اليوم الأخير في الكنيسة.
استيقظتُ اليوم أيضاً وأنا محشور بين الطفلين.
فقد اقترحتُ على الطفلين قبل بضعة أيام أن ينام كل منهما في سريره الخاص، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً على الإطلاق.
لوكا، عندما كنتُ أضعه على السرير، كان ينزلق هابطاً بمؤخرته مجدداً، وليني عندما كان يرى ذلك المنظر، كان يلف جسده بالغطاء ويدحرج نفسه للأسفل.
“…….”
شعرتُ بثقل جسديهما يضغط عليّ، فرفعتُ رأسي قليلاً للتحقق.
على الجانب الأيمن، كان ليني ينام واضعاً ذراعه ورجله على بطني وكأنه يعانق وسادة طويلة، وعلى الجانب الأيسر، استطعت رؤية باطن قدمي لوكا.
كيف نام طفلي الثاني يا ترى حتى استلقى مقلوباً بهذا الشكل؟
نظرت إلى نمط القلب الذي لا يزال باديًا بخفة على باطن قدمه وأنا أرمش بعيني للحظة، ثم قمتُ من مكاني بحذر.
"……."
آه... أريد العودة إلى المنزل.
كان الأطفال في دار الرعاية لطيفين، وشيرلي وماكس اللذان زارانا بالأمس مجدداً كانا لطيفين أيضاً، والراهبة ماريسا كانت طيبة وحنونة…….
أجل، كل شيء كان جيدًا حقًا، لكنني أردتُ العودة إلى المنزل الآن.
منذ الأمس بدأتُ أفكر في المنزل بكثرة، واليوم فور فتح عينيّ شعرتُ برغبة شديدة في العودة إلى المنزل.
الاستحمام غير مريح، والغسيل يتراكم، ومكان النوم غير مريح، وأردتُ وضع كلا الطفلين في حوض الاستحمام وتنظيفهما بعناية ودقة.
وليس هذا فحسب.
يتوجب عليّ تنظيف المنزل، وتغيير أغطية الأسرة والستائر لتناسب الموسم، وبما أنني لم أورد الحلويات إلى مقهى السيد جيمس لمدة أسبوع، فيتوجب عليّ استئناف ذلك مجدداً…….
ومهما اختلقتُ من أعذار ومبررات، كانت النتيجة واحدة. أنا فقط، أرغب في العودة إلى المنزل!
"يا للهول..."
أطلقت تنهيدة خفيفة، وأخذتُ ملابسي بحذر كي لا يستيقظ الأطفال، ثم غادرتُ الغرفة للاغتسال.
مشيتُ بخطوات هادئة وسريعة في الممر الذي تسوده البرودة دون إحداث صوت، ودخلتُ الحمام.
أغلقتُ الباب واستحممت سريعاً، ثم عدتُ إلى الغرفة.
جلستُ على الأرض وجففتُ شعري بالمنشفة بشكل عشوائي، فبدأ وعيي يسترد نشاطه قليلاً.
هل يقولون إن الأفكار السيئة تذوب في الماء؟ بعد الاغتسال، بدا أن التوتر الناجم عن الابتعاد عن المنزل لفترة طويلة قد خف قليلاً.
فبمجرد التفكير فيما أنجزتُه خلال الأسبوع الماضي، شعرتُ بالفخر والرضا بالفعل.
علاوة على ذلك، لم يتبقَ في جدول اليوم سوى أمر واحد فقط، ولذا سأتمكن من قضاء اليوم براحة أثناء اللعب مع الأطفال.
نزلت إلى الطابق الأول بقلب أخف بكثير.
ساعدتُ الراهبة في إعداد الإفطار، وأيقظتُ الأطفال وغسلتُ وجوههم وألبستهم ملابسهم وأطعمتهم.
روتين يومي، لا يحتوي على شيء خاص.
والسبب في أن هذا الروتين يبعث على الشغف والإنجاز هو هؤلاء الأطفال الذين يأكلون وينامون ويكبرون بسرعة كل يوم.
تجمع الأطفال الذين أكلوا إفطاراً مشبعاً وجلسوا معاً في غرفة المعيشة.
لم يكن الأطفال يلعبون فقط خلال عطلة الربيع.
بل كانوا مشغولين في أوقات الفراغ برسم كتب مصورة للمشاركة في المسابقة التي تنظمها "بيبليوفايل".
ربما أقام إيفان المسابقة لتتزامن مع عطلة الربيع ليمنح الأطفال وقتاً كافياً للرسم.
ولكن عندما وضعتُ لوكا إلى جوار الأطفال، نظر ليني إلى أخيه الصغير بملامح جادة.
"لوكا، أخوك الكبير مشغول اليوم، لذا عليك أن تلعب بمفردك."
"هاه."
"……."
نظر ليني إلى أخيه الصغير الذي أجاب ببراءة على كلام قد يدعو للحزن، وأبدى ملامح معقدة.
وكان الشخص الذي يمكن للطفل الأكبر طلب المساعدة منه هو أنا بالطبع.
نظر ليني إليّ فجأة وسألني
"بابا، ليس لديك عمل اليوم، أليس كذلك؟"
"……."
لا، نعم، صحيح أنه ليس لديّ عمل، لكن…….
أطلقت ضحكة مكتومة أمام هذه الكلمات التي تبعث على شعور غريب، وجلستُ إلى جوار لوكا.
"سيرافق بابا لوكا ويلعب معه اليوم، لذا لا تقلق وافعل ما عليك يا ليني."
"نعم!"
أجاب ليني بسعادة وكأنه أزاح هماً كبيراً عن كاهله.
ثم التفت إلى الاتجاه الذي يراني فيه ونقل مكانه، وفتح كتاباً مصوراً كبيراً ليحجب رؤيتي.
يبدو أن محتوى الكتاب المصور لا يزال سراً على والده.
أثناء رؤية طفل في الرابعة وآخر في السادسة يظهران أقصى درجات التركيز التي يمكن لكل منهما إظهارها، حملتُ لوكا بين ذراعيّ واتجهتُ إلى الطابق الثاني.
"لوكا، لنصعد مع بابا إلى الطابق الثاني وننظف."
"هاه."
أجاب لوكا وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، إذ كان يفرح أكثر كلما اعتنى به والده بشكل خاص مهما كان الأمر.
وضعتُه على السرير الذي لم يُستخدم خلال الأسبوع الماضي، وفتحتُ النافذة على وسعها أولاً.
"لقد أصبح الجو يشبه الربيع تماماً يا لوكا. نسيم الصباح ليس بارداً بل منعش."
"هاه."
يبدو أن النسيم المنعش وأشعة شمس الصباح المندفعة إلى الغرفة جلبتا السعادة لـ لوكا، فأجاب وهو يحرك قدميه ببهجة.
ومع ذلك، تحسباً لأي طارئ، لففتُ بطانية حول جسد لوكا وأعطيته وسادة، ثم بدأتُ في ترتيب الغرفة.
رتبت أغطية الأسرة أولاً. وقفتُ عند حافة النافذة ومددتُ جسدي إلى الخارج لنفض الغطاء وطيّه كي لا يدخل الغبار إلى الداخل.
طويتُ المرتبة ذات الأجزاء الثلاثة وحزمتها في الغطاء الذي جاء معها، فما كان من لوكا إلا أن أصدر ضحكات مبهجة وكأن الأمر ممتع جداً بالنسبة له.
"لوكا، ما الممتع إلى هذا الحد؟ هل طي المرتبة ممتع؟"
"كيااك!"
يا إلهي، أذنا بابا ستتأذيان من الصوت.
بعد إبعاد غطاء المرتبة، رتبتُ أغطية سرير ليني أيضاً، وجلبتُ الحقيبة إلى منتصف الغرفة وحزمتُ الأمتعة.
ومع جمع الأمتعة التي جلبتُها من المنزل وخمس أو ست زجاجات مربى أهدتها الراهبة، بالإضافة إلى مسدس التفتينغ والمستلزمات الأخرى، أصبحت الأمتعة بحجم شاحنة كاملة.
ورغم أنني تركتُ ماكينة الخياطة والقماش المتبقي كهدية، إلا أن أمتعة كثيرة خرجت من ورشة العمل المؤقتة.
بينما كنتُ أحزم الأمتعة بنشاط، تحدث لوكا معي
"موانغ مو!"
"أجل، بابا يحزم الأمتعة الآن. لوكا سعيد لأنه سيعود إلى المنزل أيضاً، أليس كذلك؟"
نظرت إلى لوكا الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة، فاندفعت رغبة المزاح في نفسي.
"علينا حزم لوكا أيضاً. هيا، لنحزم لوكا."
وضعتُه داخل حقيبة السفر الكبيرة، وقد ناسب الحقيبة تماماً.
بينما كنتُ ألتقط صوراً للوكا وأنا اضحك بخفة، ظهرت كاساندرا التي لم أعلم متى وصلت إلى العمل، وأبدت ملامح استنكار و قالت بتوبيخ
"يا إلهي، لم تخرج المقولة التي تقول 'لا تتركوا الأطفال مع الآباء' من فراغ أبداً."
"كيف تقولين كلاماً كهذا."
وبمناسبة ظهور كاساندرا، سلمتها لوكا ورتبتُ السرير الذي كان يجلس عليه لوكا أيضاً.
"ولكن، إن كنتُ سأغادر اليوم، فهل يتعين على كاساندرا المجيء والتصوير كل يوم كما هي العادة؟"
حملت كاساندرا لوكا بمهارة ولاعبت الطفل، ثم هزت رأسها
"أعتقد أن المجيء مرة أو مرتين في الأسبوع لتصوير مجريات العمل سيكون كافياً. فعلى أي حال، قناتنا تعرض إنجازات جون ونشاطاته بشكل أكبر."
"هذا صحيح. إذن يمكننا التصوير عندما نُحضر ليني إلى الكنيسة."
بينما كانت كاساندرا تعتني بـ لوكا، قمتُ بنقل الأمتعة بنشاط وحملتها في صندوق السيارة.
رغم أن حجمها كان كبيراً نوعاً ما، إلا أنها لم تكن ثقيلة، لحسن الحظ.
وبعد مرور ساعتين تقريباً على ذلك النحو، دعتنا الراهبة ماريسا جميعا
"هيا، حان وقت الوجبة الخفيفة."
وعند سماع نداء الراهبة، قام الأطفال الذين كانوا ينهمكون في رسم الكتب المصورة حتى ذلك الحين من أماكنهم بانتظام وركضوا نحوها.
من يراكم سيظن أنكم تتضورون جوعاً يا أطفال.
أطلقت ضحكة مكتومة وحملتُ لوكا وتبعتهم إلى الداخل.
جلس الأطفال جنباً إلى جنب حول الطاولة في لحظات، ممسكين بالكعك في يد وبكوب الحليب في اليد الأخرى.
"انتهت عطلة الربيع!"
تنهدت جينيفر وهي تقضم رقائق الشوكولاتة فقط من الكعكة بحذر.
"لكنني أحب الذهاب إلى المدرسة أيضاً."
"وأنا كذلك. أريد رؤية أصدقائي."
تبادل الأطفال أطراف الحديث بحيوية وأكلوا الكعك والحليب بشهية.
جهّزت الراهبة وجبة خفيفة يمكن لـ لوكا تناولها أيضاً، ثم قدمت لي طبقاً من الكعك.
"هل هناك وجبة خفيفة خاصة بي أيضاً؟"
ابتسمت الراهبة ابتسامة مشرقة، وحملت الطبق الذي يحتوي على باقي الكعك واتجهت نحو الخارج.
يبدو أنها تُعده من أجل الأشخاص الموجودين في الملعب.
قرمشة.
كان الكعك الذي أعطتني إياه الراهبة كعك القرفة، وكان لذيذاً جداً.
كان يشبه كعك الزنجبيل الذي نأكله في عيد الميلاد، لكن طعمه كان أكثر نقاءً وصفاءً بكثير.
بينما كنتُ أفكر في سؤالها عن الوصفة لاحقاً وأخذتُ الكعكة الثانية، ناداني لوكا
"بابا! كاكا."
ورغم أن لوكا كان يمسك بوجبته الخفيفة، إلا أنه مد يده نحو كعكتي.
"لا، هذه لـ بابا."
هززتُ رأسي ولم أعطه الكعكة، فما كان من لوكا إلا أن مد شفتيه إلى الأمام بوضوح.
ثم ضغط على فمي بكفه المتبقية. فاندلعت الضحكات مني.
"لن يعجب طعمها لوكا. لأنها كعكة للكبار."
لكن عناد لوكا كان صلباً، وواصل الإشارة إلى كعكتي بإصبعه.
"لماذا أنت مهووس بهذه الكعكة بالذات؟ ستندم إن أكلتَ لقمة منها."
ولم يكن أمامي خيار سوى كسر قطعة صغيرة من كعك القرفة ووضعها في فم لوكا.
“…… تـف.”
وكما هو متوقع، بصقها لوكا على الفور ورفع حاجبه الأيسر.
ونظر إلى كعكة القرفة الملقاة على الطاولة وكأنه شخص تعرض للاحتيال.
ولم أستطع التحمل في النهاية كتم ضحكتي. ولهذا السبب، لماذا لا تستمع لكلام بابا؟
وبعد رؤية لوكا يبصق الكعكة، اندفع باقي الأطفال بدافع الفضول، وقسمنا كعكة واحدة بين الثلاثة ووضعوها في أفواههم.
وضعوا الكعكة في أفواههم بشجاعة وظلوا يمضغونها بجد. ثم بلعوها جميعاً بملامح حائرة وغير مفهومة.
وكان توني الأكثر صراحة.
"واو، طعمها سيء جداً حقاً!"
"عمي المسكين."
بابا، هل أنت بخير؟"
أبدت جينيفر شفقتها عليّ، واعتنى ليني بمشاعري.
يا بني، هل يؤلمك قلبك عندما تأكل شيئاً غير لذيذ؟
وبعد انتهاء وقت الوجبة الخفيفة القصير، تجمع الأطفال مجدداً أمام طاولة القهوة في غرفة المعيشة بملامح مركزة.
وبدا أنهم انتهوا تقريباً ويقومون باللمسات الأخيرة.
"هل الجميع جاهزون؟ هل انتهيتم من الرسم؟"
"نعم!"
"أنا لم أنتهِ بعد!"
أخذتُ كراسة الرسم الخاصة بـ جينيفر، التي أجابت بصوت عالٍ أنها جاهزة، ووضعتها في ظرف وكتبتُ الاسم على الغلاف الخارجي.
"الآن، يمكننا أخذ هذا والذهاب إلى مكتب البريد لإرساله إلى مكتبة الكتب."
هزت جينيفر رأسها بملامح مفعمة بالحماس، وقالت إنها ستغير ملابسها إلى ملابس أجمل وتأتي، ثم أمسكت بيد الراهبة واتجهت إلى الطابق الثاني.
وبينما كانت جينيفر تغير ملابسها وتنزل، أنهى ليني وتوني أعمالهما أيضاً.
أركبتُ الأطفال الثلاثة ولوكا، الذين كان كل منهم يعانق الظرف الذي يحتوي على كراسته الخاصة كشيء ثمين، في السيارة واتجهنا إلى مكتب البريد القريب.
كان منظر الأطفال الثلاثة وهم يقفون جنباً إلى جنب ممسكين بظروف تماثل حجم أجسادهم لطيفاً جداً، فالتقطتُ صوراً لهم وأنا أنتظر دوري.
وبعد إرسال البريد كبريد مسجل وفقاً لإرشادات الموظف اللطيف، أعدتُ الأطفال المفعمين بالحماس والنشاط إلى الكنيسة.
وكان التوقف عند متجر المثلجات في طريق العودة لتناول المثلجات بناءً على رغبة توني سرّاً مكتوماً عن الراهبات.
في اليوم التالي لعودتي إلى المنزل، أصبتُ بوعكة صحية خفيفة.
ورغم أنني أتأوه من الألم، إلا أن المنزل كان رائعاً حقاً بعد كل شيء.
كان قضاء آخر أيام عطلة الربيع في اللعب والأكل مع الأطفال أمراً ممتعاً للغاية.
وكان أكثر شيء ممتع يمكنني القيام به أثناء اللعب في المنزل هو التسوق عبر الإنترنت بالطبع.
وعندما كنت أنظر إلى الجهاز اللوحي لفترة طويلة، كان ليني، الذي يعلم أنني أشتري شيئاً ما، يأتي ويركض للجلوس إلى جواري، ثم يتعلق بقطعة أزياء جديدة.
وكان الشيء الذي جذب انتباه الطفل هو رقع التطريز.
وكان خطئي أنني جعلتُه يشاهد موقع التسوق أثناء اختيار رقع تطريز على شكل نجوم أثناء تسوق المستلزمات.
واختار ليني بملامح مفعمة بالحماس ما يعجبه من بين العديد من الرقع العشوائية.
واختلطت الرقع التي تتطلب التثبيت بالحرارة وتلك التي تتطلب الخياطة اليدوية بشكل عشوائي.
ورغم أن الأمر كان يتطلب جهداً أكبر مما ظننت، إلا أن عيني ليني كانتا تتألقان بشدة فلم أستطع الرفض.
وهكذا، بعد بضعة أيام من بدء الفصل الدراسي الجديد، وفي اليوم الذي وصلت فيه رقع التطريز إلى المنزل.
"بابا، بابا! على هذا البنطال نضع هذا، وهذا، وعلى القميص نضع هذا……."
وضع ليني رقع التطريز التي اختارها بنشاط على ملابسه.
وأراد تثبيت خمس أو ست نجوم صغيرة متناثرة على كلا الساقين، وتثبيت رقعتي القمر والغيوم عند حافة القميص العلوية.
"بمجرد تثبيتها سيكون من الصعب إزالتها. هل أنت متأكد؟"
"أجل! لأنها ستكون جميلة مهما وضعناها!"
حسنًا… من الجيد أنه ليس من النوع الذي يصر على أن تكون كل زاوية وكل تفصيلة مثالية