء بطول البرج، بدا الأمر تماماً كالشعارات والأعلام.

"إنها قلعة يخرج منها التنين!"

حتى بقطعة قماش صغيرة، كان هؤلاء الأطفال قادرين على تخيل حكاية خرافية يظهر فيها التنين والفرسان واللعب بها.

دعوتُ كاساندرا لنقل ماكينة الخياطة والأقمشة معاً إلى الغرفة الفارغة في الطابق الثاني وإعدادها وتصوير تلك العملية.

ويبدو أن مشاعر الفتيات الصغيرات تظل كما هي حتى بعد الكبر؛ إذ بدت كاساندرا متحمسة تماماً كالصغيرات وهي تتطلع إلى أقمشة الشيفون.

"ماذا ستصنع بهذه الأقمشة الجميلة؟"

"سأصنع مظلات سرير لأسرة الأطفال."

الليلة الماضية، بينما كنتُ مستلقياً بين ابنيّ الصغيرين، فكرتُ في هذا الأمر

في الليالي الموحشة التي يستلقي فيها طفل لا يزال بحاجة إلى الرعاية بمفرده، لا يكفي أن نقول له إنه بخير؛ إذ لا يمكن أن يكون بخير حقًا إذا غاب الدفء الذي يفترض أن يكون إلى جواره.

عندما تتراكم أكثر أوقات اليوم وحشة، فمهما كان الطفل مشرقاً، فلا بد أن يظل جانب من قلبه مظلماً وموحشاً.

ولذلك، أردتُ ملء ذلك الوقت وإضاءته.

إذا كانوا يتخيلون التنين بقطعة قماش واحدة، ألن يتخيلوا تخيلات أكثر روعة وجمالاً إذا وضعتُ لهم مظلة سرير؟

"غرف الأطفال حالياً ذات أرضيات خشبية وجدران بيضاء فقط، إنها بسيطة ومملة للغاية."

بالطبع هي نظيفة ومرتبة، لكن أليست هذه غرف أطفال على أي حال؟

عندما كنتُ هنا في الماضي، كان المبدأ السائد هو تعليم الأطفال روح التواضع والإيمان الصادق.

لكن بالنظر إلى الراهبات اللاتي يعتنين بالأطفال الآن، أجد أنهن يمنحن الأولوية لسعادة الأطفال وراحتهم.

ولذلك فكرتُ في الأمر بجدية؛ وبما أن الغرف صغيرة ولا يمكن تغيير هيكلها، جعلتُ هدفي جعل المساحة المتاحة أكثر دفئاً وأريحية.

وعندما تساءلتُ عن أكثر الديكورات فاعلية لتحقيق ذلك، خطرت ببالي مظلات السرير.

لكن المظلات المتاحة للتركيب فوق الأسرة الحالية إما أن أحجامها لم تعجبني، أو أن تصاميمها كانت مخصصة للفتيات فقط بشكل مفرط.

وحتى عندما أجد شيئاً مقبولاً، لا تعجبني جودته مقارنة بسعره…….

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين سينضمون إلى دار الرعاية لاحقاً سيشعرون بالإقصاء إذا لم تكن لديهم مظلات أيضاً.

وبما أنه يتوجب عليّ صنعها لجميع أسرة الأطفال هنا، كان عليّ مراعاة الجانب المالي والتكلفة أيضاً.

وهكذا، تصفحتُ أفكار الديكور المعتمدة على الخياطة والتصنيع الذاتي، ووجدتُ الطريقة الأكثر ملاءمة.

كانت خطتي أن أخيط ستائر من قماش يسمح لضوء المصابيح الصغيرة التي يتركها الأطفال مضاءة كل ليلة بأن يتسلل عبره، فيغمر المكان بإضاءة ناعمة، ثم أثبتها على قضبان تحيط بالسرير

"لقد راعيتُ أموراً عديدة؛ يجب أن تكون سهلة الصيانة والتنظيف أولاً، وكما يمكن تغيير الستائر وفقاً لتغير أذواق الأطفال مع نموهم……."

تركيب الستائر يعطي نتيجة مماثلة للمظلات، لكنه أسهل في الصيانة من المظلات ذات الأسقف، كما يمكن تعليق ستائر جديدة في كل فصل لتجديد جو الغرفة.

ولم أكتفِ بالمظلات، بل خططت أيضًا لصنع غطاء كبير يعلق على الجدار بجانب السرير، وسجادة ناعمة توحي وكأنها طريق يخرج من إحدى القصص الخيالية، على أن تكون جميعها مناسبة لذوق كل طفل

"…… وقبل كل شيء، أردتُ تنمية خيال الأطفال وإثراء تفكيرهم."

فمن منا لم يحلم، وهو طفل، بأن يُدعى إلى عالم يشبه الحكايات

وأمام الراهبات والكاهن، شعرت بالحرج من الإفصاح عن هذه الرغبة، فظللت أكبتها طويلًا… لكنها خرجت أخيرًا، وبدأت أشغل ماكينة الخياطة بلا توقف

أتمنى أن يصبح الأطفال أبطالاً للحكايات الخيالية في كل ليلة ينامون فيها.

ولكي يظل هذا المنزل في ذاكرتهم ليس كالمكان الذي يذكرهم بأنهم أطفال منبوذون، بل كالمكان الذي ملأ طفولتهم بالألوان الزاهية والمحبة الدافئة.

2026/08/06 · 24 مشاهدة · 1739 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026