وكما قلت سابقا، تشيكسلوفاكيا بلا السوديت كسلحفاة بلا قوقعة.
ورغم أن فرنسا وبريطانيا ضمنتا سلامتها، ألا يقولون أن قبضة الحرامي أقرب إليك من الشرطي؟
إن قامت حرب، وإن غرقت تشيكسلوفاكيا كلها في بحار من اللهب، ماذا ستستطيع الحلفاء حينها أن تفعل؟
يدرك رئيس تشيكسلوفاكيا إميل هاشا ذلك. لذا فإنه يبذل مافي وسعه لعدم إستفزاز ألمانيا وأعطائها مسوغًا للعدوان.
ففي اللحظة التي يخطأ فيها قد تزول تشيكسلوفاكيا من الخريطة.
يعرف هاشا جيدا أن مقدرة ألمانيا المفترضة على حرق براغ لا تعني بالضرورة أن تشيكسلوفاكيا قادرة على فعل نفس الشيء ببرلين، فما كان منه إلا أن علق كبريائه جانبًا وقبل بكل ما تطلبه ألمانيا.
لكن العالم مكان قاسي، لا يرحم أبدا الضعفاء أو يراعي ظروفه.
***
الخامس عشر من مارس عام 1939.
في مقر أقامة الفوهرر الجديد، برلين، ألمانيا..
"فوهرر، وصل رئيس تشيكسلوفاكيا".
"أدخله من فضلك".
إميل هاشا الذي أدخله ريبنتروب لم يبدو مرتاحًا.
هو الذي عُرف عنه ضعف قلبه بدا شاحبا، ومتقلص بما يتنافا مع هيبة المقر الرئاسي الجديد الذي صممه سبير.
نظر حوله يمينًا وشمالًا مرعوبًا ككلب مهجور، ياله من رجل مثير للشفقة.
"أهلا بك سيدي الرئيس، أشكرك على حضورك اليوم".
بعد ان مددت يدي إلى هاشا، تردد لبرهة لكنه مد يده لمصافحتي قائلا: "بل اني متشكر لك على دعوتي، سيدي الفوهرر"
يده خفيفة ورفيعة، بدت لي صغيرة وهشة كأنها ستنكسر أن أفرطت في الضغط عليها.
بعد المصافحة سحب هاشا منديلا من جيب سترته لمسح عرقه، بدا مضغوطا حقا.
حسنًا، أجزم أني أن كنت مكانه لابد أن يصيبني شيء من التوتر.
فهي لحظة حيث تدرك أن مصير أمتك موضوع بين المطرقة والسنداد.
بصفته رئيس أمة جاء في زيارة لبلد أجنبي رافقه وفد معتبر، لكن حين دخل المقر الرئاسي الجديد لم يُسمح له بأدخال أحد.
قد يعد هذا السلوك فظاظة دبلوماسية واضحة من طرفنا، إلا أن هاشا الذي أنفردت ألمانيا بحضن بلاده لم يكن في موضع يخوله تقديم احتجاج رسميًا، فدخل المقر الرئاسي لوحده مكرهًا.
هاشا الآن في أرض العدو وحيدا، يتصبب عرقًا كأنه يبصر مستقبله.
من يراه يظن ان الصيف في أوجه.
"أرجو منك أن تدعنا على أنفراد أيها الوزير ريبنتروب، فثمت ما أود ان احدث به الرئيس".
"حسنًا".
بمغادرة ريبنتروب بقي شخصان في المكتب الفسيح، أنا، وهاشا.
هاشا الذي بالكاد فتح فمه بوجه زاد شحوبًا عن ما كان عليه حين دخل كان أول من تحد: "هل لي أن اعرف لم داعني الفوهرر لقطع هذه المسافة إلى هنا؟".
"دعني أصارحك سيدي الرئيس، وأريدك أن تستمع إلي بأنصات" تجاهلت سؤال هاشا عمدًا ودخلت صلب الموضوع :"ومن منطلق الصراحة معك، أعلمك أني نويت تقسيم تشيكسلوفاكيا، لتغدو جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا".
"عفوًا؟..."
رمش هاشا وبدا انه لم يفهم ما قلته.
وبعدها بلحظة كست ملامح الدهشة والنكران وجهه.
"ما هذا-!..."
لم أنتظره ليعبر عن اعتراضه اذ أكملت قولي :"أسف على ذلك، لكنه لزام لضمان مستقبل ألمانيا العظمى".
وقد قلت بعض الهراء.
وإن كان هراء فإن الهراء الذي يقوله رجل عاطل في الشارع شيء، والهراء الذي يقوله الفوهرر الألماني شيء آخر، فهو هراء له من الوزن ما فيه.
"كنت قد قابلت أمس رئيس الوزراء جوزيف تيسو وقد وافق على استقلال سلوفاكيا، ورغم أنك قد لا تؤيد هذا، فإنه ولمعلوماتك شيء سيحدث عما قريب، لأني سأجعله يحدث".
أثناء حديثي جلس هاشا مثقلًا ينظر إلي في ذهول.
كجثة غادرتها روحها.
"لاداعي للأسى، فحتى عام 1918 لم يكن لتشكسلوفاكيا وجود، والفرق الوحيد الذي قد يلاحظ عن وضعها الأصلي هو أنها ستغدو جزء من الرايخ الثالث، لا الأمبراطورية النمساوية المجرية".
"هاه..."
"تشيك مختلفة قليلا عن سلوفاكيا، فستنضم للرايخ الثالث، والأسم الذي سيطلق عليها هو محمية بوهيميا ومورافيا، ويمكنك أن تظل رئيسا لها، ورغم انها محمية لن تتضر رئاستك لها، وذاك على ضمانتي الشخصية".
"تمهل.."
"كما ستظل حياة التشيكيين على حالها، غير أن الألمانية ستدرس في المدراس، ولن يكون على الجند افناء شبابهم في المهنة العسكرية الشاقة، ولن يقى في التجنيد إلا المستعدون للخدمة في الجيش الألماني، أما بقية الشباب فلهم ان يعودو إلى ديارهم التي حنو أليها ويعمرو الأرض.
كما سنبقي على موظفي الخدمات المدنية وضباط الشرطة التشيكية كما هم، بيد ان رؤسائهم الجدد سيكونون موظفين حكومين نرسلهم نحن، لا عليك سنحرص على الأنسجام، وفي لقاء ذلك سيتمتع التشيكيون بحماية القانون الألماني، ويعاقبون كذلك طبقًا له، وبالطبع ذاك ساري على الألمان فلا تخشى التمييز"
"لقد قمنا كذلك بتجهيز علم جديد مسبقًا، ما رأيك به؟ صممته بنفسي": بذلك عرضت على هاشا علمًا قماشي ثلاثي الألوان بالأبيض والأحمر والأزرق، وهو العلم الذي قُرر أن يغدو علم محمية بوهيميا ومرافيا.
"حسنًا هذا كل شيء، إن كان عدك سؤال فسأل، سأجيبك بصدق": بعد ان انتيهت قررت منحه فرصة لجمع شتات نفسه.
".. أتعتقد حقًا أن أمتنا ستقبل حدوث كل ذلك بالسلم؟.."
بدا صوته أنعم من صوت رفرفة الفراشة، فلا يمكن تبينه إلا إذا أنصت بأصغاء.
"محال أن نقبول ميثاقًا مذلًا كهذا بصدر رحب": ولم يتحاشا هاشا النظر في عيني مباشرة، لكن يديه لم تكفا عن الأرتجاف.
"هذا غير ممكن": أجبته.
هاشا الذي عجز عن الكلم رمقني بنظرات حائرة.
نظرت إلى الرئيس المسن أمامي بهدوء بحت، في هذه اللحظة بدا هاشا في عيني كالجندي الجريح الذي أجهزت عليه في الجبهة الغربية.
يتنفس، لكن ذاك لا يكفي لنعته بالحي.
تلك هي تشيكسلوفاكيا.
"سيدي الرئيس، أعرف كم عملت بجد لسنوات من أجل تشيكسلوفاكيا اكثر من الأخرين، وانا موقن انك لا تريد ان ترى دمار براغ".
"؟!.."
"إني رجل محب للتاريخ والتراث الأنساني، لذا أود تجنب حرق براغ وتاريخها المديد إن أمكن، فإن أصبحت رمادًا، كيف ستسطيع الأجيال التي ستعقبنا تقدير بهاء عمارة براغ المضيئة ليلًا؟ القرار عائد إليك".
لم يستطع هاشا تحمل المزيد.
***
ما إن أفاق المسكين هاشا بعد أن تلاقا الإسعاف الأولي حتى وجد نفسه امام الأمر الواقع.
أمل هاشا أن يكون الأمر برمته كابوسًا، لكنه لم يكن، فكاد يفقد الوعي ثانية.
وعندما استعاد وعيه اخيرا قدمت له كوب ماء، ولعله خشي ان يكون الماء مسمومًا إذ لم يشربه.
ما كان مني إلى أن شربت الكوب وملئته له ثانية من نفس الأبريق وقدمته له، حينها شرب اخيرا بيد انه لم يبدو مرتاحا.
"كل ما أطلبه منك هو توقيع صغير على هذه الوثيقة، الأمر بهذه البساطة".
وبذلك سلمته الوثيقة.
لقد كانت الوثقة مصادقة على ضم ألمانيا للتشيك.
"لا تقلق فأنا رجل عند كلمته، سيعيش الشعب التشيكي للأبد في كنف ألمانيا العظمى، وستكون أنت حامي السلام وحاقن الدماء، لا أخفي عنك انك قد تُكره وتُسب من قبل الجهلة الان، وقد تتهم بالخيانة، لكن أؤكد لك ان التاريخ سيثبت صحت قرارك في المستقبل".
"..."
ظل هاشا صمتًا بعد ان امسك الوثيقة.
وأخيرا ألتقط قلمه بأيدي مرتعشة ووضعه على الوثقة.
"يارب أغفر لي فعلتي"...
بعد أن وقع، فقد هذا المسن وعيه ثانية.
***
اليوم محيت جمهورية تشيكسلوفاكيا من الخريطة.
عبرت القوات المجرية حدود سلوفاكيا، ووقع اشتباك بسيط بينهم وبين الجيش السلوفاكي، لكن الوضع هدأ بسرعة.
فبموجب المعاهدة التي وقعها جوزيف تيسو اول رئيس لجمهورية سلوفاكيا المستقلة مع ألمانيا، تنازلت سلوفاكيا عن جزء من أراضيها لمجر.
اليوم، نجحت المجر بعد أن وضعت نفسها في حضن ألمانيا و أعادت تسليح نفسها وأعلنت إعادة احتلال منطقة الراين -رغم ما اجتذبه ذلك من عداء دولي- في استعادة بعض اراضيها التي خسرتها في معاهدة تريانون.
في العشرين من مارس.
أعلن ميكلوس هورتي وصي العرش المجري رسميا اعادة التسليح.
وقد ادانت رومانيا ويوغزلافيا ذلك من فورهم ببيانات رسمية، بيد أن ميلوكس لم يكن أبه لذلك.
وكان رد المجر هو توقيع تحالف عسكري مع ألمانيا في اليوم التالي، ومقابل هذا الحلف حصلنا على حق استيراد النفط والفحم المجري بأسعار زهيدة.
صحيح أننا نستور النفط من رومانيا، لكننا نواجه مشكلة لعدم وجود طرق مباشرة تربط بين بلويستي حيث حقول النفط وألمانيا.
أما النفط اليوناني فقد نقل إلى ألمانيا بحرًا، ثم نقل بعدها برً من الموانئ ما أستغرق وقتًا.
ولذا رغم أن ما نحصل عليه من نفط المجر أقل من رومانيا، لكنه خيار جيد فسعره مقبول وأستيراده أسهل.
لم تمتلك يوغزلافيا ورومانيا القوة اللازمة لمحاربة المجر، وقد زاد وضعهم صعوبة أن احتمت المجر بألمانيا، لذا لم يستطيعو سوى الأنتقاد علنًا والتراجع سرًا.
بالطبع مشاكل المجر تعني المجر، أما نحن فعلينا التركيز على شؤوننا.
من الدبابات التي أمتكها التشيكسلوفاكيين، تقرر التخلص من الدبابات الخفيف AH-IV وLT-34 وLT-35، وذاك ما خلصت أليه في اجتماع مع جوديريان.
نظرًا لكون AH-IV وLT-34 انواعًا قديمة دون معايير الفيرماخت، قررنا بيع أغلبها لسلوفكيا ورومانيا، اما ما بقي يمكننا ان نعده تذكارا لضم التشيك.
أما LT-35 فأصبح أسمها T35** وستنشر في الفرقة المدرعة الأولى للجيش.
هي افضل من دبابتنا Panzer 1 و 2، كما أنها مزودة بمدفع 20 ملم بدل من مدفع دبابة، لكنها أظهرت اداء يكفي لمواصلة أنتاجها، لكنها لا تواكب المستقبل فخططنا للتخلص من خط الأنتاج.
عكس سابقاتها عاملنا LT-38 معاملة أفضل.
وقد سميت إسمًا جديدًا وهو T38، وتم نشرها في الفيرماخت والSS، قد تكون أضعف من Panzer 4، إلا أن أدائها أفضل من نظيرتها T35، فقررنا مواصلة انتاجها حاليا.
مع نشر T35 سحبت كل دبابات Panzer 1 بإستثناء تلك المستخدمة لأغراض التدريب من الخدمة.
وأيضًا..
"ألق نظرة جنرال، هذه بعض الخطط المطروحة التي اود سماع رأيك فيها".
"هذه..."
أظهر جوديريان تعجبه إذ فحص بأمعان المخطوطات التي عرضتها عليها.
"أعتقد أنها جيدة حقًا".
كمتيم بالمدرعات ولا يعرف سواها أدرك جوديريان من فوره قيمة ما عرض عليه.
وكانت تلك خطط لأستخدام هيكل دبابات T38 معدل لأنشاء بنادق هجوم ذاتية الدفع مضادة للدبابات وناقلات جند مدرعة.
أكيد انها لم تكن عمل يدي أو من بنات افكاري. فهي هياكل موجودة في التاريخ وستصل على كل حال.
وكان أول ما ظهر منها هو المدفع الهجومي.
"سيكون للدرع المائل بقدر 60 ملم الموجودة في مقدمة المركبة تأثير مماثل لدرع عمودي بقطر 120 ملم، ما يمكنه من صد هجمات أغلب الدبابات الموجودة".
كاسحة الدبابات Hetzer سلاح رفيع ظهر اخر الحرب عام 1944، وستخدم حتى هُزمت ألمانيا.
يزن 16 طنًا ما يجعله أخف من Panzer 4 بتسعة أطنان، بيد ان دروعه أفضل من دبابات تايجر.
ولأن تكاليفه معقولة والأنتاج سهل، واصلت تشيكسلوفاكيا أنتاجه بما بقي عندها من مصانع بعد الحرب، كما أستوردتها سويسرا، وشغلتها بسم المدفع ذاتي الدفع المضاد للدبابات G13 حتى عام 1972.
وحتى أسرائيل أبدت أهتمام بتشغيل Hetzer، بيد انها عزفت عن ذلك في النهاية.
إن نجح مهندسونا في تطويرها الآن سنكون قادرين على أدخالها الخدمة بحلول عام 1940 على أبعد تقدير.
كما ننتج حاليا مدفع PaK 38 بكميات كبيرة، ومن المقرر ان يتم أطلاق PaK 40 في الخريف.
حين ترى Hetzer النور سيكون قد تدخل حيز الأنتاج الواسع لذلك لن يكون تركيبه كمدفع رئيسي مشكلة.
وإن لم تكفي الكمية المنتجة يمكننا أستعمال Pak 38 لتعويض النقص، فهو يظل مدعًا لائقًا وذاك على الأقل حتى يواجه T-34 وKV-1 السوفيتين على الجبهة الشرقية.
اليوم أستلقيت على فراشي بقلب مرتاح، متخيلا كيف سيدب سلاح المدرعات الألماني الرعب في قلوب أعدائه.
كم أمل أن يأتي الغد سريعًا.