هزيمة؟

تجمّد وجه فاسيلي كالصقيع أمام تقرير لم يكن في الحسبان.

‘أيمكن ذلك؟’

لم يسعه إلا أن يشك في سمعه.

فمستوى التكنولوجيا في القارة متدنٍ للغاية.

صحيح أنهم يستخدمون مدافع مصنوعة من أحجار الطاقة السحرية، لكن لضعف تطور علم التعدين لم يكن عددها كبيرًا.

كما أن منظومة الأسلحة ما تزال، من منظور الإمبراطورية الشمالية، بدائية وتعتمد على الأسلحة الباردة.

نعم، هناك فرسان بارعون في المبارزة وسحرة متميزون، لكن ذلك لا يكفي إطلاقًا لصد التريتون.

ومع ذلك هُزموا؟

لم يكن الأمر منطقيًا.

“ما الذي حدث؟”

-الأمر هو…

بدأ قائد الفيلق الأول يشرح لفاسيلي ما جرى في معركة سهل بيزدوريزا.

“إذًا… تقول إن جيشنا علق في المستنقع وتوقف؟”

-نعم، يا صاحب الجلالة.

“وأن سلاحًا جديدًا لمملكة كييف دمّر تريتوننا؟”

-ن-نعم يا جلالتكم.

ازداد وجه فاسيلي تصلبًا كلما استمع للتقرير.

تحوّل ساحة المعركة إلى مستنقع موحل؟ يمكن التغاضي عنه باعتباره ظرفًا بيئيًا.

لكن وجود سلاح جديد في القارة قادر على تدمير التريتون ليس أمرًا يُستهان به.

فالتريتون هي الأصل الاستراتيجي الأهم لجيش الإمبراطورية الشمالية، والمحرك الذي يقوده إلى النصر.

وقيمة تريتون واحدة هائلة بحق.

أن تُدمّر هذه الآلة بنيران بعيدة المدى يعني كارثة حقيقية للإمبراطورية الشمالية.

صرير!

طحن فاسيلي أسنانه دون وعي.

لقد تعثروا في موضع لم يكن بالحسبان.

كان يتوقع أن يواجه صعوبة أمام جيش إمبراطورية أراد أو القبائل الهمجية، لا أمام مملكة كييف.

ومع ذلك، لم يكن التراجع خيارًا.

“واصلوا الهجوم.”

-عفوًا؟

ارتعب قائد الفيلق الأول.

ففي الوضع الراهن، حتى احتلال سهل بيزدوريزا سيكلّف خسائر بشرية فادحة، فضلًا عن عدد غير معلوم من التريتون.

-ولكن يا جلالتك، إن واصلنا الدفع بالقوات…

“الجنود يمكن تجنيدهم، والتريتون يمكن إنتاجها من جديد.”

-……!

“لا تقلق، واستمر في مهاجمة مملكة كييف.”

لم يكن فاسيلي ينوي الانسحاب.

فلا بد من احتلال مملكة كييف للسيطرة على الشمال الغربي من القارة.

لقد أُعدّت هذه الحرب طوال مئة عام، فكيف يتراجع بسبب هزيمة واحدة؟

“صِلوا المقرّ العام.”

ما إن أنهى الاتصال بقائد الفيلق الأول حتى أصدر أوامره فورًا.

“زيدوا عدد المجندين، وعجّلوا بإنتاج التريتون. وإن لزم الأمر فاستعينوا بالشعب. أليست الخدمة في زمن الحرب واجبًا على الرعية؟”

“نعم، يا صاحب الجلالة.”

“قائد التموين.”

التفت فاسيلي إلى الجنرال المسؤول عن إنتاج التريتون وإمدادها.

“كم يمكننا أن ننتج بعد؟”

“لدينا من أحجار الطاقة السحرية والحديد ما يكفي لإنتاج نحو عشرة آلاف تريتون.”

“استمروا في الإنتاج، وبسّطوا برنامج تدريب الطيّارين بما يتناسب مع ظروف الحرب.”

“نعم، يا صاحب الجلالة.”

فبما أن الحرب أُعدّت لها على مدى طويل، لم يتردد فاسيلي.

كان قد جهّز مرافق إنتاج قادرة على تصنيع التريتون بكميات كبيرة في فترة قصيرة، ووضع نظامًا متكاملًا لتدريب الطيّارين، ووفّر الموارد الكافية.

كان انتصار جيش مملكة كييف في معركة بيزدوريزا أمرًا مشجعًا لهم، لكنه في الوقت ذاته أتى بنتيجة عكسية.

إذ أصبح دافعًا للإمبراطورية الشمالية لتسريع وتيرة إنتاجها العسكري أكثر فأكثر.

“وأيضًا.”

أضاف فاسيلي كلمة أخيرة.

“استدعوا دميتري.”

عندها ارتجف قادة جيش الإمبراطورية الشمالية الجالسون في الخيمة.

دميتري.

فهم يدركون جيدًا ثقل ذلك الاسم.

***

“أتشرف بالمثول أمام جلالتك.”

ركع فارس يبدو خطيرًا من النظرة الأولى على ركبة واحدة أمام فاسيلي.

حافظ جنرالات جيش الإمبراطورية الشمالية على صمتٍ مطبق.

لم يكن دميتري شخصية مرحبًا بها داخل الجيش.

فهو لم يكن فارسًا، بل مرتزقًا.

قبل خمسة عشر عامًا.

كان فارسًا سابقًا في جيش الإمبراطورية الشمالية، لكنه ارتكب جريمة كبرى بقتل سيده الذي كان يخدمه، ثم اغتصاب زوجته، فصدر بحقه حكم بالإعدام.

غير أن فاسيلي عفا عنه.

إذ كان من بين أقوى ثلاثة مقاتلين في الإمبراطورية الشمالية، وكان من المؤسف إعدامه.

وبموجب ذلك العفو، أصبح دميتري كلب صيد لفاسيلي، يتولى تصفية خصومه السياسيين وغزو الدول المجاورة للإمبراطورية.

ولو عُدِّدت الفظائع التي ارتكبها دميتري خلال تلك السنوات، لما كان لها حصر.

فقد كان يقود وحدة من المجرمين مرتكبي الجرائم الكبرى مثله تُدعى <فرقة الخطيئة الأصلية>، ويتولى تنفيذ كل الأعمال القذرة.

مجازر أسرى الحرب، مذابح المدنيين، الاغتصاب، الحرق، النهب، وغير ذلك.

كان يتكفل بما لا يستطيع جيش الإمبراطورية الشمالية القيام به علنًا.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تكون سمعته السيئة ذائعة داخل الإمبراطورية.

كما أن مرؤوسيه كانوا مجرمين يقتلون كما لو كان ذلك طعامهم اليومي، لذلك كان الجيش النظامي ينظر إليهم بازدراء شديد.

غير أنهم لم يستطيعوا إظهار ذلك علنًا، لقوة دميتري الهائلة، فضلًا عن حماية الإمبراطور فاسيلي له.

“دميتري.”

“نعم، يا صاحب الجلالة.”

“لابد أنك شعرت بالملل طوال هذه الفترة.”

كان فاسيلي يدرك جيدًا مدى احساس دميتري بملل.

فهو ناهب بالفطرة ومهووس بالقتل، وقد عاش السنوات القليلة الماضية مكبوتًا، ومن البديهي أن يكون قد بلغ ذروة السخط.

“انطلق فورًا مع وحدتك إلى مملكة كييف، والتحق بجيشنا هناك.”

“……!”

“لك أن تعيث فسادًا كما تشاء. اجعلهم يدركون جيدًا ماذا يحدث لمن يعادي الإمبراطورية.”

توهجت عينا دميتري بحمرة دامية.

فكلمات فاسيلي تعني أنه سيتغاضى عن أي جريمة حرب قد يرتكبها.

لقد مُنح ساحة مفتوحة لارتكاب أبشع ما يمكن أن يقترفه إنسان.

“سأنفذ أمرك.”

انحنى دميتري بعمق أمام فاسيلي.

وبعد ساعات قليلة.

انطلق دميتري نحو مملكة كييف، يقود آلاف المرتزقة المنتمين إلى وحدة العقاب التي يتزعمها.

***

كانت خطة أوتو لتشغيل التريتون التي تم الاستيلاء عليها تسير بسلاسة تامة.

فعلى الرغم من أن الأقزام لم يمتلكوا القدرة على تصنيع التريتون، إلا أن مهاراتهم كانت كافية لإصلاحها متى توفرت القطع.

كما أن فرسان السيف السحري لم يحتاجوا سوى بضعة أيام ليتمكنوا من قيادتها ببراعة، لذا لم تكن هناك مشكلة في تشغيلها.

“ألن تركبها يا سموك؟”

“همم؟”

مال أوتو رأسه متسائلًا ردًا على سؤال كاميل.

“التريتون.”

“نعم.”

“ولماذا أفعل ذلك؟”

هز أوتو كتفيه وكأن الأمر بلا جدوى.

“أقاتل جيدًا من دونها.”

“آه، صحيح.”

أومأ كاميل متفقًا بعمق.

‘هذا صحيح.’

فأوتو يمتلك مهارة تمكنه من إسقاط التريتون أسرع من أي أحد.

وبالنسبة له، ليست سوى كتلة حديد ثقيلة.

فبضربة من كوران، تتطاير أذرع التريتون وأرجلها، بل ويتشقق درعها الخارجي السميك.

“أخي.”

بعد أن انتهى من مشاهدة العرض التجريبي لتشغيل التريتون، توجه أوتو للحديث مع سيريس.

“نعم؟”

“قريبًا سيصل أقوياء.”

“أقوياء؟”

“لقد مُنيوا بهزيمة ساحقة في المعركة الأولى، أليس كذلك؟ يمكن القول إن الإمبراطورية الشمالية فقدت زمام المبادرة.”

“صحيح.”

أومأ سيريس.

“سيُرسلون على الأرجح أشخاصًا عديمي الرحمة، لكسر معنويات جيش مملكة كييف وبث الرعب فيه.”

“عديمي الرحمة…؟”

“وحدة عقابية مكوّنة من سجناء. لكنهم أقوياء جدًا.”

كان أوتو قد تنبأ بالفعل بنمط تصرف فاسيلي التالي.

‘سيرسل دميتري لكسر معنويات جيش كييف.’

وفق السيناريو الأصلي، كان جيش الإمبراطورية الشمالية يحتل سهل بيزدوريزا في لمح البصر.

ثم يتقدم نحو العاصمة باخموت، لكنه يتعثر أمام المقاومة الشرسة لمملكة كييف.

فباخموت مدينة كبرى، وحركة التريتون فيها محدودة، كما أن القتال في المدن يمنح المدافعين أفضلية ساحقة.

وفي المعارك الحضرية هناك، تكبدت الإمبراطورية الشمالية خسائر بشرية هائلة.

وعندها أرسل الإمبراطور فاسيلي دميتري ورجاله لكسر إرادة المقاومة لدى جيش كييف.

لكن الآن وقد تغيّر مجرى التاريخ، فمن البديهي أن يُدفع بدميتري إلى الميدان في وقت أبكر.

“سيستخدمون حتى أولئك الأوغاد؟”

عقد سيريس حاجبيه بغضب بعد أن استمع إلى شرح أوتو عن دميتري ورجاله.

فمهما بدا بسيطًا، فإنه فارس مخلص لوطنه، يقدّر الفروسية ويؤمن بالشرف.

ولذلك كان أمثال دميتري أبغض ما يكون إليه.

“يجب أن تحذر.”

حذّر أوتو سيريس.

“دميتري من بين أقوى ثلاثة في الإمبراطورية الشمالية.”

“……!”

“على الأرجح، من الصعب ضمان الفوز في مواجهة واحد لواحد.”

“إلى هذا الحد؟”

“نعم.”

أومأ أوتو برأسه.

“لذا لا تتهاون أبدًا.”

“حسنًا.”

“وأيضًا، هذا.”

ناول أوتو سيريس سيف كوران.

“أليس هذا سيفك؟ لماذا تعطيني إياه؟”

“أعيره لك مؤقتًا. إذا واجهت دميتري، فسيُنقذ حياتك.”

“لكن….”

“سأخرج في مهمة، وعلى الأرجح لن أحتاج لاستخدام السيف. فاحتفظ به مؤقتًا.”

قدّر أوتو احتمال فوز سيريس على دميتري بنسبة عشرين إلى ثلاثين بالمئة فقط.

فدميتري مقاتل يقارب في قوته كونراد، رب عائلة كونتاتشي الحالي وجد أوتو من جهة الأم.

ولو التقى سيريس به في ساحة المعركة، فلن تكون له فرصة حقيقية إلا إذا امتلك سيفًا أسطوريًا مثل كوران.

“حسنًا، سأحسن استخدامه.”

لم يجد سيريس بدًا من قبول السيف.

“لكن إلى أين تذهب؟”

“للقيام ببعض السرقة.”

“سرقة…؟”

لم يجب أوتو على سؤال سيريس، بل اصطحب كاميل واختفى فورًا.

لقد استخدم سلطة القفز المكاني، وغادر إلى وجهة مجهولة.

***

“هنا هو….”

ألقى كاميل نظرة على ما حوله.

شوااا!

شوااااا!

كانت أمواج سوداء داكنة تتحطم بعنف على الجرف.

“وأين تظن؟”

ابتسم أوتو بخفة وقال.

“ساحل الإمبراطورية الشمالية.”

“ماذا…؟”

“هذه أول مرة لك في الإمبراطورية الشمالية، أليس كذلك؟”

“هل جئت إلى هنا بالقفز المكاني؟”

“نعم.”

أومأ أوتو.

“يا إلهي.”

لم يجد كاميل ما يقوله من شدة الذهول.

أي سحرٍ هذا؟

في غمضة عين انتقلا من مملكة كييف إلى ساحل الإمبراطورية الشمالية.

“إذًا… هل تستطيع الذهاب إلى أي مكان الآن؟”

“لا.”

هز أوتو رأسه.

“مرة واحدة في الأسبوع. فقط إلى أماكن سبق أن زرتها. لا أستطيع عبور القارة من طرفها إلى طرفها. ربما نصفها كحد أقصى. وإذا كان العدد كبيرًا يصبح الأمر أصعب.”

بدت هناك قيود كثيرة، ومع ذلك تظل قدرة مذهلة.

حتى في عالم يوجد فيه السحر، فإن قطع هذه المسافة الشاسعة في لحظة واحدة أشبه بمعجزة.

“لكن لماذا جئنا إلى هنا؟”

“لدينا قاعدة سرية لجهاز الاستخبارات.”

“ماذا؟”

“دعني أرى….”

تفحّص أوتو الخريطة باحثًا عن موقع القاعدة.

كانت القاعدة مخفية داخل كهف ساحلي، حيث كان فرسان السيف السحري منهمكين في تحليل المعلومات.

“نتشرف برؤيتك، سموّك.”

“نتشرف برؤيتك، سموّك.”

“نتشرف برؤيتك، سموّك.”

ركع الفرسان على ركبة واحدة تحيةً لأوتو.

ابتسم لهم وقال.

“أحسنتم العمل جميعًا.”

فهؤلاء هم الأبطال الخفيون الذين يعملون في الظل من أجل مصلحة الدولة، بل ومن أجل سلام القارة.

لم يكن من السهل أن يقضوا قرابة عام كامل في أرض بعيدة وراء البحر الأسود يجمعون المعلومات ويحللونها.

‘بعد انتهاء الحرب، سأكافئهم بسخاء.’

ثم أصدر أوامره.

“من الآن فصاعدًا، ركّزوا على تتبع حركة جميع سفن النقل المتجهة إلى القارة. والأهم هو العثور على السفن التي تحمل التريتون.”

“نعم، سموّك.”

ما إن صدر الأمر حتى تحرك الفرسان بسرعة.

“آه!”

أطلق كاميل شهقة حين أدرك نية أوتو.

لقد كان ينوي اعتراض التريتون المنقولة إلى القارة في عرض الطريق.

***

ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.

2026/02/21 · 26 مشاهدة · 1544 كلمة
جين
نادي الروايات - 2026