"لقد عدنا! إنه المنزل!"
عبر النافذة الواسعة، دخلت أضواء شمس الربيع ونسائمه اللطيفة داخل المنزل بكثرة.
وكأن ليني أصبح كياناً واحداً مع فصل الربيع، إذ ظل يضحك ويبتسم طوال طريق العودة بمجرد النطق بأي كلمة.
"ميـ! ماا!"
وبالطبع، كان لوكا، الذي يقلد أخاه الأكبر في كل شيء، يبدو في حالة مزاجية جيدة هو الآخر.
وبعد أن غسلتُ أيدي وأقدام الطفلين وألبستهما ملابس مريحة، بدأتُ في إعداد وجبة العشاء على عجل.
وكانت الأطباق المجهزة اليوم هي الدجاج المشوي، وغراتان البطاطس، وسلطة تحتوي على أنواع مختلفة من الفواكه.
في الحقيقة، وبما أنني أعددتُ كل شيء مسبقاً، فلم يكن أمامي سوى وضع الطعام في الفرن وإعداد الطاولة.
دينغ دونغ.
وعند سماع صوت رنين جرس الباب الأمامي، مسحتُ يديّ في المئزر وفتحتُ الباب.
"مرحبًا!"
انحنى الوجهان اللذان لم أرهما منذ فترة طويلة برأسيهما والقيا التحية بحرارة.
"أجل، أهلاً بكما. لقد مضى وقت طويل."
"أخي سونغ جون!"
ركض ليني بحماس، ولوّح سونغ جون بيده بسعادة هو الآخر.
"ليني! وأنت أيها الصغير، مرحباً!"
ولكن، ألا تلتقيان في المدرسة باستمرار؟
ورغم أنني لم أرهما منذ نحو شهر، إلا أنه يبدو أن طول سونغ جون قد زاد بضعة سنتيمترات مقارنة بآخر مرة رأيته فيها.
وأما سونغ جين فـ…….
"تبدو خائر القوى. هل حدث شيء شاق في المدرسة؟"
"لا، الأمر يتعلق فقط بكون الحياة شاقة وصعبة."
"همم……."
لم يكن بإمكاني إجابة ‘فهمتُ ذلك’، كما لم يكن بإمكاني القول ‘ما الذي يجعل الحياة شاقة على طالب في المرحلة المتوسطة؟’. فالحياة تكون ثقيلة وشاقة على كل شخص حسب عمره ومرحلته.
ويبدو أن الأمر يعود لكونه يمر بمرحلة المراهقة الآن. أو ربما لم يجرِ محادثة جيدة مع والديه في كوريا خلال عطلة الربيع……؟
ومع ذلك، فإن الجو العام المحيط به كان يشغل بالي ولم أستطع تجاوز الأمر بضحكة خفيفة.
فرغم أنه كان يتحدث بنبرة مازحة وبابتسامة، إلا أن كتفيه المتدليتين جعلتاه يبدو فاقداً للحيوية تماماً.
"على أي حال، ادخلا واغسلا أيديكما لتتناولا الطعام أولاً"
"نعم!"
وبما أن الأخوين زارا المكان من قبل، فقد علقا معاطفهما وحقائبهما في أماكنهما المخصصة، وخرجا من الحمام بعد غسل أيديهما.
وحتى إن سونغ جين قام بإجلاس لوكا وليني على الكرسيين بينما كنتُ أنهي إعداد الطعام.
"يبدو أن الصغير قد كبر كثيراً في هذه الأثناء. إنه ثقيل الوزن نوعاً ما الآن."
"بالتأكيد، فالأطفال يكبرون يوماً بعد يوم في هذه المرحلة."
ومع تلك الكلمات، حبستُ ضحكة كادت تخرج مني. فلكي تتغير ملامح وجهه التي خيم عليها الظل طوال الوقت، يتضح أن لوكا كان ثقيلاً حقاً.
مر وقت تناول الطعام بسلاسة.
ورغم أن وجه أخيه الأكبر كان مظلماً، إلا أنه لم يتبين ما إذا كان سونغ جون يعلم بذلك أم لا، إذ لم يختلف تصرفه عن المعتاد كثيراً.
بل إنه ركض نحو حقيبته بعد الانتهاء من تناول الطعام وأخرج ثلاث علب هدايا صغيرة قائلاً إن لديه هدايا اشتراها من كوريا.
وكانت الهدايا التي جلبها الطفلان من كوريا من أجل لوكا وليني عبارة عن حمالات مفاتيح على شكل دمية شخصية مشهورة في كوريا.
"واااه، إنه ديناصور صغير! إنه لطيف!"
"أليس كذلك؟ لم أعطها لكَ في المدرسة خوفاً من أن يشعر أصدقاؤك بالغيرة. لأنني لم أشترِ سوى قطعتين فقط!"
"شكراً لك يا أخي!"
وأبدى لوكا هو الآخر اهتماماً بحمالة المفاتيح الضخمة ذات الدمية المحشوة.
"هل أعددتَ شيئاً من أجلي أنا أيضاً؟ لم يكن هناك داعٍ لذلك."
"أوه، لا يمكنني فعل ذلك بالطبع! لقد اخترتُها وأنا أفكر فيك يا عمي!"
وبعد أن أصبحتُ عمًا لـ سونغ جون دون أن أشعر، فتحت الغلاف بشعور طفيف من الترقب.
"……."
كانت حمالة مفاتيح على شكل مقلاة.
"بما أنك تطبخ ببراعة فائقة يا عمي، فقد اخترتُها وأنا أفكر في ذلك."
"أجل، شكراً لك. إنها فريدة وجميلة."
انفجرتُ بضحكة خفيفة.
وفكرتُ في كيف تصنع هذه الأشياء الغريبة. ثم لماذا تتمتع بجودة عالية إلى هذا الحد؟
على أي حال، وبما أنني تلقيتُ الهدية، فكان يتوجب عليّ استخدامها في الحال، فقمتُ بتثبيت حمالة المفاتيح بمفتاح السيارة أمام عين الطفل.
ابتسم سونغ جين ابتسامة خفيفة، وتوجه سونغ جون بنظرات مليئة بالفخر نحو غرفة المعيشة برفقة الأطفال.
وربما بسبب القول السابق إن من يستلقي فور تناول الطعام يتحول إلى بقرة، فقد بدأ الأطفال، بعد الانتهاء من الوجبة وتحت قيادة سونغ جون كالعادة، في مشاهدة مقاطع يوتيوب وأداء حركات رقص بسيطة واللعب معاً.
"هل أعد لكَ بعض القهوة يا سونغ جين؟"
"نعم."
ورغم أنه كان من الواضح أنه سيشربها مع الكثير من السكر والحليب كالعادة، إلا أنني أظهرتُ بعض المهارة في إعداد القهوة رغم ذلك.
وفي الحقيقة، لم تكن تلك مهارة شخصية بقدر ما كانت استخداماً لحبوب القهوة وطقم أدوات القهوة المقطرة يدوياً الذي أهدتني إياه جين.
وضعت الماء في الغلاية وطحنتُ حبوب القهوة.
"تبدو محترفاً جداً يا هيونغ. وكأنك باريستا."
"لأن إحدى معارفي افتتحت مقهى مؤخراً. وأهدتني هذه الأدوات."
أومأ سيونغجين برأسه.
ورغم أنه بدا أفضل حالاً مقارنة بما قبل تناول الطعام، إلا أنه كان لا يزال يفتقد الحيوية.
"هل حدث شيء ما؟"
وبدلاً من تقديم مواساة في غير مكانها، شعرتُ أنه يتوجب عليّ الاستفسار عن الوضع بدقة أولاً، ولذا سألتُه، لكن سونغ جين لم يقدم إجابة.
وخفض رأسه بدافع الحرج والارتباك وظل ينظر إلى يديه فقط. وكانت كتفاه المنحنيتان إلى الداخل تبدوان وكأنهما تحملان حملاً ثقيلاً على ظهره.
ما الذي يجعل طفلاً في هذا العمر الصغير يشعر بالحرج والعبء الثقيل؟
وفكرتُ في أن المشكلة قد تكون أكثر خطورة مما توقعتُ، فألقيت نظرة خاطفة على الأطفال وهم يلعبون في غرفة المعيشة.
ورغم أنهم كانوا يلعبون بشكل جيد فيما بينهم وهم يشغلون أغنية أطفال مبهجة، إلا أن الوضع لم يكن يمنع الاستماع للحوار لو أراد أحدهم ذلك. ولذا قررتُ نقل مكان الجلوس بالكامل.
"لقد أصبح النهار طويلاً نوعاً ما الآن. وبما أن شمس الربيع لا تزال لطيفة، فهل نخرج إلى الشرفة؟"
تردد سونغ جين للحظة.
"إن كان الحديث صعباً عليكَ، فلا داعي لقول شيء. ولكن القهوة تكون ألذ وأطيب عند شربها في الشرفة."
"نعم."
أخذتُ صينية تحتوي على القهوة المقطرة حديثاً، والحليب الدافئ، والسكر، وخرجتُ بها إلى الشرفة.
وكانت الطاولة والكرسيان اللذان أعددتهما عندما دعوة فانيسا وميلو يؤديان دورهما جيداً مع ازدياد دفء الطقس.
ارتشفنا القهوة في صمت لبعض الوقت.
"……."
فمهما بلغت درجة القرب بين شخصين، لا يمكن التحدث في المواضيع الحساسة دون تردد.
ناهيك عن أننا، بعبارة أخرى، أصبحنا مقربين بسرعة ولم نمضِ وقتاً طويلاً معاً، ولذا قد يكون الصدق والمصارحة أمران صعبين.
ولكن من ناحية أخرى، أليست هناك أحاديث يسهل الخوض فيها عندما تكون بينكما مسافة معتدلة، أكثر مما لو كنتما قريبين جدًا؟
ولو كان سونغ جين في وضع لا يستطيع فيه إجراء حوار صادق ومفتوح حتى مع والديه، فسيصبح كمن لا يملك أي شخص بالغ يستند إليه أو يستشيره عند الشعور بالضيق والتعب.
ما الذي يتوجب عليّ فعله؟
هل أبدأ بسؤاله عما دار بينه وبين والديه بشأن الإقامة العائلية على الأقل؟
وعلى عكس مشاعري المعقدة في الداخل، تظاهرتُ بالهدوء واللامبالاة وأنا أشرب القهوة، ففتح سونغ جين فمه قائلاً بصوت خافت
"في الحقيقة، لديّ أخ أصغر آخر في كوريا. …… إنه طفل يعاني من نقص وضرر عقلي قليلاً."
كان موضوعاً لم يخطر ببالي على الإطلاق. وضعتُ فنجان القهوة جانباً بهدوء.
"ولهذا السبب قال والداي أنهما يفكران في الهجرة وأرسلانا أولاً. وفي الحقيقة، كنتُ أتوقع حدوث ذلك……."
"لقد تحدثا معك في هذا الأمر عندما ذهبتَ إلى كوريا هذه المرة إذاً."
"نعم. وبما أنني الابن الأكبر، فقد طلبا مني الاحتفاظ بالأمر لنفسي فقط."
ظل سونغ جين ممسكاً بفنجان القهوة بين يديه فقط، ونظر بنظرات فارغة وخالية نحو مقدمة حذائه تحت الطاولة الزجاجية.
"لكنني كنتُ أرغب في العيش في كوريا. لذلك سألتُهما إن كان بإمكانهما الذهاب إلى أمريكا برفقة أخي الأصغر فقط، من دوننا. لكنهما قالا لي في النهاية إن عليّ أن أعتني بأخي في المستقبل، فكيف كان بوسعي أن أقول مثل ذلك؟"
قائلين له إنه إذا توفيا قبله، فسيؤول إليه في النهاية عبء رعاية أخيه الأصغر.
…ورغم أن ذلك احتمال بعيد قد لا يتحقق إلا بعد سنوات طويلة، إلا أن الشعور بالمسؤولية كان يثقل كاهل طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
ولأنني اكتفيتُ بالإنصات إليه بهدوء، دون أن أقاطعه أو أطلق أي حكم، أخذ سونغ جين يختلس النظر إليّ، ثم بدأ يفرغ ما اختزن في صدره من كلمات ومشاعر، وكأنه لم يعد يحتمل كتمانها
"هذا يضايقني حقًا… فأنا أيضًا لدي حياتي الخاصة."
ومع ذلك، بدا سونغ جين متألماً ومثقلًا بالذنب رغم ما قاله.
أجل… ففي أعماقه، لم تكن تلك هي الكلمات التي أراد حقًا أن يقولها.
"وماذا لو كنتُ أنا أيضًا من يموت أولًا؟ هل سيقع كل العبء على عاتق سونغ جون حينها؟"
وسارع الطفل، الذي اغرورقت عيناه بالدموع دون أن يشعر، إلى إغماض عينيه وفتحهما بسرعة.
وكان بإمكاني أن أدرك بوضوح مقدار المعاناة والألم اللذين ظل يحملهما وحده طوال هذا الوقت
فمن منظور سونغ جين، كان الوالدان اللذان طالما تمنى أن يستند إليهما منشغلين تمامًا برعاية طفل آخر، بل انتهى به الأمر إلى أن يكون هو من يستندان إليه.
لم يعد الصراع داخل العائلات التي تضم فردًا من ذوي الاحتياجات الخاصة يبدو لي وكأنه قصة تخص الآخرين فحسب. وحتى لو استبعدتُ لوكا، فهل سأشعر بالأمر نفسه عندما يكبر ليني ويفهم حالة والدته جيداً؟ تملكني خوف عميق
في يوم ربيعي مشرق، كان هؤلاء الأطفال قادرين على أن يبتسموا ببراءة لمجرد رؤية الأزهار المتفتحة في الحديقة أو الطيور التي تحط على الأشجار ثم تعاود التحليق.
ولهذا، كان يعتصرني الحزن كلما فكرت في السبب الذي يجعل أطفالًا كهؤلاء يضطرون إلى حمل مثل هذه الهموم والآلام أثناء نموهم.
ولا شك أن سونغ جين حظي، قبل ولادة شقيقيه، بقدر كبير من حب والديه واهتمامهما
"في النهاية، ينتهي كل شيء بالموت… لذلك لا أفهم لماذا عليّ أن أتحمل كل هذا الألم، بينما تبدو السعادة بعيدة المنال"
أنهى كلماته وهو يهز كتفيه، وقد ارتسم عليه حزن عميق.
وكم كان مؤلمًا أن يفكر طفل لم تزهر حياته بعد في الرحيل والنهاية.
ورغم أنني لم أرد بكلمات خاصة، إلا أن سونغ جين استعاد هدوءه سريعاً.
فقد أفرغ مشاعره وانفعالاته في لحظة حزن، لكن سرعان ما بدا أنه ندم على ذلك.
فأخذ يختلس النظر إليّ بين حين وآخر، ثم يلتفت سريعًا إلى الخلف ليتأكد من أن الأطفال الآخرين لم يسمعوا الحديث، فإذا بهم ما زالوا منشغلين باللعب بمرح.
دفعتُ علبة المناديل نحوه لأوضح له أن الأمر على ما يرام، ومسحتُ على ظهره مرتين.
ثم تركتُ له بعض الوقت ليرتاح بمفرده وابتعدتُ بحجة إحضار مشروب جديد.
وفي غرفة المعيشة، كان الأطفال لا يزالون يلعبون ببهجة وسرور.
تجاوزتُ الأطفال وتوجهتُ إلى المطبخ لأرتب فناجين القهوة. وعندما نظرت نحو الشرفة مجدداً، رأيتُ سونغ جين الذي لم يستطع الحصول على المواساة حتى من أشعة الشمس الدافئة.
أطلقت تنهيدة لا إرادية.
فإن كان عقلي مشوشاً ومعقداً بمجرد الاستماع إلى القصة، فما هي الكلمات التي يمكنها تقديم المواساة لطفل يبدأ لتوه في التخلص من ملامح الطفولة؟
وإذا حاولتُ تقييم الوضع من منظور الكبار، فلربما لم تكن ظروف عائلة سونغ جين بائسة ومظلمة بقدر ما يشعر به الطفل. إذ يبدو أن العائلة تمتلك المال على الأقل.
ويتضح ذلك من ملابس الأطفال والأشياء التي يحملونها، ناهيك عن القدرة المالية التي سمحت لهم بزيارة كوريا خلال عطلة الربيع القصيرة، وإرسال أطفالهم للدراسة في هذه المنطقة التي تُعتبر حياً راقياً.
فلو كان هناك فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة وكانت العائلة فقيرة فوق ذلك، لكانت الحياة أضعافاً مضاعفة من المشقة والبؤس.
لكن مثل هذا الكلام لن يقدم أي مواساة على الإطلاق. فوجود المال في المنزل لا يعني بالضرورة زيادة السعادة فيه.
كان سونغ جين طفلًا ذكيًا على الرغم من صغر سنه، ولذلك لم يكن ليفعل أكثر من هز رأسه موافقًا على أي مواساة أقدمها له. ومع ذلك، هل بقيت هناك مواساة يمكن أن يقدمها الآخرون، ولم يكن قد فكر فيها وحده من قبل؟
وبالطبع، تتواجد أوقات يرغب فيها المرء في سماع أشياء يعلمها جيدا.
لكن أكثر ما يثير قلقي حالياً هو احتمال أن يغلق سونغ جين قلبه أمام الآخرين مع كبر سنه.
أن يتنقل من مكان لآخر ويساق دون إرادة منه، ويشعر وكأن مستقبله قد تم رهنه واقتطاعه بالفعل دون وجود مكان يستند إليه…….
"هااااه."
أطلقت تنهيدة قصيرة وخفيفة لن يسمعها الأطفال.
طخ.
أخرجت خلاطًا ثقيلًا وكبير السعة من الخزانة ووضعته على الطاولة.
أجل، لنطعمه شيئاً حلو المذاق أولاً. فأنا بحاجة إلى شيء حلو أيضاً.
أخرجتُ الزبادي والفراولة والقوالب الثلجية من الثلاجة.
وسيكون من الرائع وجود العسل وأوراق النعناع أيضاً.
فمهما كان القلق من الغد كبيراً، يتوجب عليّ إعلامه بأنه يستطيع شرب سموذي الزبادي بالفراولة المنعش والحلو تحت أشعة الشمس الربيعية الدافئة اليوم على الأقل.