「ملاحظة هامة: لغباء مني أخطأت في ترتيب نشر الفصول أمس، الفصل 29 متاح الآن」
الثالث عشر من أبريل عام 1937
أعلن موسوليني ضم بلاده لأثيوبيا.
تمكنت الحكومة الأثيوبية بقيادة سيلاسي من الفرار وأسسو حكومة منفية، كما عاد المستشارون العسكريون الألمان إلى بلادهم.
في الثاني عشر من مايو، أعلن شيانغ كاي شيك أنتهاء الهجوم الأولي السادس.
الحزب الشيوعي الصيني الذي بالكاد عاش ليقدم عرضا مبهرا للصلابة سمي بالمسير الطويل، قضي عليه رسميًا.
قاتل الشيوعيون الجيش الثوري الوطني بشجاعة بيد أن ذلك لم يغير من مصيرهم.
ظل مكان الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ ومعاونيه مجهولا.
يرجح البعض هروبه إلى الأتحاد السوفيتي، في حين جاء الأعلان الرسمي أن قذيقة للجيش الثوري هدت مقر القيادة حيث كان ماو تسي تونغ وأعونه خلال المعارك، ورغم أن ذلك لا يبرهن موته، ظل تشيانغ كاي شيك يبدو واثقًا منه
وأعتقد أن هذه هي خير نهاية يمكن للبشرية الحصول عليها.
في اليوم ذاته جاء خبر تتويج جورج السادس في كنيسة وستمنستر ملكًا لأنجلترا خلفًا لأخيه الأكبر الذي تنازل عن التاج.
أرسلت برقية تهنئة بسم الفوهرر الألماني وجائني الرد بعدها بعشرة أيام.
كان الرد رسميًا إلى درجة الجفاء، ومعه بعض التمنيات الطيبة لبلدينا، وبصراحة لم تكن لدي أي شكوى.
فكذلك كانت رسالتي.
بعد عشرة أيام بدأت أكبر حملة تطهير في الإتحاد السوفيتي.
التطهير العظيم.
الأسم وحده كفيل بإحياء صورة ستالين، بغليونه في فمه يدون أسماء من سينزل الحكم عليهم في الديث نوت.
قضى هذا التطهير على كل أعداء ستالين وأتباع تروتسكي وغيره من الشيوعين الذين عارضو بقاء ستالين في السلطة، ومهد إكتمال دكتاتورية ستالين، دكتاتورية الرجل الواحد.
عرفت عملية التطهير هذه بكونها أحدا أشنع جرائم ستالين، لكن مع مرور الوقت ظهرت أوجه نظر جديدة تشفع لها.
تزعم هذه الأراء أن عملية التطهير وأن خلفت ضحايا كثر كانت لها جوانب حسنة عديدة، كالقضاء على الفساد البيروقراطي المتفشي في جميع أرجاء البلاد، والقضاء على القادة العسكريين الذين ظلت أذهانهم عالقة في العقليات العسكرية العتيقة، وفي النهاية، أدى التطهير إلى أزالة العوائق في طريق تحديث الأتحاد الأتحاد السوفيتي.
وبهذا قدر كبير من الحقيقة.
قبل التطهير كان الفساد والإهمال متفشيًا بين كبار قادة الإتحاد السوفيتي، ولم يكن الجيش الأحمر أحسن وضعًا، وقد أعرب ستالين عن تخوفه من إستفحال هذا الوضع مرارًا بل وأظهر غضبه منه علانية.
الفساد في الأتحاد السوفيتي مشكلة بالغة الخطورة، فحتى الشرطة والشرطة العسكرية الذين كانت مهمتهم منع مثل هذه الأعمال شاركو فيها خلف الستار.
لذلك كان التطهير كتخليص البلاد من طبقة ثقيلة من الأتربة والأعشاب الضارة المتجذرة، ما سمح باعادة تأسيس النظام الأداري وتطوير الجيش.
ولكن هذه الأقاويل وإن لم تخلو من الصحة لا تخلو كذلك من تبرير أفعال ستالين.
وهي لا تختلف كثيرًا عن أدعائات النازيين الجدد أن المحرقة شر لابد منه لتوحيد البلاد والعباد وصعود هتلر إلى السلطة.
رغم أن تطهير ستالين أزاح عددًا كبيرًا من المسؤولين الفاسدين، ألا أن عددا من المسؤولين وأعضاء الحزب العاديين راحو ضحية شلالات الدم.
وإن نظرت للأمر بأمعان ستجد أن أدعاء تحقيق الأتحاد السوفيتي للنماء بالتخلص من المسؤولين الفاسدين والمتشددين غير الأكفاء قول لا يخلو من التناقض.
فكما ابقي على غريغوري كوليك أبزر المبدعين المتسببين في تأخير تقدم الجيش السوفيتي لخمس سنين، أعدم ميخائيل توخاتشيفسكي أحد أهم الجنرالات السوفيت بعد أن عذب، ومثله قوسطنطين روكسوف جنرال ذي بأس وأسهامات في الحرب الألمانية السوفيية، أهناك تبرير واضح لما دفعهم لتعذيبه حتى بات عقله كعقل طفل وأرسل إلى معسكرات الأعمال الشاقة لأفناء ما بقي من عمره؟
إعدامات ستلين لم تطور الجيش بقدر ما نشرت الفوضى.
وذاك بادي على الأداء المتقهقر للجيش السوفيتي وضابطه في حرب الشتاء الفلندية، والهزائم المتتالية التي تكبدوها ضد اللمان في معارك كان لهم أن يغلبو فيها وقد دفع الألمان قواتهم إلى أعتاب موسكو في بداية حملة بربروسا.
كما أنه لم يعدم الجنرالات والقادة فحسب بل جر قدرًا من أفراد عائلاتهم ومعارفهم الأبرياء.
مالذي أقترفه هذا القدر من المزارعين البسطاء وعمال المكاتب لتعدمهم بلادهم؟
لذلك بالنسبة لي على الأقل، أغلب الإدعائات الزاعمة بضرورة التطهير العظيم لتحسين الأتحاد السويفيتي وأنها أفادت المجتمع مجرد هبد.
يبدو أني أسهبت دون أن ألحظ.
عموما تظل النظريات بشأن سبب التطهير كثيرة ومتفرعة، وأحدها أنه من تدبير ألمانيا، والثاني أن الـNKVD هدفت لزيادة نفوذها فحرضت ستالين على إعدام قادة الجيش، وهناك نظرية ثالثة تقول أن ستالين أستخدم التدخل الألماني كذريعة للتطهير.
يظل السبب المباشر لغزًا، لكن الأكيد أن القضية برمتها لم تخلو من يد ألمانيا.
وأما عن كيف عرفت ذلك؟
لأني كنت شاهدًا عليه.
***
"ما قولك فخامة الفوهرر؟".
"همم"..
أمامي هايدريش وكانريس واقفان دونما حراك منتظرين أمري.
أزحت ناظري عنهم ونظرت إلى الخطة السميكة الموضوعة أمامي وقد إستغرقت وقتًا معتبرًا لقرائتها كاملة.
ثم أزحت أنظاري عن الخطة ونظرت إلى الرجلين أمامي.
رغم التنافسية الحاصلة بين زعيم الـSD هيدريش ورئيسه الأسبق زعيم الـAbwehr كاناريس، سمعت أن علاقتهما الشخصية ظلت طيبة.
لذا لم يمنعهما التنافس عن التعاون إن دعت الحاجة.
بدأ كاناريس الذي أصبح في التاريخ مناهضًا للنازية عام 1938 في تسليم معلومات ألمانية سرية للبريطانين، لكن ذلك لم يهرب من أنظار هايدريش الذي كان رجلًا ذكيًا، فزاد من مراقبة سلوكيات كاناريس دون أن يلحظ هذا الأخير.
ولكننا اليوم لازلنا في عام 1937، ولا زال كاناريس داعما للنظام النازي، وذاك على حد علمي.
ولربما لهذا تمكن هاذان الرجلان من توحيد جهودهم لصنع هذه الخطة الموضوعة أمامي.
وما كان لي أن أرفض.
"أمنحكم أذني".
"شكرًا لك صاحب السعادة".
لا شيء أكثر تسلية وراحة من جعل أعدائك الشيوعيين يتقهقرون وينتفون بعضهم، ناهيك عن كوننا الرابحين من ذلك.
وبما أنهم حصلو على موافقتي بدأت الوكالتان العمل.
كل ما علينا فعله هو التظاهر بتسريب معلومات عن أفراد بعينهم للأتحاد السوفيتي وننتظر حتى يبتلعها الـNKVD، ويصل التقرير الذي نريده إلى مكتب ستالين.
وبعدها يوقع ستالين عليها مع بقية أوامر الإعدام وتنتهي القصة!
ماذا؟ أتشكك في سهولة الأمر؟
بدأ التطهير العظيم يسير في المسار الذي نريده سلفًا.
في أول أيام التطهير قبض على توخاتشيفسكي للأشتباه في كونه عميلا للنازيين، ومن بعده قبض على روكوسوفسكي.
وبعدها بفترة قصيرة قبضت الـNKVD على ألكسندر إيجوروف المارشال السوفيتي الرفيع وصديق ستالين المقرب وجرد من كافة مناصبه.
حين يبدأ التطهير يصعب أن توقفه، وحتى فاسيلي بلوخر الذي شارك في إعدام توخاتشيفسكي لم يتمكن من الهروب من نفس المصير عام 1939.
وفي حين غمرت أمواج التطيهير الإتحاد السوفيتي وقعت حادثة جسر لوغو في الشرق الأقصى في السابع من يوليو.
حبكة درامية قومية من أبتداع نشاط الأستقلال رينيا موتاجوتشي لتأمين تقدمه.
وعكس ما يعتقده الأغلب، لم تكن حادثة جسر لوغو حيلة يابانية لتبرير غزو الصين، بل مجرد مناوشة بدأها قائد متعصب، ولكنها جرت الصين واليابان إلى الحرب ونهايتها أن غزت اليابان الصين بأسرها.
كما كانت الواقعة مقدمة حرب المحيط الهادئ وبداية الحرب اليابانية الصينية التي يعدها الكثيرون البداية الحقيقية للحرب العالمية الثانية، وهي حرب لا تقل قسوة ووحشية عن الحرب الألمانية.
***
"سيطرة القوات اليابانية على بكين -بيبينغ- وتيانجين".
"وصلت أنباء تفيد بأن جيش كوانتونغ المتمركز في منشوريا عبر الحدود ويتجه جنوبًا".
"تم تدمير البحرية الصينية عمليًا، والظاهر أن حكومة شيانغ كاي شيك قد تخلت عنها وضمت ما تبقى من كوادرها للجيش".
واصل الجيش الياباني إنتصاراته على كل المحاور دافعًا الجيش الثوري الصيني.
السبب الأساسي لسرعة التقدم الياباني كامن في أفتقار الصين للقوة بعد الحرب ضد الشيوعيين حيث فقد الجيش الثوري الصيني كل القوة اللازمة للتعامل مع اليابانيين.
ومع أن المعركة نفسها إنتهت بإنتصار حزب الكومينتانغ على الحزب الشيوعي فإننا نتوقع أن تستغرق الصين وقتًا لتعوض ما خسرته من موارد، وهو ما لم ينتظره الجيش الياباني إذ لم يهدر الفرصة للهجوم على الصين.
وحتى في التاريخ الذي أعرفه إذ لم تنفذ الحكومة الصينية الهجوم الأولي السادس على الشيوعين، عانت الصين التقهقر والهزائم ضد اليابانيين، وا خزياه.
إشتكت الصين من اليابان لعصبة الأمم وطلبت من بريطانيا التدخل بيد أن ذلك كان بلا معنى.
فكما قلت وزدت مرارًا، ما عصبة الأمم إلا صدفة لامعة مجوفة، وبريطانيا بذاتها لم تبدي ذاك القدر من الإهتمام بحل الأزمة.
بريطانيا أكثر إهتمامًا بالحرب الأهلية الأسبانية القريبة منها مقارنة بالصراع الآسيوي البعيد، كما لم تكن راغبة في الإحتكاك باليابان ما لم تنتهك مصالحها في الصين.
في حين قدمت بريطانيا ردًا خفيضًا، إزداد تعويل شيانغ كاي شيك على الدعم الأمريكي، بيد أن موقف أمريكا جاء مشابهًا للموقف البريطاني.
فلا ترى أمريكا حاجة للتدخل في الصراع ما لم يهدد مصالحها في المنطقة.
وزدادت بذلك سطوة اليابان التي كتمت إستيائها من الولايات المتحدة وبريطانيا طويلا.
في العشرين من سبتمبر هاجمت القوات اليابانية العاصمة الصينية نانجينغ.
إحتجت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على هذا، لكن اليابان تجاهلتهم تماما.
ساعتها فقط بدأت بريطانيا التدخل، لكن ذلك لم يغير شيئًا.
وفي غمرت اليأس إستجارت الصين بألمانيا.
الفكرة أن ألمانيا التي حافظت على علاقة طيبة باليابان والصين على حدٍ سواء باتت في حيرة من أمرها.
وقد إنقسمت الأراء في البلاد حول هذا الصراع.
رأى رجال كفالكهوزن وكريبل اللذين كانا في الصين ضرورة دعمها، لكن الأغلب رأو أن الحياد أسلم.
وقد إستفزني أن إقترح هيملر قطع العلاقات مع الصين ودعم اليابان.
لكني إعتدت على ذلك فهذا الرجل يرى الأمور بالشقلوب أغلب الحال، وقبل أيام كان يسترجيني للحصول على تمويل لأبحاث التاريخ للآري.
ألفته حتى أني لم أعد أمتلك رغبة بضربه صراحة.
ثمت نقطة ثابتة في قوله وهي أننا لا نستطيع إستفزاز اليابان -كما لن نربح شيئًا من ذلك- ورغم أني أشجع الصين أجد أن تجنب المشاكل مع اليابان أولى.
قد يأتي يوم تتقاطع فيه مصالحنا، لكنه لم يأتي بعد.
ولا تزال ألمانيا معتمدة على الخبراء اليابانيين لتطوير سلاح البحرية.
وطربيداتنا؟ لا شك أن اليابان ستستعيد مهندسيها فور تعكر العلاقات بيننا، وساعتها سيكون مشروع إعادة بناء كريغسمارينه -البحرية الألمانية- أصعب من ما هو عليه.
لهذا كان جنرالات البحرية ومن بيتهم رايدر مأيدين لأتخاذ صف اليابان في هذا الصراع كما إقترح هيملر، المصالح تدغدغ قلوب الرجال بسهولة.
"الصين واليابان شريكتان تجاريتان لألمانيا، ولا أعتقد أن في مصلحتنا التسرع وتقريب أحدهم على الأخر، أقلها حتى نرى من سيهيمن على المنطقة".
مدهش أن هذا الرأي الحكيم جاء من جورنج.
لربما يعود ذاك إلى أنه لم يدمن المورفين، فأظهر قدرًا من الحكمة والوجاهة في أقواله وأفعاله، عجبًا للمخدرات كم تغير الرجال.
رمق هيملر ورايدر جورينج بنظرات مستنكارة لمعاكسة اقوالهم.
"جورينج محق، الصين واليابان هامتان لنا، إن دعمنا الصين ستنتكس جهود بناء الكريغسمارينه، وإن دعمنا اليابان سنخسر المعدن والمطاط الصيني".
وحين قلت ذلك صمت رايدر و هيملر، إما لكونهما لا يرغبان في تحدي رأيي أو لأنهما فهما الفكرة أخيرا.
يا لطيف.
"ما قولك ريبنتروب؟".
سألت ريبنتروب إذ لا حظت صمته، بدا أنه فهم نيتي، وما إن أذنت له حتى إستجاب كأنه إنتظر فرصة كهذه.
فقال ريبنتروب :"قولي من قول فوهرر، أعتقد أن الأيام ستحتم علينا الإختيار بين البلدين، ومع ذلك فإن الحياد هو النهج الأفضل حاليًا".
أومأت مشيدًا بريبنتروب :"كما هو متوقع من وزير الخارجية، فهمت نواياي تمامًا".
رغم أن ما قلته محض مجاملة لاحظت أن كل من في الإجتماع بات يرمق ريبنتروب بنظرات بها شيء من الغيرة.
وحتى جورينج الذي أشدت بحكمته توًا، لماذا يبدو أعواني ساخطين لعدم مقدرتهم على نهش بعضهم، أليس لهم أن يكونو أصحابًا ويتعايشو ولو قليلا؟
وأتبع ريبتروب قوله:"أعتقد أننا لا نستطيع رفض طلب الصين في التوسط بينها وبين اليابان، بل علينا القيام بذلك في أقرب وقت ممكن لنظهر إهتمامنا بهذه القضية، وعلينا كذلك أن نحرص على ألا تشعر اليابان بأي إنحياز منا للصينين أثناء ذلك".
"ممتاز، قول سديد، أعهد إليك بمقابلة السفير الياباني دوغو، وإني لأثق بأنك لن تخذلني إن أوكلت إليك بهذا الأمر".
"هو كذلك سيدي الفوهرر، سأكون عند حسن ظن فخامتكم وأكثر!".
ببعض الثناء مني بدا ريبنتروب موشكًا على بلوغ السماء.
وقد نظر إليه القوم في القاعة وكأن رغبتهم في نحره قد إزدادت.
ألا تتعبون من الأحقاد؟ يال مشقة هذه الحياة عليكم...
-نهاية الفصل-