اختفاء سفينة شحن تحمل ألف تريتون؟
وفوق ذلك يُقال إنها فُقدت بسبب إعصار؟
كان أمرًا يصعب على فاسيلي تصديقه.
فسفن الإمبراطورية الشمالية كانت سفنًا فولاذية مزودة بمحركات سحرية هندسية، لا تغرق بسهولة حتى في العواصف العاتية.
-لقد هبّت الليلة الماضية عاصفة مصحوبة بضباب كثيف وأمطار غزيرة.
“هل تقول إن السبب هو الطقس؟”
-نعم، يا جلالة الإمبراطور. يُرجح أنها غرقت فجأة بسبب تدهور الأحوال الجوية، أو جرفتها دوامات بحرية.
“هذا سخيف.”
-نلتمس العفو!
“أوكلتم مهمة بهذا الحجم… ثم تعجزون حتى عن توقع حالة الطقس، فتغرق سفينة محمّلة بكل تلك التريتون؟”
- اقتلني إن شئت!
“بالطبع سأفعل.”
-……!
“أعدموا جميع المسؤولين شنقًا.”
لم يتردد فاسيلي.
فالتريتون هي السلاح الاستراتيجي الأثمن لدى الإمبراطورية الشمالية.
وخسارة ألف وحدة تعني ضربة قاسية.
لا سيما وأن التقارير من سهول بيزدوريزا كانت تشير إلى تدمير عشرات التريتون يوميًا.
ولو حدث خلل في الإمداد، فلن يكون غزو القارة ممكنًا، بل حتى احتلال مملكة كييف سيصبح مهمة شاقة.
كان ينبغي أن يسحقوا كييف سريعًا ويبدؤوا بالضغط على القبائل الهمجية، لكن الأمور تعقدت وأمسكت بهم من أعناقهم.
“أعدموا جميع المشاركين في عملية النقل، وصادروا ممتلكاتهم.”
-جلالة الإمبراطور!
“وأجبروا عائلاتهم على العمل القسري في مصانع إنتاج التريتون.”
-أمرك مطاع…
قطع فاسيلي الاتصال من طرف واحد بعد إصدار أحكامه القاسية.
“…….”
“…….”
“…….”
خيّم الصمت على الخيمة.
لم يجرؤ أحد على فتح فمه.
جوٌّ مشحون كالجليد الرقيق.
“اسمعوا جميعًا.”
“نعم، جلالة الإمبراطور.”
“اطلبوا تعزيزات من الوطن، وأرسلوا مزيدًا من القوات إلى مملكة كييف.”
في النهاية، قرر فاسيلي تعزيز قواته في كييف.
فبحسب خطته الأصلية، كان ينبغي أن يبدأ الحرب ضد القبائل الهمجية في هذا التوقيت، لكن الخسائر غير المتوقعة منعته من توسيع الجبهة.
لذا قرر أولًا إخضاع مملكة كييف بالكامل، ثم التفرغ لإخضاع القبائل الهمجية، وبعدها التوجه إلى الجدار لمواجهة جيش إمبراطورية أراد.
فلو فتح جبهات جديدة قبل أن يحسم كييف، فقد يتكبد خسائر أعظم.
***
في سهول بيزدوريزا، كانت المعارك بين فرسان مملكة كييف ومرتزقة الإمبراطورية الشمالية في أوجها.
في الاشتباكات الصغيرة المنتشرة في أنحاء السهل، تكبد فرسان كييف خسائر فادحة.
فمع بدء المرتزقة ذوي المهارات المرعبة من الشمال في التحرك، لم يتعطل صيد التريتون فحسب، بل سقط مئات القتلى.
كان الوضع بالغ الخطورة.
إذ تجاوزت الخسائر ما يحدث في المعارك الشاملة، مما أثقل كاهل قيادة جيش كييف بالهموم.
وفوق ذلك، بدأ مرتزقة الإمبراطورية الشمالية بارتكاب جرائم حرب مروعة، فأصاب الرعب فرسان كييف.
فمهما بلغت شجاعتهم، لم يكن من السهل عليهم احتمال فظائع كهذه.
وزاد الطين بلة أن الإمبراطورية الشمالية اعتمدت تكتيك نشر قواتها على نطاق واسع ثم إحكام الطوق تدريجيًا، مما جعل تحركات جيش كييف صعبة للغاية.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تعثر في صيد التريتون، بل بدأت سهول بيزدوريزا تُلتهم قطعةً قطعة.
‘يجب أن نوقفهم.’
في النهاية، قرر سيريس أن يقود فرسانه بنفسه لصيد مرتزقة الشمال وتخفيف الضغط.
‘إن تركناهم، ستتراكم الخسائر بلا نهاية.’
امتطى سيريس وفرسان عائلة سالزبورغ الويفرن، وتسللوا إلى خطوط العدو، يخوضون حرب عصابات ضد الوحدات الصغيرة.
وخلال إحدى الغارات، وقع الحدث.
“إذن أنتم من كنت أبحث عنه.”
ارتجف سيريس فجأة عند سماعه الصوت.
“مثير للاهتمام. لم أتوقع أن يكون في مملكة كييف شخص بقوتك.”
تقدم دميتري نحوه، شاهراً سيفه الأسود القاتم.
‘إنه قوي.’
أدرك سيريس من النظرة الأولى أن خصمه مرعب.
الضغط المنبعث منه وهيبته كانا هائلين.
أما نية القتل فكانت كثيفة لدرجة أن جلده وخز من شدتها.
‘إنه ذاك الذي حذرني منه أخي.’
تأكد سيريس أن خصمه هو دميتري.
“جيد.”
ابتسم دميتري بعينين تشبهان عيني وحش مفترس.
“يبدو أن في كييف من يستحق أن يُقطع.”
“…….”
“رأس مقاتل بمستواك سيُسعد جلالة الإمبراطور.”
اعترف دميتري بقوة سيريس، لكن ثقته بنفسه لم تهتز.
فهو رجل عاش حياة المفترس.
وفي عينيه، بدا سيريس فريسة شهية.
“تجرؤ…”
تبدل سيريس تمامًا.
اختفى مظهره البسيط والساذج.
“سأجعلك تندم على كلماتك.”
سحب سيريس كوران.
سسسس!
التف نصل الهالة حول كوران.
“……!”
تجمد وجه دميتري حين رأى هالة السيف.
توقع خصمًا قويًا، لكنه لم يتوقع أن يكون قادرًا على استخدام نصل الهالة.
لكن صدمته لم تدم طويلًا.
“يبدو أن الأمر سيكون ممتعًا بعد طول انتظار.”
اشتعلت هالة مماثلة فوق سيفه الأسود.
وفي اللحظة التالية، اندفع الاثنان نحو بعضهما كما لو كان بينهما اتفاق صامت.
بوووم!
كاااانغ!
تلاحمت سيوف سيريس ودميتري بلا توقف، واندلعت بينهما معركة شرسة لا هوادة فيها.
***
في هذه الأثناء، كان أوتو قد وصل إلى القاعدة البحرية لمملكة إيوتا بعد أن نجح الليلة الماضية في الاستيلاء على سفينة الشحن والسفن الحربية الفولاذية التابعة للإمبراطورية الشمالية.
وبفضل قوة الأثر المقدس، كانت سرعة إبحار بحرية إيوتا مذهلة، مما مكنهم من العودة خلال الليل.
“أنزلوا جميع التريتون!”
“انقلوها بحذر!”
“لا تفتحوا الدروع! لا تعبثوا بها!”
سارع جنود بحرية إيوتا إلى نقل التريتون من سفينة الشحن إلى القاعدة.
“جيد.”
ابتسم أوتو وهو يراقب المشهد.
فقد استولى دفعة واحدة على ألف تريتون.
كاد يقفز فرحًا، لكنه تمالك نفسه حفاظًا على هيبة الملك.
“مبارك النصر، سموّك.”
هنأه كاميل.
“كانت عملية رائعة.”
“أليس كذلك؟”
“بلى، سموّك.”
“سنجري عليها بعض التعديلات ونستخدمها.”
كان أوتو ينوي إعادة طلاء التريتون، ونقش شعار مملكة إيوتا عليها، وإزالة آلية التفجير الذاتي قبل تشغيلها.
فمن دون تغيير الطلاء، قد تختلط بتريتون العدو، وقد تُدمَّر بنيران ‘غايبولغ’ الصديقة.
كما أنه لم يكن راضيًا عن فكرة التفجير الذاتي.
فطيارو التريتون نخبة يتقنون السحر وفنون السيف، ولم يعجبه معاملتهم كأدوات تُستهلك.
ثم إن شخصيته لا تقبل بأساليب قذرة كالهجمات الانتحارية.
“علينا استدعاء فرسان السيف السحري إلى هنا للتدريب.”
“قرار حكيم.”
استدعى أوتو فرسان عائلة كونتاتشي إلى القاعدة البحرية.
وأثناء إعادة طلاء التريتون، سيتمكنون من تلقي تدريبات قيادة، ليكونوا جاهزين للقتال فورًا.
‘سنواصل الاستيلاء عليها وتكديسها.’
قرر إبقاء أمر التريتون المستولى عليها سرًا تامًا.
فلو علمت الإمبراطورية الشمالية بخسارة هذا العدد، فسترفع حذرها.
‘سنواصل جمعها. وعندما يتجاوز العدد ثلاثة آلاف، عندها يمكن إدخالها المعركة.’
كان هذا رهانه.
حين تجهل الإمبراطورية الشمالية تمامًا وجود هذه القوة…
وفي اللحظة التي لا تتوقع فيها شيئًا…
سيزجّ بعدد هائل من التريتون دفعة واحدة، ويمسح بهم جيش الشمال.
كانت التريتون المستولى عليها بمثابة ورقة الجوكر الخاصة بأوتو.
“أسرع.”
نظر إلى كاميل.
“الإمبراطورية الشمالية ستركز قواتها على مملكة كييف. كييف في خطر.”
كان يتوقع الخطوة التالية بدقة.
‘سيجمعون معظم قوات الإنزال هناك. علينا أن نجذبهم أكثر.’
لم يكن هدفه مجرد نصر ساحق ينهي الحرب سريعًا.
بل كان يريد استدراج الإمبراطورية الشمالية، ودفعها إلى استنزاف قوتها العسكرية والاقتصادية تدريجيًا.
حتى تنهك نفسها بنفسها، فلا تقوم حرب كبرى لمدة خمسين إلى مئة عام.
“لننطلق.”
“نعم، سموّك.”
وبما أن مهلة إعادة استخدام القفز المكاني كانت قد انتهت، اصطحب أوتو كاميل فورًا متجهًا إلى سهول بيزدوريزا.
***
عند وصول أوتو إلى مقر قيادة مملكة كييف، كان بانتظاره خبر سيئ.
“سموّك، السير سيريس أصيب إصابةً قاتلة ويخضع للعلاج.”
“ماذا قلت؟!”
ارتجف أوتو فور سماعه الخبر.
سيريس، شقيق إليز… كان بمثابة عائلة له.
وأن يُقال إنه مصاب إصابة قاتلة ويصارع الموت…
“أُصيب أثناء قتاله مع قائد مرتزقة الإمبراطورية الشمالية، وتم نقله على وجه السرعة. حالته حرجة للغاية.”
كان وجه كفار مظلمًا وهو يتكلم.
“يقول الأطباء العسكريون… إن عليكم أن تستعدوا للأسوأ.”
“إلى هذه الدرجة؟!”
“نعم….”
“أين هو؟”
اتجه أوتو فورًا إلى المستشفى الميداني حيث يُعالج سيريس.
كان سيريس ممددًا كالميت، وجسده مغطى بجراح قاتلة.
تنفسه كان ضعيفًا إلى حد خطير، مما جعل خطورة حالته واضحة دون مبالغة.
“هك… هك….”
إلى جانبه، كانت كوساكينا مطأطئة الرأس، تبكي بلا توقف.
ومع ذلك، كان هناك أمل.
ما دام لا يزال يتنفس، فبإمكانه إنقاذه.
“ابتعدي قليلًا.”
أزاح أوتو كوساكينا برفق، واقترب من سيريس.
“كاميل.”
“نعم، سموّك.”
“أعطني ذلك.”
“تفضل.”
ناول كاميل قمعًا لأوتو.
فتح أوتو فورًا مخزونه في الفضاء الفرعي، وأخرج سائلًا داكنًا أسود مائلًا إلى السواد.
ثم وضع القمع في فم سيريس وسكب السائل فيه.
كوول كوول كوول!
وفي لحظات، امتلأت غرفة العلاج برائحة نتنة خانقة.
“كخ!”
“رأ… رأسي يؤلمني…!”
“افتحوا النوافذ بسرعة!”
لم يحتمل الأطباء والممرضون تلك الرائحة الكريهة، ففتحوا النوافذ وفرّوا من أماكنهم.
سواء فعلوا أم لا.
كوول كوول كوول!
واصل أوتو سكب ‘ذلك الشيئ’ في القمع بلا توقف.
والنتيجة—
“……همم.”
فتح سيريس، الذي كان غارقًا في غيبوبة، عينيه ببطء.
“عزيزي!”
اندفعت كوساكينا المذهولة إلى جانبه.
“هل عدت إلى وعيك؟”
“أخي…؟”
“لحسن الحظ….”
تنفس أوتو الصعداء.
مجرد التفكير بأنه لو تأخر قليلًا لكان سيريس قد مات، جعل رأسه يدور.
“هل أسقطك دميتري؟”
“أسقطني؟…”
ابتسم سيريس ابتسامة ملتوية.
“أنا الذي فزت.”
“ماذا…؟”
ارتجف أوتو من الدهشة.
فاز؟
هل يعقل أنه قطع رأس أحد أقوى ثلاثة في الإمبراطورية الشمالية؟
“فزتَ حقًا؟”
“قطعتُ رأسه.”
“……!”
“أنا ما زلت حيًا هكذا، إذن أنا الفائز… أوووه!”
تقيأ سيريس فجأة.
“أوغ! ما هذه الرائحة؟ معدتي تنقلب…!”
“لا! لا تتقيأ!”
“همم؟”
“افتح فمك!”
أجبره أوتو على إدخال القمع في فمه.
“كح! كحك! كحك!”
“تحمّل يا أخي، إن أردت أن تعيش.”
“كحك! كحك!”
“كاميل! أمسكه!”
فأمسك كاميل أطراف سيريس بسرعة.
كوول كوول كوول!
سكب أوتو ‘ذلك الشيئ’ مرة أخرى.
“كح! كحك! كحككك!”
تلوّى سيريس تحت وطأة هذا التعذيب المفاجئ (؟)، لكن كلما ازداد عذابه، تحسنت حالته.
كانت جراحه الظاهرة تلتئم بوضوح أمام الأعين، وحتى بشرته التي اسودّت بسبب النزيف الحاد بدأت تستعيد لونها تدريجيًا.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.