-هذا مستحيل……!
لم تكن التريتون غولمًا عاديًا، بل كانت آلة يُشغّلها إنسان يمتطيها.
أي إن هناك طيّارًا يتحكم بها.
وكان طيّارو التريتون يُعاملون داخل جيش الإمبراطورية الشمالية كنخبة النخبة.
فلم تكن آلة يستطيع أي شخص قيادتها.
إذ لم يكن يكفي معرفة أساليب التشغيل فحسب، بل كان مستوى توافق المانا بالغ الأهمية، إضافة إلى ضرورة الإلمام بالسيف والسحر معًا.
ولهذا السبب، كان طيّارو التريتون في الغالب فرسانًا سحريين.
فلا بد أن يبلغ المرء مستوى معينًا من الإتقان في السيف والسحر معًا ليصبح طيّار تريتون.
ومن منظور أحد هؤلاء الطيارين، بدا أوتو كيانًا غامضًا بحق.
حتى أشهر فرسان الإمبراطورية الشمالية لا يستطيعون مجابهة تريتون في قتال فردي.
أما خصمه فقد شطر السيف العظيم الذي تلوّح به التريتون، والذي يزن عشرات الأطنان، إلى نصفين بسيف واحد فقط.
وحتى لو غضّ الطرف عن حدة النصل، فإن التفكير في الطاقة الحركية المحمولة في ضربة التريتون يجعل الأمر ضربًا من المستحيل.
-من تكون أيها اللعين!
“من يدري.”
اندفع أوتو نحو التريتون وهو يلوّح بسيف عظم التنين كوران.
“إن كنت فضوليًا، فاسأل في العالم الآخر.”
ولوّح أوتو بسيفه بلا تردد.
-……!
حاول الطيّار على عجل أن يلوّح بذراعي التريتون ليسحق أوتو، لكن بلا جدوى.
شق! شقاااق!
اخترق سيف أوتو الدروع الدفاعية المثبتة على ذراعي التريتون.
-……!
لم يستطع الطيّار استعادة رباطة جأشه.
إلى أي مرتبة يجب أن يبلغ المرء ليتمكن من دفع تريتون إلى هذا الحد بسيف واحد فقط؟
فوووووووووش……!!!
اندلعت الهالة من سيف أوتو كأنها لهب مشتعل.
نار الهالة.
تقنية أسمى من شفرة الهالة، لا ينالها إلا من بلغوا مرتبة سامية.
فلا يمكن إدراك نار الهالة إلا حين يبلغ فهم السيف والتعامل مع المانا ذروتهما.
وكانت قوتها كافية لتمزيق التريتون المصنوعة من الفولاذ.
شررررررر!
اجتاحت نار الهالة المنبعثة من سيف أوتو الدرع الخارجي للتريتون.
ككانغ!
كانغ كانغ كانغ كانغ كانغ كانغ!
تمزق الدرع الخارجي للتريتون كما لو كان ورقًا رقيقًا.
لمعان!
برق سيف أوتو.
سَرَك!
انقطعت إحدى ساقي التريتون.
كووونغ!
انهارت التريتون أرضًا.
شرررر!
شقّ سيف أوتو صدر التريتون.
تشقق!
وانفتح موضع القيادة، كاشفًا الطيّار في الداخل.
“انزل.”
أمر أوتو الطيّار.
“…….”
تردد الطيّار.
‘الطيّار لا يستسلم أبدًا!’
كان طيّارو التريتون نخبة رفيعة في الإمبراطورية الشمالية، مؤلفين على الأقل من ضباط برتبة رائد أو أعلى.
ولذلك كانوا أهدافًا يجب إنقاذها أو استعادتها بالتفاوض في أي ظرف.
لكن ذلك حديث المستقبل.
أما في هذه المرحلة، فكان الطيّار شخصية لا يجوز أن تستسلم أو تقع في الأسر بأي حال.
لماذا؟
لأن الأمن كان بالغ الأهمية.
طريقة تشغيل التريتون سر عسكري فائق لا تعرفه إلا الإمبراطورية الشمالية.
ولو استسلم الطيّار أو أُسر، لتسرّب ذلك السر الخطير.
ولهذا خضع الطيّارون لغسل دماغ صارم يمنعهم من الاستسلام، بل كانت عائلاتهم محتجزة كرهائن.
كانوا يتمتعون بامتيازات هائلة في الأوقات العادية، لكنهم تلقوا تدريبًا يقضي بإنهاء حياتهم بأنفسهم إن وقعوا في الأسر، ووُضعوا في ظروف تجبرهم على ذلك.
“المجد لرومانوف……”
اتجهت يد الطيّار نحو زر التفجير الذاتي.
فلو ضغط الزر، لانفجر محرك التريتون فورًا محدثًا انفجارًا هائلًا.
وحينها لن ينجو الطيّار ولا أوتو.
‘إلى أين.’
أضاءت عينا أوتو ببريق خطير.
“انزل بهدوء.”
أمر أوتو.
“نعم…….”
فتراجع الطيّار ببطء عن زر التفجير الذاتي.
فلم يكن أوتو ليجهل احتمال محاولة التفجير؛ إذ استخدم في اللحظة نفسها سلطة سلب الأرواح ليهيمن على عقل الطيّار.
***
لم يكن أوتو وحده القادر على مواجهة التريتون بمفرده.
فإلى جانبه، كان هناك قويّ آخر يجتاح ساحة المعركة ويتصدى للتريتون.
سيريس.
ابن عائلة سالزبورغ وأخ إليز، كان هو أيضًا قادرًا على مقاتلة التريتون بمفرده.
“بهذه الكتلة الحديدية الثقيلة، إلى أين تظن نفسك ذاهبًا!”
كان سيريس يتفادى هجمات التريتون التي تهاجمه بخفة، بينما يمطرها بهالته كما لو كانت قصفًا مدفعيًا.
كواااانغ كواااانغ كواااانغ كواااانغ كواااانغ!!!
تحت وابل هالة سيريس، اندفعت التريتون التي تزن عشرات الأطنان إلى الخلف، ثم سقطت أرضًا بصوت مدوٍ!
ولم يكن ذلك فحسب.
ففرسان عائلة سالزبورغ تجمعوا في مجموعات صغيرة، وراحوا يتعاملون مع التريتون في مشهد مذهل.
‘هل هذه هي قوة عائلة سالزبورغ الحقيقية.’
أبدى كاميل إعجابًا صادقًا بأداء سيريس وفرسان عائلة سالزبورغ.
فالتريتون كانت وحشًا حتى لو اجتمع عليها عشرات الفرسان العاديين لما ضُمنت الغلبة.
لكن فرسان سالزبورغ كانوا بحاجة إلى ثلاثة فقط في الحد الأدنى، أو خمسة في الحد الأقصى، للتكفل بتريتون واحدة.
إن قوة بيت سيف عريق يمتد تاريخه لمئات السنين كانت مرعبة بحق.
ولم يكن عبثًا أن تُوصَف عائلة سالزبورغ بأنها سيف إمبراطورية أراد ودرع القارة.
وبالطبع، كان كاميل أيضًا من الأقوياء القادرين على مواجهة التريتون وحده.
كومكوانغ كومكوانغ!
اندفعت إحدى التريتون نحو كاميل بسرعة مخيفة.
‘بطيئة.’
انطلق كاميل كشعاع ضوء خاطف.
وميض! وميض! وميض!
اجتاح سيف السرعة الضوئية التريتون.
كووونغ! كووونغ!
لم تستطع التريتون مجاراة سرعة كاميل، فتعرّضت لسحق أحادي الجانب.
ولم يكن ذلك كل شيء.
بَزِزِزِزِزِزِك!
تسببت مانا عنصر الضوء المشحونة في سيف السرعة الضوئية بتحميل زائد على المحرك الماغوتقني للتريتون، فتباطأت حركتها بشدة.
سَرَك!
كوونغ!
أنهى كاميل القتال بقطع إحدى ساقي التريتون بلمحة نظيفة.
لم يكن هناك سبب لمهاجمة التريتون التي أصبحت خارج القتال بالفعل، كما أن الاقتراب منها عبثًا قد يورّطهم في انفجار ذاتي، وذلك أمرٌ خطير.
وفي تلك الأثناء—
“اهربوا!”
“تراجعوا! انسحبوا بسرعة!”
“خ-خذوني معكم! أرجوكم!”
لم يستطع جيش الإمبراطورية الشمالية الصمود أمام هجوم مملكة كييف، فانطلقوا يفرّون مذعورين، كلٌّ ينشد النجاة بنفسه.
هزيمة ساحقة بكل معنى الكلمة.
ففي أول معركة بدأوها بثقة، لم يكتفوا بخسارة مئات التريتون، بل تكبدوا أيضًا ما لا يقل عن عشرات الآلاف من الضحايا، ولم يبقَ أمامهم سوى الانسحاب.
“وااااااااااااااااااااا!”
“انتصرنا! لقد انتصرنا!”
“مملكة كييف! عاشَت!”
“عاااااااااااااااااااشت!”
دوّت هتافات النصر في ساحة المعركة.
رفرف!
فتح أوتو كتاب المذبحة، وجمع طاقة أرواح القتلى.
ومع حجم الخسائر البشرية الهائل، كانت كمية طاقة الأرواح الممتصة في كتاب المذبحة ضخمة بشكل مرعب.
لكن أوتو لم يبتسم.
‘كم عدد الذين سيُقتلون بعد الآن.’
فجنود الإمبراطورية الشمالية الذين سقطوا كانوا بلا شك عائلاتٍ لأحدٍ ما.
كان عدد الأعداء القتلى كبيرًا إلى حدّ لا يسمح بالابتهاج المطلقًا.
فرغم فرح النصر، كان قلب أوتو يعتصر ألمًا لأن عليهم خوض حرب كهذه.
لكن ذلك لم يدم طويلًا.
أعاد أوتو سيف كوران إلى غمده، وشدّد عزيمته.
‘هذه مجرد البداية.’
لم تبدأ الحرب فعليًا بعد.
لقد خُطيت الخطوة الأولى فحسب، وسيُقتل كثيرون بعد.
ولولا أنهم توقعوا غزو الإمبراطورية الشمالية مسبقًا واستعدوا له، لتحولت الأمور إلى حرب عالمية وخسائر أعظم بكثير.
‘ما أستطيع فعله هو إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن.’
قسّى أوتو قلبه، واستدار دون تردد.
إن كان لا بد من القتل، فسيقتل.
فذلك كان السبيل الوحيد لحماية سعادته وسعادة من حوله، وحماية حياتهم.
***
بعد انتهاء المعركة—
“لا تقتربوا منهم أبدًا!”
“كونوا حذرين!”
كانت التريتون المعطّلة لا تختلف عن قنابل موقوتة.
فلم يكن أحد يعلم متى قد يضغط الطيّارون زر التفجير الذاتي ويفجّرون التريتون، لذا منع ضباط مملكة كييف الجنود منعًا باتًا من الاقتراب.
وأصبحت مهمة التعامل مع تلك التريتون حصرًا على عاتق أوتو.
فلو اقترب أحدهم وضُغط زر التفجير عرضًا، لوقعت كارثة.
والمشكلة أن الأشخاص العاديين لم يكن بوسعهم معرفة ما إذا كان الطيّار سيضغط زر التفجير أم لا.
لهذا لم يكن أمامهم سوى أن يتولى أوتو أمر التريتون المعطّلة.
فبفضل سلطة الرؤية النافذة، كان أوتو قادرًا على رؤية ما يفعله الطيّار داخل التريتون بوضوح، مما جعله بمنأى عن خطر التفجير الذاتي.
‘هل أنا فرقة تفكيك متفجرات أم ماذا…….’
فكّر أوتو أنه ينبغي عليه ترقية أداء نظارات الرؤية الليلية التي يستخدمها الفرسان السحريون ترقيةً كبيرة.
وإلا فسيجد نفسه مضطرًا لتحمل عبء التعامل مع جميع التريتون وحده.
“همم. هذا انتحر ببساطة. تسك تسك.”
تفقّد أوتو داخل التريتون بسلطة الرؤية النافذة، وتأكد من أن الطيّار قد عضّ كبسولة سم ومات، ثم فتح قمرة القيادة.
ومع ذلك، كان الطيّار الذي أنهى حياته بنفسه أهون حالًا.
“يا له من أفعى حقودة.”
فقد كان بعض الطيّارين يضعون أيديهم على زر التفجير، متأهبين بعيون مشتعلة بانتظار اقتراب أي أحد.
ولو اقترب أحدهم بتهور من دون سلطة الرؤية النافذة، لكان المصير مرعبًا حقًا.
‘أطعن.’
أشعل أوتو نار الهالة في سيفه، ثم وجّه طعنة مستقيمة نحو الطيّار الذي كان على وشك الضغط على زر التفجير.
بووك!
انطلقت الهالة كالسهم، فاخترقت درع التريتون وثقبت رأس الطيّار الذي حاول الضغط على الزر.
وبعد أن تفقد أوتو جميع التريتون المعطّلة واحدةً تلو الأخرى، لم يتمكن من التقاط أنفاسه إلا أخيرًا.
بلغ عدد التريتون التي غنموها سبع عشرة وحدة.
وبالطبع كانت الأضرار جسيمة، فلا يمكن استخدامها فورًا، لكن طالما أن المحرك الماغوتقني لم يتضرر، فبإمكانهم إصلاحها وتشغيلها مجددًا.
“هيه.”
“نعم، يا سيدي.”
استدار أوتو نحو الطيّار الذي خضع لغسل الدماغ.
“من الآن فصاعدًا، ستعلّمنا طريقة قيادة التريتون.”
“أمرك، يا سيدي.”
“لا تعرف طريقة الصيانة، أليس كذلك؟”
“أنا طيّار، ولا أعرف سوى الصيانة البسيطة.”
“حسنًا.”
طرح أوتو فكرة ثورية للغاية، بأن يجعل الطيّار يعلّمهم طريقة قيادة التريتون.
كان ذلك متغيرًا من صنعه، ولم يكن ضمن خطته الأصلية.
فهو لم يفكر سوى في تدمير التريتون لمواجهة غزو الإمبراطورية الشمالية، ولم يخطر بباله قط أن يستولي عليها ويشغّلها.
أصلًا، حين كان اللاعب كيم دو جين يلعب بشخصية أوتو دي سكوديريا، لم يجرّب قط الاستيلاء على التريتون.
لكن ما إن بدأ يفكر بالأمر، حتى بدا له أنه ليس مستحيلًا.
“لقيادة التريتون، لا بد من معرفة بالسيف والسحر، أليس كذلك؟”
“نعم، يا سيدي.”
“جيد.”
ابتسم أوتو ابتسامة خفيفة.
إتقان السيف والسحر شرط أساسي؟
أي إن قيادة التريتون تتطلب فارسًا سحريًا.
ومن حسن الصدف أن أوتو كان يضم تحت قيادته مئات الفرسان الماهرين في السيف والسحر.
فهو وريث سلالة عائلة كونتاتشي، العريقة في السيف والسحر.
وفرسان كونتاتشي السحريون يتفوقون أساسًا على طيّاري التريتون في الإمبراطورية الشمالية بعدة أضعاف.
وهذا يعني……
‘إذا خفّضنا المستوى المطلوب قليلًا، فإعداد آلاف طيّاري التريتون ليس بالأمر الصعب.’
كان لدى أوتو—بل لدى عائلة كونتاتشي تحديدًا—قدرة فائضة على تخريج طيّاري تريتون.
“ألا تعتزم تشغيل التريتون التي استوليتي عليها حقًا؟”
سأل كاميل بدهشة.
فأجابه أوتو بابتسامة عريضة.
“وما الذي يمنعنا؟”
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.