“ماذا؟ هل تقصدني أنا؟”
“نعم.”
“عمري واحد وثلاثون عامًا.”
أجاب قاسم.
“واحد وثلاثون؟ هل أنت متأكد فعلًا أنك في الحادية والثلاثين؟”
“نعم.”
“وموطنك الأصلي؟”
“دوقية كونتاتشي.”
“والداك؟ هل ما زالا على قيد الحياة كلاهما؟”
“يعيشان بصحة جيدة.”
“لون شعر والديك ولون عيونهما؟”
راح ملك الدرويد غاليون يستجوب قاسم بإلحاح شديد حول تفاصيله الشخصية.
‘ما هذا؟ هل هو تحقيق؟’
لدرجة أن أوتو، الذي كان يقف إلى جانبه، عقد حاجبيه ضيقًا.
“عفوًا.”
تدخل أوتو.
“أعتذر عن المقاطعة أثناء الحديث، لكن أسئلتك مبالغ فيها.”
مهما يكن غاليون ملك الدرويد، وقاسم تابعًا لأوتو، إلا أنه لا يمكن تركه يواصل طرح أسئلة حساسة بهذا الشكل.
كانت أسئلة تمسّ نطاقًا شخصيًا بحتًا، وبصفته ملكًا، لم يكن أمام أوتو سوى التدخل كي لا يقع قاسم في حرج.
“آه، سامحني.”
اعتذر غاليون.
“انزلقتُ دون قصد إلى سيل من الأسئلة. إن كنت قد أسأتُ إليك فأنا أعتذر.”
“لا بأس. هاها.”
قال قاسم وهو يمسح العرق المتصبب ويحكّ مؤخرة رأسه.
“لكن لماذا تسأل عني بهذه الدقة؟”
“آه، هذا لأن…”
قال غاليون بوجه يملؤه الحرج.
“مهما نظرتُ إليك تذكّرتُ ابن أخي الذي فقدته في صغري، فسألتك.”
“نعم……؟”
“كان لي أخ أكبر، لكنه توفّي منذ زمن بعيد في حادثٍ مفاجئ.”
“آه.”
“في ذلك الوقت عُثر على جثتي أخي وزوجته، لكن جثة ابن أخي الذي كان رضيعًا آنذاك لم نعثر عليها أبدًا.”
“…….”
“حين رأيتك، وجدتك تشبه أخي وزوجة أخي إلى حدٍ كبير، فأسأتُ الأدب دون قصد. كم كان الشبه عجيبًا……”
ترقرقت عينا غاليون بالدموع قليلًا وكأنه يستحضر ذكرى أخيه وزوجة أخيه وابن أخيه.
“كاميل.”
“نعم، جلالتك.”
همس أوتو إلى كاميل بصوت منخفض لا يسمعه سواهما.
“تحرَّ عن الأمر دون أن يشعر قاسم.”
“ماذا؟”
“الأمر مريب.”
قال أوتو وهو يضيّق عينيه ناظرًا إلى قاسم الذي كان يتحدث مع غاليون.
“فكّر بالأمر. أليس معتادًا على التقرب من الحيوانات أو الأعراق الأخرى بشكل غير عادي؟”
“آه.”
“كلامك عن كاماكي وبنغ مفهوم. لكن في المرة الماضية رأيته يمتطي حتى خنزير البري الذي يركبه أفراد قبيلة حافر الرعد، ويركب الخيل ببراعة. أي حيوان أو عِرق آخر، يتآلف معهم جميعًا بلا استثناء.”
“هذا صحيح.”
“ألا يمكن أن تكون هناك أسرار تتعلق بمولده؟”
كان أوتو يشك بقوة في أن قاسم قد يكون ابن أخ ملك الدرويد غاليون.
فمسار حياة قاسم حتى الآن، وسر تلك الألفة الغريبة التي يمتلكها، قد يكونان نابعين من دمه وأصله.
“وانظر أيضًا. أليست ألوان عيون وشعر الدرويد غالبًا تميل إلى الفضي والرمادي؟”
“أه؟”
“لو بدّلنا له ثيابه فقط، لظنه الناس درويديًا فورًا.”
“فهمت. سأتواصل بشكل منفصل مع عائلة قاسم وأتحقق من الأمر.”
أومأ كاميل موافقًا على فرضية أوتو المقنعة، وقرر البدء بجمع المعلومات.
***
“لكن لماذا جاء أهل القارة للبحث عنا نحن الدرويد؟”
“آه، نعم.”
أجاب أوتو عن سؤال غاليون.
“حاليًا الإمبراطورية الشمالية تستعد لغزو توندرِيا، ولذلك جئنا لنتشاور معكم بشأن هذا الأمر.”
“همم! في الحقيقة، نحن الدرويد نراقب هذه المسألة منذ مدة! فقد لاحظنا أن تحركات الإمبراطورية الشمالية غير مطمئنة، ولذلك حذرنا عدة أعراق غير بشرية وطلبنا منهم توخي الحذر.”
“نعم، سمعتُ ذلك من ملك قبيلة البنغ.”
“لا داعي للقلق كثيرًا بشأن هذا الأمر. فالدرويد ينتشرون في أرجاء توندرِيا ويعملون على إقناع مختلف الأعراق غير البشرية.”
“هذا غير كافٍ.”
“هم؟”
“لا بد من عقد تحالف. الغزو من الإمبراطورية الشمالية قد بدأ بالفعل. فهم الآن يقيمون قاعدة سرية في منطقة الحدود ويستعدون للغزو.”
فتح أوتو الخريطة وأشار إلى موقع القاعدة السرية التابعة للإمبراطورية الشمالية.
“لقد أقاموا قاعدة سرية بالفعل؟ ولم يمضِ وقت طويل منذ ظهور بوادر التحرك!”
“الغزو قد بدأ بالفعل.”
“إذًا يجب أن نهاجم ذلك المكان فورًا…….”
“لا.”
هز أوتو رأسه.
“إذا عبثنا بالقاعدة السرية الآن، فقد نكون كمن يضرب عش الدبابير. بل قد يصبح ذلك الشرارة التي تعجّل بغزوهم.”
“همم!”
“يجب أن نراقب الوضع، لكن في الوقت نفسه علينا أن نُعِدّ العدة بأسرع ما يمكن، وندفع أعراق توندرِيا غير البشرية إلى تشكيل جيش تحالف. عندها فقط يمكننا إيقاف غزو الإمبراطورية الشمالية.”
“كلما سمعتُ كلامك، ازددتُ اقتناعًا بأنه صائب مئة بالمئة.”
أومأ غاليون برأسه.
“فلو لمسنا تلك القاعدة السرية، واندفعت الإمبراطورية الشمالية للهجوم فورًا، فستكون كارثة.”
“صحيح.”
“نراقب، لكن نستعد مسبقًا؟”
“بالضبط.”
أومأ أوتو برأسه.
“إذا تعاونت الأعراق غير البشرية وشكلت جيش تحالف، ونصبت الفخاخ مسبقًا وانتظرت، فسنتمكن من تقليل الخسائر.”
“استراتيجية جيدة.”
“سيساعدكم قاسم، إلى جانب فرسان السيف السحري من وطننا.”
قال أوتو مشيرًا إلى قاسم.
‘إنه الشخص المناسب.’
فقاسم، بفضل قدرته الفريدة على الألفة، من المؤكد أنه سيلعب دورًا كبيرًا في توحيد أعراق توندرِيا غير البشرية وتشكيل جيش التحالف.
وبما أنّ قاسم يتمتع بدرجة من الألفة تفوق معظم الدرويد، فلا يُعدّ مبالغة القول إن توندرِيا كانت عمليًا منطقة عملياته الخالصة.
“قاسم يا فارس.”
“نعم، أنا هنا.”
جثا قاسم على ركبة واحدة أمام أوتو وأدّى التحية باحترام.
“اعتبارًا من هذه اللحظة، كلّفك بأن تساعد الدرويد هنا في توندرِيا على تعزيز انسجام الأعراق غير البشرية، وأن تسهم في تشكيل التحالف.”
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
“وكذلك، ابذل قصارى جهدك مستقبلًا للدفاع عن توندرِيا إلى جانب الأعراق غير البشرية ضد غزو الإمبراطورية الشمالية.”
“أتلقّى الأمر، وسأعمل به بكل إخلاص.”
ارتسمت ابتسامة على شفتي قاسم وهو يرفع نظره إلى أوتو.
‘أخيرًا! أن أُكلَّف بمهمة بهذا الحجم!’
امتلأ صدر قاسم بالحماسة.
فالأمر الذي أصدره أوتو الآن كان مهمة جسيمة تشمل منطقة كاملة، مسؤولية ثقيلة بكل المقاييس.
ورغم ثقل العبء، كان قاسم سعيدًا.
إذ لطالما أراد أن يثبت قدراته لأوتو، ولذلك كانت هذه المهمة موضع ترحيب بالنسبة له.
“حسنًا.”
ابتسم أوتو.
“سأخبرك مسبقًا بما يجب عليك فعله، فاستعن بهذه المعلومات أثناء تنفيذ المهمة.”
“نعم! يا صاحب الجلالة!”
وخلال إقامته في قرية الدرويد، نقل أوتو إلى قاسم كل ما يعرفه من معلومات.
طباع ملوك الأعراق غير البشرية، ما يحبونه، ما يكرهونه، علاقات الشخصيات ببعضها، إضافة إلى الشخصيات الأساسية والأوضاع العامة في توندرِيا، وغير ذلك الكثير.
بل إنه نقل له حتى معلومات لا يمكن لأحد معرفتها سوى لاعب مثل كيم دوجين، وذلك ليضمن أن قاسم سيتمكن من أداء مهمته على أكمل وجه.
وبعد يومين.
“إذًا، أعتمد عليك. يا السير قاسم."
“نعم! يا صاحب الجلالة!”
"جيوك! جيوك جيوك جيوك!"
ترك أوتو قاسم وفرسان السيف السحري خلفه، وغادر توندرِيا عائدًا إلى القارة.
كان قلب أوتو، وهو يمتطي كاماكي متجهًا نحو القارة، أخفّ من جهة، لكنه في الوقت نفسه كان مثقلًا.
‘لقد أنهيت كل ما أستطيع الاستعداد له. ما تبقّى هو شأنهم.’
لقد حذّر أوتو من غزو الإمبراطورية الشمالية، وساهم في تشكيل التحالف، وشرح لهم طرق الاستعداد.
ومن الآن فصاعدًا، بات الأمر بيد أهل هذا العالم.
لم يعد هناك ما يمكن لأوتو أن يفعله.
‘الآن، لم يتبقَّ سوى أن أُعِدّ نفسي.’
لامس أوتو دون وعي كُوران المعلّقة عند خصره.
‘يجب أن أصبح أقوى. عليّ أن أرفع قوتي القتالية إلى أقصى حد قبل غزو الإمبراطورية الشمالية.’
فقد كان صحيحًا أنه، خلال تجواله في أرجاء القارة وإنجازه لمختلف الأمور، اضطر إلى إهمال تدريبه الشخصي.
لكن الآن، الأمر مختلف.
فبعد أن أنجز كل الاستعدادات، لم يعد هناك سبب للحركة.
‘عندما أعود، سأتفرغ فقط لتدريب السيف والسحر.’
حمل أوتو هذا العزم في قلبه، وتوجّه نحو القارة.
***
ما إن وصل كاميل إلى القارّة حتى التقى فورًا بوالدي قاسم وتحدّث معهما.
“……في النهاية، لم يعد بالإمكان إخفاء الأمر.”
بعد صمتٍ طويل، كشفت والدة قاسم أخيرًا سرّ مولده.
“قاسم في الحقيقة ليس ابننا.”
“آه.”
“عندما سافرنا إلى مملكة كييف، كان هناك طفلٌ رضيع قد جرفته الأمواج في البحر. وحتى الآن، كلما فكّرت في الأمر أجد من العجيب كيف أمكن لذلك الرضيع أن يطفو في ذلك البحر البارد. لكن تبيّن لاحقًا أن ثعلبة الماء ضخمة كانت تحتضن الطفل.”
“…….”
عند سماع قصة عبور قاسم للبحر وهو رضيع على ظهر ثعلبة الماء، عجز كاميل عن إيجاد كلماتٍ يقولها.
أي إن قاسم كان يمتلك منذ نعومة أظفاره ألفةً خارقة مع الحيوانات، إلى حدٍّ غريب.
“لقد ربّينا قاسم بكل ما أوتينا من إخلاص. وحين رغب في أن يصبح فارسًا سحريًا، لم نبخل عليه بأي دعم، وفي النهاية جعلناه فارسًا سحريًا نفخر به في دوقية كونتاتشي.”
“أعلم ذلك.”
أومأ كاميل برأسه موافقًا على كلام والد قاسم.
“أن أكتشف أن ابننا وجد أخيرًا سلالته الحقيقية… إنني سعيد حقًا.”
“وأنا كذلك.”
كان والدا قاسم شخصين طيبين للغاية، وقد فرحا من أعماق قلبيهما لأن ابنهما عثر على دمه الحقيقي.
“إذًا، سنجعل هذا الخبر معروفًا بيننا فقط في الوقت الحالي. فأنتم الوالدان الحقيقيان اللذان ربّيا قاسم، فماذا لو أخبرتماه أنتما مباشرةً عندما يعود لاحقًا؟”
قال كاميل ذلك مراعاةً لقاسم ولوالديه.
“نحن ممتنّان لاعتبارك، يا كاميل.”
“شكرًا لك حقًا.”
توجّه كاميل مباشرةً إلى أوتو، الذي كان يقيم لدى عائلة سالزبورغ، وأبلغه بأن قاسم في الحقيقة من سلالة الدرويد.
“……عبر البحر وهو رضيع على ظهر ثعلبة الماء؟”
شعر أوتو بالأسى من جهة، وبالدهشة من جهةٍ أخرى.
أيُّ رضيعٍ هذا الذي يعبر البحر ممتطيًا ثعلبة الماء؟
“قررنا ألّا نخبر قاسم في الوقت الراهن. فإخباره بهذا الأمر هو من حق الوالدين اللذين قاما بتربيته، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح.”
وافق أوتو رأي كاميل.
“إذًا، انتهى هذا الأمر. ولا تبحث عني في الفترة القادمة.”
“نعم؟ ماذا تقصد بذلك……؟”
“سأدخل في تدريبٍ مغلق. مع إليز.”
“……!”
“سآكل، وأنام، وأتدرّب فقط إلى أن يبدأ غزو الإمبراطورية الشمالية. وحتى ذلك الحين، سأتخلّى عن كل شيء.”
“مفهوم.”
قرأ كاميل في كلمات أوتو عزيمةً واضحة.
‘إنه جاد.’
عندما رأى عيني أوتو تلمعان كأنهما تشتعلان، شعر بأن الأمر ليس عاديًا.
فبطبيعة أوتو، لم يكن ليقول إنه سيتخلّى عن كل شيء ويتفرّغ للتدريب لمجرّد التصدّي لغزو الإمبراطورية الشمالية فقط.
“ما الذي يقلقك؟”
“هاه؟”
“الاستعداد لغزو الإمبراطورية الشمالية يسير على ما يرام، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح.”
“ومع ذلك، لماذا تذهب إلى حدّ التدريب المغلق وتكريس نفسك للتدريب؟”
“……ذلك لأن.”
تردّد أوتو لحظة أمام سؤال كاميل الحاد.
“لأن إيقاف الإمبراطورية الشمالية ليس كل شيء.”
“نعم……؟”
“لأننا سنواجه حاكم الشياطين.”
م.م: حاكم الشياطين تحريف مني لانه جملة بتحديد بداية تم تحريفها الى حاكم لذلك هنالك فرق بين ملك الشياطين و حاكم الشياطين🙂
“حاكم الشياطين…… أتعني شيئًا كملك الشياطين الأعظم؟”
“لا.”
هزّ أوتو رأسه.
“لا أعرف كيف ينبغي أن أصفه بالضبط. لا تخطر ببالي كلمة مناسبة.”
“……؟”
“إن لم نوقفه، ستموت إليز.”
كان هذا هو السبب الذي جعل أوتو يسعى لأن يصبح أقوى، حتى لو تطلّب الأمر تدريبًا مغلقًا.
التهديد الهائل الذي سيأتي مع غزو الإمبراطورية الشمالية.
وفق السيناريو الأصلي، كان مقدّرًا لإليز أن تفنى مع حاكم الشياطين الذي يظهر مع الإمبراطورية الشمالية في هلاكٍ مشترك.
ولمنع ذلك، لم يكن هناك خيار سوى تنمية القوة الفردية إلى أقصى حد.
“هذه المرّة، أنا من سيحمي إليز.”
قال أوتو ذلك وهو يبتسم ابتسامةً باهتة.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.