وقفتُ مذهولاً في وسط غرفة المعيشة لبعض الوقت بعد إنهاء المكالمة الهاتفية.

وكان أول شعور انتابتني بعد إنهاء المكالمة هو الارتباك مع شعور خفيف بالخجل والحرَج.

فقد كنتُ أفكر قبل قليل فقط فيما إذا كنتُ سأصبح ثرياً هكذا.

وكان الأمر وكأن الواقع قد وجه إليّ صفعة على وجهي لاستعادة وعيي ورشدي.

ومع ذلك، فإن ما يدعو للارتياح هو أنني، وعلى عكس السابق، أمتلك الآن المال الذي يسمح لي بالانتقال إلى أي مكان إن أردت ذلك.

وكان الشعور التالي الذي انتابني بالطبع هو الحزن والخيبة.

“…….”

غرفة المعيشة التي تغمرها أشعة الشمس.

كان عليّ، وأنا أقف في وسط هذا المنزل الذي بدا دافئاً قبل قليل فقط، أن أشعر بفراغ مفاجئ في صدري.

وشعرتُ بالحزن بالفعل لمجرد التفكير في وجوب مغادرة هذا المكان بعد سنة واحدة على أبعد تقدير.

فقد كان أول منزل حقيقي أمتلكه في حياتي.

“بابا؟”

ولأنني وقفتُ دون النطق بكلمة، اقترب ليني مني وهو يميل رأسه بتسائل.

“نعم يابني.”

مسحتُ على رأس طفلي الجميل.

في الحقيقة، فإن المكان الذي أكون فيه برفقة الطفلين هو منزلنا، ولم يكن هناك معنى للشعور بالأسف او الحنين على هذا المنزل بحد ذاته.

بل كان يتوجب عليّ الشكر والامتنان لأنه جعلنا نعيش فيه بشكل جيد طوال هذه الفترة.

*

في اليوم التالي، وفي وقت اجتماع الصباح.

عند ذهابي إلى العمل في المكتب، لم يكن أمامي مفر من التحدث بشأن الاتصال الذي تلقيته بالأمس.

كان الأمر سيكون مختلفًا لو كنت أنقل مسكني فقط، لكن ربما يتطلب الأمر نقل المكتب أيضاً وفقاً للحاجة.

“يا إلهي، لا بد أنك كنت مرتبكاً عندما تلقيتَ اتصالاً كهذا فجأة.”

“نعم، رغم أنه أمر لا مفر منه…… لكنه كذلك على أغلب الظن.”

ويبدو أن كاساندرا فكرت في الأمر نفسه، إذ واستني وهي ترفع رأسها وتنظر حول المكتب لمرة واحدة.

"في الحقيقة، كان شرط الحصول على هذا المكتب هو التنازل عن الإيجار إذا تولينا مسؤولية الإعلان لمدة عام للسيد إيفان. إذا ارتفع الإيجار كثيراً بعد ذلك، فسيتعين علينا التفكير في الانتقال."

وكانت رايتشل بشكل غير متوقع هي أكثر من أبدت تأسفاً.

“ديكور المكتب الجميل خسارة كبيرة جداً. أظنني لم أرَ مكاتب بجمال هذا المكتب من قبل.”

لكن المكان هنا كان جميلاً في الأصل، ولم يكن الأمر أنني قمتُ بأشياء ضخمة جداً فيه.

رغم أسفي على غرفة ألعاب الأطفال التي أوليتها أكبر قدر من الاهتمام بالطبع.

مع ذلك، أظن أنني أستطيع صنعها بشكل أفضل قليلاً إن قمتُ بصنعها مجدداً.

"……."

وبينما كنتُ أسترجع ذكريات القيام بأعمال البناء في ذلك الوقت، تذكرتُ أول مرة أتيتُ فيها إلى هنا برفقة الأطفال.

إذ كان ليني يركض باجتهاد بين الغرف مرتدياً حذاءً يصدر أصواتاً، ثم يركض إليّ قائلاً إنه لا يوجد شيء هنا.

…… لقد ملأنا هذا المكان الذي لم يكن فيه شيء حقاً باجتهاد بالغ.

وكلما فكرتُ في الأمر، بدأت مشاعري التي ظننتها بخير بالأمس تتذبذب وتتأثر قليلاً بمرور الوقت.

وعلى أي حال، فقد كان هذا المكان مكتبي الأول أيضاً، وحدثت فيه الكثير من الأمور الجيدة.

وربما كانت تعابير وجهي تبدو كئيبة قليلاً، سألني غريغ بنبرة مفعمة بالحيوية عمداً

“ما رأيكَ في الانتقال إلى الطابق الثاني مباشرة عندما يتوجب عليك الخروج من المنزل الذي تسكنه الآن؟ فمن العادي أن يكون المكتب بعيداً قليلاً! ولن يكون ذلك تغييراً كبيراً جداً عندها.”

“…… لم أستبعد التفكير في ذلك أيضاً.”

لكن الأمر لم يعجبني تماماً. وذلك لأنني سأشتاق إلى شرفة الطابق الثالث كثيراً إن نزلتُ إلى الطابق الثاني.

ولكن الصحيح أيضاً أنني لا أريد مغادرة هذا الحي.

فالجيران طيبون، وموظفو مكتب الإدارة جيدون أيضاً.

وروضة طفلي قريبة، وأصبح كل شيء يتماشى ويتناسق مع محيط هذا المنزل حالياً، بما في ذلك المستشفى الذي يتردد عليه الطفلان.

وكلما فكرتُ في الأمر أكثر، كلما زاد شعوري بالتردد حيال مسألة مكان السكن.

“ومع ذلك، فكر في الأمر بشكل إيجابي يا جون. صحيح أنك مضطر للمغادرة هذه المرة أيضاً لأن صاحب المنزل طلب منك ذلك، ولكن!"

…… هذا الرجل؟

“النقطة الأكثر أهمية هي! أنك تمتلك الآن المال الذي يتيح لكَ الانتقال إلى أي مكان لائق دون صعوبة. ويبدو أنك فقدتَ بعض طاقتك لتذكرك ما حدث سابقاً، لكن الوضع الآن مختلف تماماً عما كان عليه في ذلك الوقت!”

“هذا……. حسنا، هذا صحيح.”

يبدو أن غريغ، الذي يعلم كيف خرجتُ من المجمع السكني السابق، يفهم مشاعري المعقدة هذه أفضل من أي شخص آخر.

“والأطفال يكبرون بسرعة على أي حال. أليس كذلك؟ وقريباً سيطلب كلاهما غرفة خاصة به.”

“صحيح، لم أستبعد التفكير في ذلك أيضاً.”

كان الشعور بالأسف على المكان الذي أسكنه حالياً هو شعوري الأكبر.

لكنني لم أكن أستبعد التفكير في منزل جديد تماماً أيضاً.

“إذن فقد يكون هذا أمراً جيداً في الواقع. بل يمكنك الانتقال إلى منزل يمتلك حديقة بهذه المناسبة.”

وكما قال غريغ، فقد كانت هناك حاجة لمنزل كبير كلما كبر الأطفال.

إذ يتوجب وجود غرفة خاصة لكل منهما، وستزيد قطع الأثاث بناءً على ذلك…….

وفي الحقيقة، فقد أردتُ وجود غرفة مكتب منفصلة لي الآن أيضاً، وبدا أن وجود مرآب للسيارات سيكون جيداً من جوانب متعددة.

بينما كنت جالساً هناك غارقاً في أفكاري، تحدثت راشيل.

“بالطبع سيكون من الأفضل تسديد القرض بالمال المخصص للإيجار الشهري. لكن يجب الابتعاد عن المركز والذهاب إلى الأطراف والضواحي بعيداً نوعاً ما إن كنتَ تفكر في شراء منزل حالياً…….”

“نعم، وتلك هي المشكلة الأكبر في الواقع.”

هززتُ رأسي بخفة ونفضتُ الصور المتلاحقة التي كانت تخطر في ذهني.

ربما كان الوضع مختلفاً لو كان الأطفال أكبر سناً، ولكن في الوقت الحالي، أردت أن أعيش في مكان يتمتع ببنية تحتية جيدة.

“جون. يجب عليك التفكير بجدية وحذر عند شراء منزل.”

وعندها، أضافت كاساندرا كلاماً فجأة بملامح جادة.

وقالت لي أن أنظر إليها، وضربت مثلاً بالمنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها السابق.

“كان ذلك المنزل في أعلى سعره عند شرائه. واستمر السعر في الهبوط بمرور الوقت، ولم يكن من السهل بيعه لأن موقعه كان سيئاً…….”

وقالت كاساندرا إنها كانت تعاني تحت وطأة تسديد القروض حتى بعد الطلاق، ثم باعت المنزل بسعر زهيد ورخيص جداً تقريباً عندما تزوجت هذه المرة.

“أشعر بالألم في قلبي لمجرد التفكير في ذلك، ولذا أحاول ألا أفكر في الأمر قدر الإمكان.”

“فهمت. سأفكر بجدية وحذر فيما يتعلق بالشراء والبيع أيضاً. شكراً لكِ على النصيحة.”

وكانت كلمات ليس من السهل إخراجها، ولذا كنتُ ممتناً لـ كاساندرا التي قدمت لي النصيحة خشية أن أسير على خطاها.

“علاوة على ذلك، لم تكن تسكن في منزل مستقل من قبل يا جون؟”

“عندما كنتُ صغيراً، سكنتُ في منزل مستقل لأنني كنتُ في دار رعاية تابعة للكنيسة، لكنني لم أسكن إلا في الشقق بعد أن أصبحتُ بالغاً.”

“هذا يعني في نهاية المطاف أنك لم تقم بإدارة وصيانة منزل مستقل من قبل. ولنقلها بصراحة، فإن صيانة وإصلاح المنازل المستقلة ليست بالمرء السهل إطلاقاً.”

“همم؟ منزلنا بخير وسليم.”

تدخل غريغ لكن كاساندرا لوحت بيدها

“المنزل المستقل يبدو بخير إلى أن يحدث فيه أول عطل. هل تعلم كم يكون الأمر مربكًا ومفزعًا عندما تتسرب المياه فجأة؟”

وعادت كاساندرا تسترجع الأيام الشبيهة بالجحيم التي مرت بها يوماً بيوم.

“يتوجب إجراء أعمال إصلاح التسرب إن تسربت المياه. وبعد انتهاء المطر وإنفاق المال لإجراء الإصلاحات، ستتسرب المياه مجدداً في السنة التالية.”

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

فجأة يخرج الماء الصدئ من الصنبور، أو ينقطع التيار الكهربائي، أو تصدر أصوات غريبة من جدران القبو……. لحظة، أليس هذا فيلم رعب؟

كانت أموراً تسبب لي الصداع بمجرد سماعي عنها.

وأضافت كاساندرا أن استدعاء فني الإصلاح يستغرق وقتاً طويلاً إن لم يكن المكان في وسط المدينة.

“بالطبع، كان ذلك المنزل بحد ذاته قديماً وبُني بسعر رخيص في ذلك الوقت. وعلى أي حال، فكر في الشراء والبيع بحذر وجدية. اتفقنا؟”

أومأت برأسي بصدق أمام النصيحة القيمة حقاً.

“سأفكر بجدية وحذر شديدين عند شراء المنزل. ولا يزال هناك بعض الوقت على أي حال.”

سنة واحدة. وهي فترة قصيرة إن قيل إنها قصيرة، وطويلة إن قيل إنها طويلة.

وبالطبع، يتوجب عليّ الانتقال قبل اكتمال مهلة السنة الواحدة، لكن لا يتوجب عليّ العثور على مكان آخر الآن فوراً على أي حال.

وهز غريغ، الذي كان يستمع إلى كلام كاساندرا بذهول وفم مفتوح قليلاً، رأسه موافقاً أيضاً

“وقالت صاحبة العقار إنه ليس من المؤكد تماماً بعد ما إذا كانت سترجع بعد سنة أم لا أيضاً.”

“صحيح. وقالت إنها ستتواصل معي عبر المكتب العقاري إن أصبح الأمر مؤكداً حقاً.”

وبما أنني تلقيتُ الاتصال، فلم يعد أمامي سوى الاستعداد نفسيًا، بدلًا من الجلوس دون أن أفعل شيئًا.

*

“بابا، بابا!”

بينما كنتُ أعمل بتركيز، ركض ليني إلى ورشة العمل وضرب ساقي بكفيه مرات متكررة وهو يناديني.

“أجل يا ليني. لا يجب أن تضرب بابا هكذا.”

لم يكن يفرق عن الملاك في شيء عندما التقيتُ به في البداية.

ولكن ليني بدأ يبدي تذمراً وغضباً هكذا بين الحين والآخر في الآونة الأخيرة.

وبالطبع لم يكن الأمر ليصل إلى درجة 'سن الرابعة المشاكس' الذي رأيته على الإنترنت الكوري.

وضعتُ عملي جانباً وجلستُ على ركبتيّ لألتقي بعينيّ ليني الذي كان منزعجاً للغاية.

“ليني، ألم يقل بابا إنه يجب عليك الشرح بهدوء كلما كان هناك أمر عاجل؟”

“نـ…… نعم……. ولكن……! بابا، يتوجب عليّ الرسم، ولكن لوكاااا……!”

وبعد الاستماع إلى كلام ليني المليء بالتذمر، اتضح أن لوكا يلعب على الطاولة مما جعل المساحة المتاحة لرسمه غير كافية.

ما الذي يرسمه ليكون ذا شأن ضخم إلى هذه الدرجة يا ترى؟

امسكتُ بيد الطفل المتذمر وذهبتُ إلى غرفة الألعاب.

“همم…….”

وأمام علبة أقلام التلوين وكراسة الرسم الخاصة بـ ليني والمرتبة بنظام بطريقتها، كانت هناك خربشات ملأت المكان والتي قام بها لوكا.

ومن وجهة نظري، فقد أردتُ الثناء على لوكا لأنه لم يرسم على الأرض بل رسم على الورق الموجود فوق المكتب.

لكن الأمر لم يكن كذلك من وجهة نظر ليني بالطبع.

بالتفكير في الأمر، فقد بدت الطاولة صغيرة ليستعملها طفلان معاً.

لا، في الحقيقة، كانت جيدة في البداية

لكن المشكلة هي أن الطفلين يكبران بسرعة أكبر مما توقعتُ.

ومع نمو الطفلين يوماً بعد يوم، بدت الأشياء التي أعددتها لهما تبدو جميعها صغيرة قليلاً.

لم أتخيل قط أنني سأشعر بنمو أطفالي بهذه الطريقة.

“يبدو أن المكتب أصبح صغيراً قليلاً ليستعمله كلاكما الآن. لقد كبر لوكا وليني كثيراً.”

“أجل…….”

أجاب ليني، الذي لا يزال فمه بارزاً إلى الأمام، وهو يمسك بساقي ويهز جسده.

وكان ذلك تعبيراً منه ليطلب مني القيام بشيء ما بشأن الأخ الأصغر بسرعة.

“أجل، سيعد بابا مكتباً جديداً لـ ليني. ولكن هل نأكل وجبة خفيفة أولاً؟”

“ كاكا!”

استمع لوكا إلى كلمة 'وجبة خفيفة' كالجني، فالتفت إلى الخلف بابتسامة مشرقة وصاح بابتهاج، وتوقف ليني عن التذمر ووقف مستقيماً على الفور.

ومهما قيل، فلم يكن هناك شيء يماثل الوجبات الخفيفة لتشتيت انتباه الأطفال وتعديل مزاجهم.

ورغم أن حل المشكلة فوراً أمر جيد، إلا أن إخماد نوبة غضب الطفل أولاً هكذا يكون أكثر فعالية في بعض الأحيان.

"والآن يا ليني، أخبرني ماذا تريد أن تأكل. سيُعدّ لك بابا ما تريد على الفور."

“همم…….”

وبينما كنتُ أمسح على شعره الكثيف لأحسّن مزاجه، جاء لوكا، الذي لا يعلم شيئاً عن مزاج أخيه الأكبر، يمشي بخطوات طفولية متماثلة وأمسك بساقي وقال بقوة

“بابا، نأكل كاكّا!”

“يا إلهي، صغيري أصبح يتحدث بشكل جيد الآن.”

كان لوكا قد تجاوز 17 شهراً حالياً، وشعرتُ أن قدرته اللغوية قد تحسنت بشكل كبير في مرحلة ما.

ورغم أن نطقه غير دقيق، إلا أنه بدأ يستعمل جملاً كاملة تقريباً هكذا.

“أجل، هيا نأكل وجبة خفيفة مع أخيك الكبير.”

ابتسمتُ وأنا أنظر إلى طفلي المثير للإعجاب، فمد لوكا يده إليّ وطلب طلباً آخر

“بابا! عانقني!”

“حسنا، حسنا، يا أميري الصغير. هل اعانق أميري الأول أيضاً؟”

“……أجل.”

نظر ليني، الذي بدا أنه لا يزال غاضباً من لوكا، إلى أخيه الصغير بوجه عابس قليلاً ثم فتح ذراعيه.

عانقت الطفلين على كلا الجانبين وخرجتُ من غرفة الألعاب، وأطلقت تنهيدة في داخلي وأنا أهدئ صدري المتوتر في الحقيقة.

وذلك لأن ليني، الذي كان متفهماً ومماثلاً للملاك دائماً تجاه أخيه الصغير، بدأ يبدي تذمراً هكذا بين الحين والآخر تجاهه الآن.

لكن لوكا، لا أعرف ما إذا كان غير مبالٍ، أو أنه ببساطة جاهل لأنه لا يزال صغيرًا... ...لا، ليس الأمر كذلك

كان هذا الصغير سريع البديهة حتى عندما كان أصغر سناً.

“…….”

يبدو أن الطفلين سيبدآن قريبا في الشجار بالكلمات.

واظلمت الدنيا أمام عينيّ وأنا أتساءل كيف يجب عليّ التصرف مع هذا لاحقاً.

2026/08/10 · 22 مشاهدة · 1890 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026