غالبًا ما نسمع عن الإخوة الذين لا ينسجمون مع بعضهم أكثر مما نسمع عن الإخوة المتوافقين.

لكنني، ومنذ اليوم الأول الذي التقيتُ فيه بليني، لم يساورني أدنى شك في أن أطفالي سيكونون من أولئك الإخوة النادرين المفعمين بالمحبة والمودة الأخوية.

“…….”

لكن هذا اليقين بدأ يتزعزع في الآونة الأخيرة.

“لوكااا! هذا يخص أخوك الأكبر! لا تلمسه!”

“موووه انا!!”

ورغم أن الأمر لم يصل بعد إلى الشجار بالأيدي، إلا أن وتيرة رفع الطفلين لأصواتهما والشجار هكذا قد ازدادت.

وكان لهذا أسباب تعود لكلا الطفلين.

فأولاً، كان لوكا ينمو ويكبر بسرعة.

ففي السابق، كان يركز على ما أمامه فقط، أو يركز عليّ إن لفتّ انتباهه…….

“بابااا! لوكا يمسك لعبتي!”

أما الآن، فقد بدأ لوكا يبدي اهتماماً بكل ما يفعله أخوه الأكبر أولاً.

فحتى لو كان يلعب بألعابه بشكل جيد، كان يحول نظره نحو تلك اللعبة بمجرد أن يبدأ ليني باللعب بشيء ما.

أما ليني، الذي كان يتنازل عن كل شيء لـ لوكا في البداية، فلم يعد يفعل ذلك الآن.

“قلتُ لكَ إنها لي! أعطني إياها!”

“كيااااك!”

ليت أحداً يخلصني وينقذني…….

“توقفا، توقفا.”

دخلتُ بين الطفلين أولاً وفرقتُ بينهما.

ثم حملتهما، كلاً منهما تحت ذراعي، وذهبتُ بهما إلى ‘كرسي التفكير’ الذي وضعته حديثاً في أحد أركان غرفة الألعاب.

“سيجلس كلاكما هنا ويهدأ للحظة.”

وبالطبع، كان ليني هو الوحيد الذي فهم هذا الكلام.

أما لوكا، فقد كان عليّ الإمساك بيده بعد إجلاسه على الكرسي لمنعه من النزول.

وبعد عدة محاولات للافتكاك والهروب من الكرسي، استسلم لوكا.

وأثنيتُ على ابني الثاني الذي كان ينظر إليّ بملامح يملؤها الشعور بالظلم

“أجل يا لوكا. عند الجلوس على هذا الكرسي، يتوجب عليكَ البقاء هادئاً للحظة.”

“…….”

نظر لوكا إليّ باستياء، ثم عاد لينظر إلى أخيه الأكبر.

لوكا يمسك اللعبة بملامح عنيدة ويحدق في أخيه الأكبر، وليني يلهث بوجه يبدو وكأنه على وشك البكاء.

لم يستطع ليني السيطرة على غضبه، فأشار بإصبعه إلى شقيقه الأصغر وصاح.

“بابااا! لوكا هو من أخطأ أولاً! أنا لم أفعل أي خطأ!”

“أجل، كان الأمر كذلك إذاً. لا بد أن عزيزي ليني يشعر بالظلم.”

استمعتُ أولاً إلى ما يريد ليني قوله.

فأنا لا أحب عبارة ‘أنتَ الأخ الأكبر ولذا يتوجب عليكَ التنازل دائماً’ في العادة.

ولو كان مجرد كونه وُلد أولًا يعني أنه مضطر دائمًا إلى التنازل و التضحية، فكم سيكون ذلك قاسياً في حق الابن الأكبر

ومنذ أن عرفتُ سونغ جين، ازددت اقتناعًا بهذا الأمر

ولأن ليني كان بطبعه طفلًا يجيد أداء دور الأخ الأكبر، لم أرغب في تحميله المزيد من المسؤوليات أو مطالبته بالمزيد

ثم….

“باااا! اااه!”

إن لوكا على ما يبدو لن يكون أخًا أصغر سهل المراس بالنسبة إلى ليني، ازددت تمسكًا بهذا الرأي

فقد كان لوكا يصدر أصواتاً احتجاجية وكأنه فهم أن أخاه الأكبر يتحدث عنه بسوء.

“أجل، لا بد أن لدى لوكا ما يقوله أيضاً.”

“لوكا ليس لديه ما يقوله! لوكا لا يستطيع الكلام!”

…….وبالطبع، فإن هذا لا يعني أن ليني أخٌ أكبر هيّن أيضًا.

وإن لم أكن مخطئاً، فلربما كان عناد ليني أشد من عناد لوكا.

“والآن، كلاكما، اصمتا.”

وعندما وضعتُ إصبعي السبابة على شفتي وصنعتُ حركة ‘هش’، أغلق كلا الطفلين أفواههم أولاً.

انتظرتُ مدة دقيقة واحدة تقريباً على هذه الحال.

لا شك أن هذا الموقف يمثل ضغطاً كبيراً على الطفلين حالياً.

وكانت رغبتي في إراحتهما وتخفيف الأمر عنهما تتصاعد في داخلي شيئًا فشيئًا.

لكنني نظرت إلى الطفلين بملامح هادئة وانتظرتُ في صمت.

وكانت دقيقة واحدة وقتاً طويلاً جداً بالنسبة لهما، ففتحتُ كلا ذراعيّ لـ لوكا الذي هدأ نوعاً ما بطريقته الخاصة

“لوكا، أعطِ اللعبة لـ بابا لو سمحت.”

هز لوكا رأسه رافضاً.

فتحدثتُ مرة أخرى، متظاهراً بالصرامة.

“أعطني إياها.”

“…….”

وبينما مددتُ يدي وأنتظرت بهدوء كما أنا، سلمني لوكا اللعبة بملامح يملؤها شعور بالظلم والاستياء.

“شكراً لك.”

أخذتُ اللعبة من لوكا ووضعتها داخل صندوق الألعاب وأبعدتها عن أعين الطفلين.

“ولكنها لعبتييي…….”

ورغم أن ليني، الذي ظن أنني سأعطيه اللعبة المأخوذة من لوكا، اختنق بالدموع، إلا أنني حافظتُ على تعابير هادئة قدر الإمكان.

“ليني، الألعاب الموجودة في غرفة الألعاب هي ألعاب للجميع. إنها ملك لـ ليني، وملك لـ لوكا أيضاً.”

“ولكنني كنتُ ألعب بها أولاً!”

“أجل، ولهذا فإن بابا يتفهم شعورك بالاستياء والحزن لأن لوكا انتزع اللعبة منك.”

أغلق ليني فمه بشدة.

وكان ذلك احتجاجاً صامتاً يتساءل فيه عن سبب عدم إعطائه اللعبة رغم معرفتي بكل شيء.

“ليني وبابا يعلمان أن ذلك تصرف خاطئ. لكن لوكا لا يزال طفلاً ولذا فهو لا يعلم ذلك جيدا. وليني يفهم هذا أيضاً، أليس كذلك؟”

وظل ليني ينظر إلى الأرض دون إجابة، لكنني واصلتُ الكلام دون إجباره على الرد

“ولهذا السبب فنحن نعلم لوكا هكذا. وأنا أحاول تعليمه بشكل متكرر أن انتزاع لعبة الأخ الأكبر سيؤدي في النهاية إلى عدم القدرة على اللعب بتلك اللعبة.”

“…….”

“ليني. ماذا قالت المعلمة في الروضة؟ ألم تقل إنه يجب علينا اللعب مع الأصدقاء بالمشاركة والمودة المتبادلة؟”

هز ليني رأسه موافقاً ببطء ولكن بخفة.

“صحيح. وأثنت المعلمة على ليني وقالت إنه ينسجم ويتعامل بمودة مع أصدقائه.”

“……أجل.”

“لكن لوكا لا يستطيع الذهاب إلى الروضة ولذا فلا أصدقاء لديه ولا معلمة، ولذا يجب على ليني وبابا تعليم لوكا.”

وبدأت شفتا الطفل البارزتان تعودان إلى مكانهما تدريجياً.

“شكراً لـ ليني لأنه يعلم لوكا برفقة بابا هكذا. عزيزي ليني أخ كبير رائع جداً.”

“……أجل!”

وبدت ملامح ليني التي كانت ملطخة بالشعور بالظلم تزول تدريجياً، ونظر إليّ بعينين عادتا إلى صفائهما مجدداً.

“من دواعي الارتياح حقاً أن ليني هو أخ لوكا الأكبر. لأن ليني ذكي وطيب لذا يمكنه تعليم لوكا جيداً.”

“……أجل!”

واستند ليني، الذي بدا أنه أصبح بخير تماماً الآن، إلى الكرسي براحة.

بل إنه بدا في حالة مزاجية جيدة قليلاً لتلقيه المديح والثناء المتنوع.

ربتّ على رأس ليني ثم التفتُ بجسدي نحو امبراطورنا المستبد الصغير في المنزل.

فبالنسبة لـ لوكا، لم يكن هناك معنى كبير للكلام الموجه إليه كما شرحتُ لـ ليني.

أليس لوكا لا يزال طفلاً بعد؟

ومع ذلك، حاولتُ التحدث بهدوء مع لوكا، تمامًا كما فعلت مع ليني

“لوكا، إن كان أخوك الأكبر يلعب بلعبة أولاً، فلا يجوز لكَ انتزاعها منه.”

“…….”

ورغم أنه غير قادر على الفهم، إلا أن شفتيه كانتا بارزتين إلى الأمام بوضوح.

يا إلهي. أطلقت تنهيدة لا إرادية، لكن لم يكن أمامي سوى الوثوق بطفلي.

فإذا أدبتُه بشكل متكرر هكذا، فسوف يفهم كل هذا في يوم من الأيام بلا شك.

وبدلاً من إضافة المزيد من الكلمات، احتضنتُ لوكا الذي لا بد وأن هذا الموقف قد سبب له ضغطاً نفسياً، بشدة بين ذراعيّ.

“بابا يحب لوكا.”

إذ لا بد أن يحمل في قلبه حبًا وثقة تجاه والده، حتى يكون مستعدًا لبذل الجهد في الإصغاء إليه كلما تقدم في العمر

“وأحب ليني أيضاً.”

وعندما فتحتُ إحدى ذراعيّ نحو ليني، نزل طفلي الأكبر من الكرسي وارتمى في أحضاني.

*

وبعد ذلك، كان الأطفال يقعون في مواقف مشابهة بين الحين والآخر.

وكان هذا أمراً طبيعياً بما أن ثمانين بالمئة مما يفعله الطفلان في المنزل كان عبارة عن اللعب بالألعاب.

و المشكلة كانت تكمن في وجوب تكرار الكلام نفسه لليني، ناهيك عن لوكا بالطبع.

واليوم أيضاً، وبعد وضع الأطفال في قيلولة ودية بعد خوض معركة طاحنة، خرجتُ من غرفة الألعاب وضغطتُ برأسي على طاولة المطبخ.

“هل أنتَ بخير؟”

سألت رايتشل، التي كانت تبدو وكأنها خاضت معركة طاحنة مثلي تماماً، بملامح ذابلة.

“…… الأمر ليس على ما يرام، لكنني بخير. هل سابرينا في قيلولة أيضا؟”

“لا. غريغ يحاول تنويمها في غرفة التسجيل.”

ومع تلك الكلمات، ضغطت رايتشل برأسها على الطاولة مثلي تماماً.

“أتمنى أن أغيب عن الوعي هكذا وأستيقظ بعد أسبوع كامل.”

وكادت عبارة ‘وماذا عن العمل إذن’ أن تصل إلى طرف لساني.

ولكن أن تقول رايتشل كلاماً كهذا، فهذا يعني أن الأطفال هم الأقوى حقاً.

أصدرت كاساندرا صوت نقرة باللسان وبدأت في إعداد القهوة

“هذه قهوة مُعدة من أجل الآباء والأمهات المبتدئين المساكين. تفضلوا بشربها.”

“…… هل تعنين أنكِ ربيت ابنك بالكامل الآن فتتحدثين هكذا؟”

تذمرتُ وأنا أستلم القهوة التي يتصاعد منها البخار بامتنان.

“إنه في الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية الآن، فكيف تقول إنني ربيته بالكامل؟”

“في أي عمر يجب أن يكون الطفل حتى تصبح الأمور أسهل قليلاً؟"

سألت رايتشل وكأنها مؤمنة تطلب الإجابة ، لكن كاساندرا هزت رأسها.

“أعتقد أن يوماً كهذا لن يأتي طالما أصبح للمرء أبناء. ولا مفر سوى أن يتطور كأب أو كأم فحسب.”

"يا إلهي."

ضغطت رايتشل برأسها على الطاولة مجدداً.

ومسحت كاساندرا على ظهر رايتشل التي تبدو وكأنها تبكي بلا صوت، ثم نظرت إليّ

“جون، يبدو أن الأطفال يتشاجرون بكثرة في الآونة الأخيرة.”

“نعم……. ورغم اعتقادي بأن من الطبيعي أن يصبح الأمر هكذا مع نمو الأطفال، إلا أنه أمر شاق ومرهق حقاً.”

وحتى إنني اتصلتُ بـ ماريا التي تربي إخوة مثلي واستشرتها لطلب النصيحة.

وبالطبع، لم تختلف الكلمات التي قالتها لي كثيراً عما وجدته على الإنترنت.

أن دور الوالدين مهم بين الإخوة، وأنه لا يجب الغضب عاطفياً على الأطفال على الإطلاق.

لكن كانت هناك نصيحة لاذعة وخاصة من ماريا التي رأتنا شخصياً.

أن لا أنسى حقيقة أن الطفل يظل طفلاً، مهما بدا الابن الأكبر لطيفاً ومحباً ومراعياً بطبيعته.

وشددت ماريا على أنه لا يتوجب على الوالدين الاستناد إلى طباع الطفل، بل عليهم إجراء التأديب المناسب بأنفسهم.

“أنا أريد فقط أن أبذل قصارى جهدي. لكن هناك الكثير من الأمور التي يجب الحذر منها والاهتمام بها من هنا وهناك، ولذا أشعر بالإرهاق والتعب قليلاً.”

أبدت رايتشل موافقتها وهي تصدر صوت تأوه، وهزت كاساندرا رأسها موافقة وكأنها تفهم كل شيء أيضاً

“ومع ذلك فلتتحمل أكثر قليلاً يا جون. فرغم تشاجرهما هكذا الآن، إلا أنه لا يوجد شيء أكثر قوة واستناداً من أن يصبح الإخوة أصدقاء لا بديل لهم مستقبلاً.”

وضربت كاساندرا مثلاً بابنتيها الجديدتين

“ليديا ونانسي تتشاجران على أمور تافهة جداً كل يوم أيضاً. تتشاجران حول من أكل الشوكولاتة المتروكة على الطاولة، وتتشاجران حول سبب عدم وضع جهاز التحكم عن بعد للتلفاز في مكانه……. ومع ذلك، فعند رؤيتهما يمكن معرفة كم تعتمد كل منهما على الأخرى وتحرص عليها.”

“صحيح. أتمنى أن يكبر لوكا وليني على هذا النحو أيضاً.”

ورغم أهمية مظلة الوالدين، إلا أن الإخوة الذين يتشاركون كل شيء منذ الصغر سيكونون سنداً قوياً لبعضهم البعض.

…… ورغم أن مستوى التوتر لديّ كان يوشك على اختراق السماء، إلا أنني كنتُ أتطلع إلى ذلك اليوم فقط.

حاولتُ التفكير في أمور إيجابية للسيطرة على عقلي ونفسي

“ومع ذلك، أظن أنه من دواعي الارتياح وجود فارق في السن بين الأطفال.”

فلو كانا مولودين في سنتين متتاليتين، لفتح أمامي جحيم ذا أبعاد مختلفة تماماً عن الآن.

“وعلى ذكر ذلك، فإن عيد ميلاد ليني قد اقترب.”

“نعم. لم يتبقَ سوى أسبوعين تقريباً.”

وبعد أسبوعين، سيصبح عمر ليني خمس سنوات.

“ولم يتبقَ سوى خمس سنوات أخرى من التربية للتفاهم بالكلام مثل تشارلي……. أنا سعيد…….”

“ابذل جهدك يا جون.”

دفنت وجهي بين يديّ للحظة، ثم قمتُ من مقعدي وأنا أشد عزيمتي

“يتوجب عليّ فعل ذلك. فأنا والد الأطفال في النهاية. وعلى أي حال سأصنع وجبة خفيفة حارة وأتناولها الآن. من يرغب في مشاركتي؟”

"أنا."

أجاب غريغ وهو يخرج من غرفة التسجيل بملامح مجهدة.

“…… وأنا أيضاً. يتوجب عليّ تناول الطعام لاستعادة قوتي. فأنا الأم لأميرتنا.”

ورايتشل، التي كانت تضغط برأسها على الطاولة، عدلت جلستها وهي تتحدث بنبرة حازمة وكأنها اتخذت قراراً ما.

أما كاساندرا، فقامت من مقعدها بابتسامة منعشة.

“بالتوفيق للجميع! سأذهب لأكل كعكة حلوة المذاق في المقهى وأعود، لذا استمتعوا بوجباتكم جميعاً.”

ونزلت كاساندرا إلى الطابق الأول وهي تبتسم بإشراق رغم تلقيها نظرات حادة منا جميعاً.

وضع غريغ ذراعه بهدوء حول كتف رايتشل.

"لا تغاري يا عزيزتي. إذا كنتِ تغارين، فستخسرين."

"لا، لستُ غيورة. ستتمكن أميرتي من التواصل يوماً ما أيضاً."

هززتُ رأسي قليلاً وأنا أنظر إلى الزوجين الذين يوشكان على فقدان صوابهما.

ومع ذلك، فلستُ في وضعهما. ويبدو أن الاعتناء بطفل حديث الولادة شاق ومرهق للغاية.

“مع ذلك، فنحن شخصان نعتني بطفل واحد. ونحن أفضل حالاً من هذا الرجل.”

“هذا صحيح. ابذل جهدك يا جون.”

عجباً، ما هذا التحول المفاجئ؟

2026/08/11 · 21 مشاهدة · 1842 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026