"هاه......؟"
من شدة المفاجأة لم يخرج مني سوى صوت غبي ومشوش. هل سمعتُ خطأً؟
كادت الملعقة التي كنت أمسكها أن تسقط من يدي.
لكن لوكا ناداني بقوة عدة مرات أخرى.
"بابا! بابا! بابا!"
"اوه، اجل، اجل !"
أجبت وأنا في حالة ذهول، ووضعت الوعاء والملعقة جانبا، ثم حملت لوكا بسرعة.
"كيااا......!"
ربتت على لوكا، الذي كان يضحك بصوت عالٍ ويصدر أصوات الدلافين كما لو أنه وجد شيئًا مضحكًا للغاية.
"وااو بابا، لوكا تكلم".
قال ليني ذاك وهو يبتسم بصفاء، رغم انشغاله بمحاولة إيصال الملعقة إلى فمه باحتهاد.
"صحيح، أليس كذلك...؟ قال لوكا للتو بابا، أليس كذلك؟"
"أجل، قال لوكا بابا."
بما أن ليني قال إنه سمعها بالتأكيد، فلا يمكن أن أكون قد سمعتها بشكل خاطئ.
لا بد أنه تم تسجيله على كاميرا المنزل أيضاً، لذا يجب عليّ حفظه لاحقاً.
لكن قبل ذلك…
"لوكا، قل 'بابا'، بابا."
"بابا! بابا!"
"أجل، صحيح. بابا..."
تسلل إليّ شك عابر؛ماذا لو صادف أنه قال كلمة "بابا" اثناء ثرثرته بشدة؟
خطرت تلك الفكرة ببالي للحظة، لكنها تلاشت كالثلج عند ردة فعل لوكا.
نظر إليّ لوكا بعينين لامعتين وواضحتين كما لو كان يعرف حقًا ما يتحدث عنه، ونادى عليّ مرارًا وتكرارًا بصوت جهوري.
انتابتني مشاعر لا يمكن تفسيرها وكادت تخنقني.
"هاه؟ هل بابا يبكي ؟"
"...لا؟ بابا لا يبكي؟"
أما الابن الأكبر البالغ من العمر أربع سنوات، والذي أدرك الموقف بدقة، فقد وضع ملعقة في فمه وأمال رأسه.
"همم. والأهم من ذلك يا ليني، دعونا نشيد بلوكا. لأنه تكلم لأول مرة."
"أجل! لوكا، لقد قمت بعمل رائع."
عندما انحنيتُ بركبتيّ لتصبح قامتي في مستوى ليني، امتدت يد ليني لتمسح على رأس لوكا برفق.
ضحك لوكا بنظرة فخر عظيم.
كان لوكا قد بلغ للتو تسعة أشهر من عمره.
سمعت أن الأطفال الآخرين عادة ما يبدأون في إدراك معنى 'ماما' و'بابا' وينطقون بهما بين عمر 10 أشهر وحوالي عيد ميلادهم الأول.
تحدثت على الهاتف أثناء طي الملابس، ممسكاً به بين أذني وكتفي.
"إذن يا ماريا، أعتقد أن لوكا عبقري."
سُمعت ضحكة ماريا.
[عادةً ما يعتقد الآباء في هذا العمر أن أطفالهم عباقرة. ومع ذلك، يبدو أن لوكا أسرع من غيره في كل من النمو والنطق.]
"هل يمكن أن يكون ذلك بتأثير ليني؟ في الواقع، كان يزحف لفترة طويلة ولكنه لم يكن يحبو، حتى رأى أخاه الأكبر يفعل ذلك وبدأ على الفور في تقليده."
[هذا وارد جداً. بعض الأطفال يتجاوزون مرحلة الحبو تماماً ويقفون مباشرةً……. الملاحظة والتعلم من الآخرين هما العامل الأكبر بلا شك.]
إذن، لا بد أنه تعلم نطق كلمة 'بابا' من رؤية ليني وهو يتبعني كالعصفور الصغير مردداً بابا، بابا، لماذا، لماذا؟'
"لكنني أعتقد أن لوكا عبقري في نهاية المطاف."
ضحكت ماريا مرة أخرى.
"بما أنه بدأ يناديني الآن، فسيستمر في ذلك دائماً، أليس كذلك؟"
سيكون الأمر محبطا لو ناداني اليوم بدافع الفضول، ثم توقف عن ذلك في المستقبل لأنه فقد الاهتمام.
[يا إلهي، هناك أطفال مثل هؤلاء بالفعل. طفل صديقتي نادى على أمه مرة واحدة فقط ولم ينادها لعدة أشهر.]
هذا غير معقول
[لكن الأهم من ذلك كله هو أن لوكا قد بدأ يفهم أن للأشياء والأشخاص أسماء. وبناءً على ذلك، سيظل يدرك دائماً أنكَ والده]
"أظن ذلك...؟ أشعر بالقلق فجأة."
[جون، عندما تقول للوكا 'لا تفعل هذا'، هل يتوقف عما يفعله؟]
"همم…"
رجعتُ بذاكرتي إلى المرات الكثيرة التي قلتُ فيها 'لا' للوكا.
"عندما أقول 'لوكا، لا تفعل هذا'، ينظر إليّ مرة واحدة. ولكنه يستمر في فعله على أي حال.."
[آه، هذا... ... همم. هل هناك كلمة معينة تشعر أنه يفهمها عندما تنطق بها؟]
"نعم، هناك واحدة . عندما أقول "حان وقت النوم الآن"، فإنه يحاول الهرب كالأشباح."
ضحكت ماريا مرة أخرى.
بدت هذه الأم المخضرمة وكأنها تجد كل ما أفعله أنا، الأب المبتدئ، مضحكاً.
[إذن، مؤكد أنه يناديكَ وهو يعلم أنكَ والده. وبوجود ليني الذي يستمر في مناداتكَ بـ 'بابا' أمامه، كان من الطبيعي أن يتعلم الكلمة بشكل أسرع وتلقائي.]
"بابا!"
"نعم، يا لوكا."
ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة فور سماعي صوته وهو يناديني.
شكرت ماريا على النصيحة وأنهيت المكالمة.
عندما أقتربت من لوكا الذي يناديني، كانت نظرة الفخر بادية على وجهه.
ثم استدار وزحف بعيدًا.
"……."
بالنظر إلى ذلك، أنا متأكد أنه يفهم تماماً ما يقوله
"ليني، هل يمكنك المجيء إلى هنا للحظة؟"
ناديتُ الطفل الذي كان يتدحرج ويلعب مع لوكا على سجادة الألعاب، فأسرع بالركض نحوي وارتمى في حضني بقوة.
أجلستُ ليني، الذي احمرّت وجنتاه من اللعب الشديد، على حجري ومشطت شعره الأشعث بيدي، وسألته
"ليني، هل تتذكر ما سأله بابا الليلة الماضية؟"
هز ليني رأسه نافيا بابتسامة مشرقة.
"يا إلهي."
عانقت طفلي اللطيف عناقاً حاراً وكررت ما قلته بالأمس.
"سأصنع دمية جميلة لليني، تماماً مثل دمية الدب التي يحملها لوكا دائماً. ما الشكل الذي تريده؟"
جرو، قطة، راكون، أرنب... ... فقط أخبرني بأي شيء. هذا الأب سيصنعه لك.
صفق ليني بيديه وتحدث، كما لو أنه تذكر أخيراً ما سألته عنه.
"آه، هذا صحيح!"
"هل تتذكر؟ أعتقد أنك قلت شيئًا ما الليلة الماضية."
"صحيح! بابا، أريد دمية سلايم"
قال ليني ذلك بحماس وهو يحرك قدميه، لكنني لم أملك خياراً سوى إعادة السؤال بدهشة:
"آه... حقاً؟ سلايم...؟"
هل تقصد ذلك السلايم الذي أعرفه؟ ذلك الشيء اللزج الذي يظهر في الألعاب أو شيء من هذا القبيل؟
أومأ ليني برأسه بقوة وشرح بجدية.
"أنا ألعب دائماً بالسلايم مع الاخت غريتا. نضع النجوم بداخلها. إنها سلايم النجوم."
…… لا بد أنه يقصد وضع الجليتر اللامع الذي على شكل نجوم داخل السلايم.
على أي حال، اللعب بالسلايم مع الاخت غريتا؟
لم يكن من السهل تخيّل وجود السلايم مع راهبة ذات مظهر بارد كهذا. هل كانت تفعل ذلك معه كنوع من اللعب الحسي؟
إلى جانب شعوري بالارتباك، سارعتُ إلى التقاط هاتفي الذكي والبحث عن دمى السلايم. في الحقيقة، لم أكن أعتقد أنها موجودة، لكن…
كانت موجودة بالفعل..
لا، لماذا يوجد شيء كهذا؟
"واااو إنها لطيفة !"
صاح ليني وهو ينظر إلى شاشة الهاتف.
"……."
ولكن رغم تسميتها بدمية السلايم، إلا أنها كانت تبدو مجرد وسادة دائرية ثبتت عليها عينان وحسب.
في الأصل، كنت أنوي صنع شيء لطيف ورائع وناعم مثل دمية أرنب، ولكن لا بأس.
ما دامت ستسعد ليني، فإن رأيي لم يكن مهماً.
"إذن يا ليني، هل أصنع لك شيئاً كهذا تماماً؟"
هز ليني رأسه نافيا وهو ينظر إلى الدمية التي كنت أشير إليها.
"لا بد من وجود نجوم."
"فهمت. إذن، هل من المناسب تعليق النجمة هنا؟ بجانب العين."
هز ليني رأسه مرة أخرى.
"بابا، لا يمكن فعل ذلك. يجب أن تتحرك النجوم باستمرار. لأنها سلايم تلمع وتتألق!"
"...اه، فهمت."
إن خيال الأطفال محير حقاً.
لكنني لم أرغب في إحباطه، لذلك فكرت ملياً.
ثم خطرت لي فكرة جيدة فجأة، لذا قدمت اقتراحاً بحذر.
"إذن يا ليني، هل سيكون من المقبول أن نتمكن من لصق النجوم وفصلها عن دمية السلايم هذه؟"
وضع ليني ذقنه على يده للحظة كما لو كان غارقاً في التفكير، ثم أجاب بقوة.
"نعم!"
بعد قضاء يوم حافل آخر، حممت ووضعت الأطفال الدافئين على السرير.
تدحرج الأطفال على الأغطية الباردة وضحكوا، ويبدو أنهم كانوا يستمتعون بها.
ولم يظهر عليهم أي أثر للتعب.
من الذي قال: "أب مبتدئ يربي ولدين بمفرده، إنه شجاع بحق'؟
جلست على الأرض وأسندت رأسي على المرتبة. ناداني لوكا.
"بابا! بابا!"
"نعم يا صغيري."
عندما نظر إلي لوكا، كانت نظرة الفخر بادية على وجهه، وسرعان ما أدار رأسه مرة أخرى ليلعب مع ليني.
"……."
شعرت بوضوح بمطالبة لوكا بأن أبقى مستيقظا وأشاهده وهو يلعب، على الرغم من أنه لم يكن يلعب مع والده.
سأضطر بالتأكيد إلى مواجهة لوكا بشأن هذا الأمر لاحقاً عندما يكبر بما يكفي ليفهم.
وبهذه العزيمة، التقطت دفتر الملاحظات والقلم اللذين أحتفظ بهما دائمًا بجانب طاولة السرير.
ثم، أثناء الرسم، فكرت في كيفية صنع الدمية التي ذكرها ليني سابقاً.
لا توجد مشكلة في جسم دمية السلايم نفسها، فهي تحتاج فقط إلى أن تكون مسطحة ومستديرة قليلاً، مثل شكل قطرة الماء.
وبينما كنتُ أبحث في الهاتف عن وسيلة تجعل النجوم قابلة للفصل واللصق، عثرتُ على الألواح القماشية الداعمة للاصق الـ "فيلكرو" والمستخدمة كوسائل تعليمية للأطفال.
إذا صنعت دمية باستخدام قماش لاصق من نوع الفيلكرو وقمت بإنشاء العديد من رقع الفيلكرو الصغيرة على شكل نجمة، فسيكون ليني قادراً على لصق النجوم وفصلها كما يشاء.
همم. ربما يكون الأمر على ما يرام.
لكن عندما انتهيت من الرسم التخطيطي، انتابني شعور طفيف بالندم.
كنت أرغب في الأصل بصنع دمية أرنب ناعمة.
كان سيكون الأمر لطيفاً حقاً لو أن الطفل الأكبر سناً كان يحمل دمية أرنب والطفل الأصغر كان يحمل دمية دب.
لا، هل اصنعها له أيضاً؟ إذا صنعتها له، فقد يغيّر رأيه.
أمسكت هاتفي لأبحث عن دمية الأرنب التي رأيتها من قبل، لكن ظهر إشعار يقول إن بريدًا إلكترونيًا قد وصل.
كانت رسالة بريد إلكتروني من كاساندرا.
كان الفيديو الذي وصلني مع رسالة تطلب مني التحقق منه عندما يتوفر لدي الوقت عبارة عن فيديو يوثق وقت نوم عائلتي.
يبدو أن المقطع جهز سريعاً لأن الأمر لم يتطلب تعديلات معقدة بل اكتفت بتسريع الحركة وحسب.
لكن هل من المقبول حقاً نشر شيء كهذا؟
لا أعتقد أنني سأبذل جهداً إضافياً للبحث عن عائلة شخص آخر أثناء نومهم.
قمت بتشغيل فيديو مدته سبع أو ثماني ساعات، ولكن تم ضغطه إلى حوالي عشر دقائق.
ظهر مشهد لي وأنا أساعد الأطفال على النوم مصحوباً بلحن هادئ.
نام لوكا أولاً، ثم ظهر مشهد وأنا أتبادل حديثاً قصيراً مع ليني.
وبعد فترة وجيزة، نام ليني أيضاً، واستلقيت في السرير.
وبما أن زاوية الكاميرا كانت مائلة من الأعلى إلى الأسفل قليلاً، فقد ظهرت تفاصيل نوم الأطفال خلف جسدي بشكل واضح وجميل.
حتى مع تشويش وجوههم، بدا الأطفال النائمون في غاية اللطافة.
جسد يرتفع وينخفض بشكل منتظم كما لو كان في نوم عميق، أو أيادٍ صغيرة ترتجف كما لو كانت تفعل شيئًا ما في حلم.
"……أوه."
استمر ذلك الفيديو الهادئ الخالي من الأحداث لعشرات الثواني.
ولكن في تلك اللحظة، استيقظ لوكا من نومه واعتدل جالساً.
وتباطئت سرعة الفيديو.
رمش لوكا بعينيه اللتين بالكاد استطاع فتحهما لأنه كان يشعر بالنعاس، ثم زحف نحوي، ووضع يده على
الوسادة الموضوعة كسياج، ونظر إليّ.
كان من الواضح أن هذا الشقي كان يتردد فيما إذا كان سيوقظني أم لا.
وبينما كان يحتار في أمره، أخذ رأسه يميل ثقلاً وكأنه يصارع النعاس الشديد الذي عاد يهاجمه.
ثم، بعد فترة وجيزة، زحف نحو ليني.
ولما رأى أن ليني قد نام أيضاً، استسلم بسرعة هذه المرة وعاد إلى مكانه.
يا له من أمر مثير للإعجاب…
ومع ذلك، كان لوكا لطيفًا للغاية، وجديرًا بالإعجاب، ومستحقًا للثناء لأنه عاد إلى النوم دون إيقاظي أو إيقاظ ليني.
كما هو متوقع، كان طفلي عبقرياً بلا شك.
بعد ذلك، نهض ليني من مقعده.
انقبض قلبي، متسائلاً عما إذا كان ليني سيستيقظ ويبكي وحيداً.
لكن ليني ظل جالساً يترنح بنعاس، ثم استلقى مجدداً وعاد لنومه.
كنتُ أظن أنني نمتُ نوماً خفيفاً ومتقطعاً تلك الليلة، ولكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك ما دمتُ لم أشعر بحركة الأطفال على الإطلاق..
وبزوغ الفجر وانقشع الظلام.
ومرة أخرى، كان لوكا أول من فتح عينيه.
ثم نهض فجأة وزحف نحوي بشراسة.
وظهر مجدداً وهو يتردد بين إيقاظي وتركي.
في الحقيقة، كنتُ أظن أن لوكا يضرب وجهي فور استيقاظه مباشرة، ولكن تبين لي الآن أن الأمر ليس كذلك، بل إنه كان يتردد ويفكر قبلها.
ثم نهض ليني. زحف لوكا ببطء نحو ليني.
ابتسم ليني ولعب لعبة الاختباء مع لوكا، حتى مع وجهه الذي بدا عليه النعاس.
ماذا؟ هل تقصد أنني واصلت النوم وفاتني هذا المشهد؟
لعب الأطفال لعبة الاختباء، يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويتركونها لفترة طويلة.
وأخيراً، التقطت الشاشة صورة لوكا وهو يزحف نحوي بنظرة تقول إنه قد تحمل ما يكفي، ثم صفع خدي.
صغيري ، لقد تمكنتَ من الصبر والانتظار لوقت طويل حقاً قبل هذا…….
أخذ لوكا يضرب رأسي المدفون في الوسادة بخفة، بينما كان ليني يحاول منعه وتهدئته.
عندها فقط نهضت، وحملت الطفلين، وخرجت من الشاشة.
"……."
لم أكن أعرف. أدركت أن مقاطع الفيديو الخاصة بالنوم يمكن أن تكون مؤثرة ومسلية في آن واحد.