"فعلها هتلر!".

"عرفت أننا لا نستطيع تصديقه! اللعنة".

حين ضمت ألمانيا التشيك، وجدت بريطانيا وفرنسا نفسيهما في موقف صعب.

ضمان الأمن التشيكسلوفاكي الذي وعد به هتلر في القمة الأنجلو-ألمانية بات حبر على ورق، كما لم يعد للتعهد الذي خلص إليه الزعيمان أي مغزى.

مبدئيًا، لم يعد هناك وجود لتشيكسلوفاكيا.

وما كان يومًا جمهورية التشيك بات محمية ألمانية جديدة أسمها بوهيميا ومورافيا، وأما سلوفاكيا فقد باتت دولة في العلن و دمية لألمانيا في السر.

بريطانيا التي هي أكبر متضرر من ضم ألمانيا للتشيك أغضبتها هذه الخيانة.

كما ظهر زور مزاعم الإتحاد البريطاني الفاشي -BUF- الذي صعد وجمع المؤيدين بأدعاء الصداقة البريطانية الألمانية، وزدادت حدة الرأي العام الذي يدعو لمحاسبة ألمانيا.

"لألمانيا طمع لا يشبع، والحرب معها واقعة لا محالة، علينا أن نستعد منذ اللحظة".

"هذا صحيح، نحن في حاجة لزيادة الأنفاق العسكري وتوسيع القوات المسلحة".

"لكن الميزنية..."

"وهل تهم الميزانية الآن؟ الحرب تلوح في الأفق! انها مسألة أمن قومي".

حقيقة، لم يكن تشامبرلين يثق في هتلر كل الثقة، ما دفعه لزيدة الدعم الحكومي للجيش بعد القمة الأنجلو-ألمانية مباشرة.

لكن الأصوات التي تدعو لأستثمار المزيد في الرعاية الأجتماعية بدل الجيش لم تتضائل، ومع ظهور ألمانيا على حقيقتها بضمها التشيك لا زال هناك من يعارض الحشد العسكري.

وما زاد الطين بلة هو ما حدث في الأول من أبريل.

أنتهت الحرب الأهلية الأسبانية التي دامت ثلاث سنوات بأنتصار الفصيل القومي المدعوم من قبل الألمان، ما زاد شعور بريطانيا بالخنقة.

الرأي العام في فرنسا الذي كان مناهضًا بشدة للحرب أثر ذكرى الحرب العظمى بدأ يلين بهذا، فالعدو عن يمين وشمال، وتعالت اصوات تدعو للأستعداد لحرب محتملة ضد ألمانيا.

وفي خضم كل هذا.

بدأت ألمانيا تطالب بالسيادة على ممر دانزج الذي أحتلته بولندا.

القت الحرب ظلالها على أوروبا ثانية، ويبدو أن أيام السلام على القارة العجوز ولت أبكر من ما ظن الجميع.

***

كما توقعت، رفضت بولندا قطعًا تسليم دانزيج لنا.

عرضت على البولنديين حق أستخدام سكك الحديد في دانزج كما يطيب لهم لثلاين عامًا، وعرضت عليهم دعمًا عسكريا لتحديث الجيش البولندي ان قدمو دانزج لنا، لكن لأصدقائنا البولنديين فخر لا يقاس فقد رفضو رفضًا قاطعا.

وبلغني أن القائد العام للجيش البولنيد قد سخر من أقتراحي قائلا: "أن قدم الألمان كونيجسبيرج قد نفكر في أعادة غدانسك -دانزج عند البولنديين-".

وهو تصريح لا يخلو من الجرأة.

كانت أستعادة الأراضي الشرقية التي فقدت بعد خسارة الحرب العالمية الأولى ومنها ممر دانزج حلم جميع الألمان تقريبا.

وقد أتفق في هذه القضية اليونكرز والنزيين، بل وحتى الديموقراطيين الأشتراكيين والشيوعيين.

وأنا الذي كنت مستعدًا لمحاربة بولندا حتى قبل ضم التشيك تظهارت في العلن أني لا زلت أستثمر في المفاوضات وأسعى لحل سلمي في حين وضع قادتي اللمسات الأخير على خطة غزو بولندا.

حين جائتهم أوامري، سهر كايتل براوخيتش ورايخيناو الليل بطوله على خطة الغزو، وبعدها بشهر وضعو تقرير سميك على مكتبي.

أسم عملية غزو بولندا هو عملية الأبيض.

ولم تختلف تفاصيل عملية البيضاء أختلافًا كبيرًا عن نظريتها التاريخية.

بأستثناء تفصيل صغير وهو أننا لم نبرم أتفاقية عدم الأعتداء مع الأتحاد السوفيتي بعد، فشملت الخطة غزو شرق بولندا.

"كم يومًا تظن سنحتاج لأخضاع كل بولندا؟"

أجاب كايتل :"إن سار الأمر كما خططنا فشهر ونصف، وشهران في حال أبدا الجيش البولندي مقاومة أكبر من ما نرجح".

أمرت بتخزين أكبر قدر ممكن من الذخائر قبل الحرب لأني لم أرغب في تكرار التاريخ حيث واجاه الجيش الألماني نقصًا في الذخيرة وأتحسف.

يسير أنتاج الذخائر بسلاسة بفضل جهود كل من شبير وتودت المشتركة، لكن علينا ان نكون متأهبين لأي ظرف كان.

عبس كايتل إذ علق :"التحدي الذي نواجهه هو بريطانيا وفرنسا والإتحاد السوفيتي.."

وحتى براوخيتش ورايخيناو الذين لم يبديا اي شك في هزيمة بولندا تصلبا حين ذكر الحلفاء -لم يصبحو حلفاء بعد-

إحتمال تدخل هذه القوى الثلاثة كان أكثر ما أقلق ألمانيا في مخططها لغزو بولندا. -لم تكن أيطاليا مصدر قلق-

إن هاجم البريطانيون والفرنسيون غرب ألمانيا حين أنشغالنا ببولندا فلا سبيل لردعهم.

ربما كان احتمال تدخل الإتحاد السوفيتي المباشر ضئيلا نظرًا لعلاقته السيئة ببولندا، لكن بريطانيا وفرنسا ستتدخلان دونما شك، وهو ما حدث بالفعل.

يقال ان القادة الألمان لم يكونو وحدهم المذعورين بأعلان الحرب البريطاني والفرنسي، بل حتى هتلر.

وذاك لأن التدخل المبكر للبريطانيين هو أمر على ألمانيا تجنبه بأي ثمن.

فبعد أن فقدو ماء وجوههم في قضية تشيكسلوفاكيا، إن أعقبوها بتراجع في بولندا سيداس بكبرياء هذه الأمبراطورية العتيقة الأرض، وأسوأ ما قد يحدث ازاء ذلك هو أن يفقد حلفاء بريطانيا ثقتهم بها ويختارو الأنحياز لألمانيا، وأمام هذا التهديد لا خيار أمامهم عدا الرد بعدوانية.

سيردون بعدائية إلى درجة ستشكك في ما إذا كانو أنفسهم اللذين أظهرو التردد ومحبة السلام في قضية السوديت.

أنا أعرف أن تدخل البريطانيين والفرنسيين قضية لا مهرب منها، لكن الإتحاد السوفيتي مختلف.

"لا يمكننا فعل شيء بشأن تدخل بريطانيا و فرنسا، لكن لا داعي للقلق بشأن الإتحاد السوفيتي": قلت بعد ان خرجت من زحمة افكاري.

"ما قصدكم بأن لا داعي للقلق من الإتحاد السوفيتي؟": أمال براوخيتش رأسه إذ سأل.

كما بدت الحيرة على كايتل ورايخيناو.

"للنتظر ونرى".

***

قد يكون ذلك اكثر تأخر بقليل عن التاريخ، لكن الأتحاد السويفيتي تأهب بدوره حين بدأت ألمانيا تطالب بممر دانزج البولندي.

السوفييت الشيوعيون، وألمانيا المناهضة للشيوعية بديا كالماء والزيت، محال أن يمتزجا.

مع أن علاقة السوفييت ببولندا لم تكن الأفضل من ذلك، إلا أن أحتمال غزو ألمانيا للأتحاد السوفيتي من الأراضي البولندية أرق ستالين.

لم يحب الأتحاد السوفيتي بولندا، لكن وجودها مهم لمنع اي غزو ألماني للأراضي السوفيتية، فتهديد ألمانيا أكبر بكثير من تهديد بولندا.

لذا حاول السوفييت أجراء اتصالات مع الدول المعنية.

بداية، إقترحو أن تشكل الدول الأربعة، فرنسا وبلوندا وبريطانيا والإتحاد السوفيتي حلف لردع ألمانيا.

لكن موقف بولندا وأنجلترا اللتين كانتا في وضع لا يحسدان عليه جاء مختلفًا عما توقع الأتحاد السوفيتي.

"إقترح السوفييت التحالف؟".

"أولئك الشيوعيون؟ تعش رجبًا ترى عجبًا".

قد لا يبلغ عداء فرنسا وبريطانيا للشيوعية ما بلغته ألمانيا، لكنهم لازالو رافضين لها.

فهما أمبراطوريتان ممتدتان بمستعمرات شرقًا وغربا تغطي مساحتها نصف العالم، والإتحاد السوفيتي يدعو للثورة والقضاء على الإمبريالية والرأس مالية يمثل عدوًا وتهديدًا حقيقيًا، وقد وضعو للمد الشيوعي في الحسبان قبل صعود قوة ألمانيا.

كما لم يعجب ستالين بفكرة التعاون مع الإمبرياليين، لكنه ادرك كذلك ان فرصتهم لغلب ألمانيا وحدهم صغيرة، فلم يكن في يده خيار غير المبادرة بالتواصل.

مهما بلغ هوس الأمبرياليين بالمال، لابد أن يدركو ضرورة التعاون لهزيمة عدوهم المشترك، ألمانيا.

إن هاجم البريطانيون غرب ألمانيا، وحارب السوفييت المانيا شرق بولندا، سينتهي حلم هتلر.

وذاك ما عليهم فعله...

***

"أيها الرفيق الأمين العام، وصل رد إنجلترا".

"الآن؟"

ذهل ستالين عاجزًا عن الكلام.

لم يصدق أن الرد على مقترح التحالف العسكري ضد ألمانيا جائه بعد ستة أسابيع، أليس هذا بالمتأخر كثيرًا؟

وحتى الرد كان مخيبًا.

لم يتطرقو لشيء عن التحالف، بل عرضو عقد اجتماع تمهيدي للنقاش.

صك ستالين اسنانه.

"يال برودهم، الحرب قاب قوسين وهم يعقدون إجتماعا تمهيديًا، هل كل الإمبرياليين على هذه الشاكلة؟".

فقال فياتشيسلاف مولوتوف الذي صار نفوض الشعب للشؤون الخارجية خلفًا لماكسيم ليتفينوف الذي خفضت منزلته وعين سفيرًا للولايات المتحدة:

"بلا، لكن أيها الرفيق العام، لقد جائنا رد وأظن أن علينا النظر للأمر بإيجابية أكبر".

وكان حريصًا في حديثه على أن لا يسيء لستلين موليًا عناية لكلماته.

همهم ستالين :"ماذا في يدنا، علينا أن نفهم ما يريده هؤلاء المتبجحون".

"أحسنت وصفهم أيها الرفيق العام، فالأمبرياليون همج أعمى الجشع بصائرهم"

ستالين الذي نظر لمولوتوف المحاول أرضائه بقليل من الأزدراء هز رأسه ووقف عن مكتبه.

شعر أنه في حاجة لتخفيف ضغوطاته الأخيرة ببعض الفودكا والكونياك.

"أخبر البريطانيين أننا قبلنا، لكننا من سيحدد مكان الإجتماع".

"حسنًا".

إختار ستالين موسكو، عاصمة بلاده موقعًا لهذه القمة الثلاثية، ومن ما يثير الدهشة أن بريطانيا وفرنسا أتفقتا على هذه النقطة.

أحس السوفييت بالراحة لهذه البادرة، لكن سرعان ما حل الغضب محل الأرتياح.

"ماذا؟ أولئك الرجال؟ هل تمازحني؟".

"... ذاك هو الحال"...

وصل وفد التفاوض البريطاني الفرنسي إلى الأتحاد السوفيتي بعد شهر من قبول أقتراح روسيا بعقد الإجتماع في موسكو، وبدل أن يتوجهو مباشرة إلى موسكو حيث العمل، اثرو البقاء في لينينجراد -سانت بطرسبرغ-، وقضو فيها يومهم الأول.

"إذا فهذا هو قصر الشتاء الشهير".

"هو عظيم كما يشاع عنه".

"رأيته في الصور، لكنه أكثر أبهارًا على الحقيقة".

وبعد أن قضو يومهم الأول في التمتع بمعالم المدينة، وصل وفد التفواض إلى موسكو في الثاني عشر من أغسطس.

غضب ستالين، لكنه أسرها في نسفه.

وكلف صديقه المقرب المارشال كليمنت فوروشيلوف الذي كان وزير دفاع الأتحاد السوفيتي بقيادة المفاوضات، ورافقته شخصيات سوفييتية بارزة أخرى كرئيس الأكان.

وبذلك فإن الأتحاد السوفيتي يقدم بادرة اخرى تبين جديته في هذه المفوضات.

لكن أمالهم قد تحطمت مجددا.

"إن وقعت الحرب مع ألمانيا فإن الاتحاد السوفييتي يستطيع نشر 120 فرقة عسكرية، و5000 قطعة مدفعية، 9000 دبابة، و5000 طائرة. كم عدد القوات التي يمكن لبريطانيا وفرنسا نشرها؟"

ورد رئيس الوفد الفرنسي الجنرال جوزيف دومانج على كلام فوروشيلوف قائلا:

"تستطيع فرنسا نشر 110 فرق و4000 دبابة".

"همم."

يعد هذا العدد كبيرا رغم أنه أقل من الجيش الأحمر.

لكن الجيش الفرنسي يفخر بكونه أقوى الجيوش برًا في العالم، فإذا تم أخذ الجوانب النوعية كالعتاد سيكون الجيش الفرنسي -نظريًا- قادراً على منافسة الجيش الألماني.

"ماذا عن إنجلترا؟"

"بصراحة..."

بدا واضحًا منذ اول لحظة أن موقف ريجنالد دراكس -ممثل الوفد البريطاني- مختلف عن نظيره الفرنسي دومانج لذي جائت كلماته معتزة ووثقة، وكان تأخره في الأجابة كأن شوكة سدت حلقه.

"المملكة المتحدة سترسل 16 فرقة".

"..."

".. ألم تخطأ الرقم؟".

أذهل فوروشيلوف من ما سمعه فحسبها غلطة المترجم.

لكن المترجم قال ما قاله حرفًا حرفًا ولم يخطأ في نقله لفوروشيلوف.

نحن نتحدث عن المملكة المتحدة، قوة عظمى وأمبراطورية كبرى، يعني لا أقل من 160 فرقة، 16؟ أهذه الحسبة منطقية لصناع القرار في لندن؟ وهل تناسب سمعة الأمبراطورية البريطانية كأقوى أمة في العالم؟

خلال الحرب العظمى أرسلت بريطانيا لأوروبا 80 فرقة، أليس هذا التضائل كبيرا وواضحًا؟

"الإمبراطورية البريطانية لن ترسل سوى 16 فرقة؟ أتُراك تمازحنا؟"

"مارشال فوروشيلوف، يخجلني قول ذلك لكنه الواقع، لا تستطيع الإمبراطورية البريطانية في الوقت الراهن إرسال أكثر من 16 فرقة، فمع حالة الاقتصاد بعد الكساد العظيم خفضنا الأنفاق العسكري بشكل ملموس،

بالطبع القصة مختلفة بالنسبة للبحرية الملكية فهي متأهبة في كل حين، لكن الجيش البريطاني يمر بأعادة تنظيم شاملة، لذلك فإن 16 يمكن نشر 4 فرق منهم على الفور هو الحد، أمل ان تتفهمو ذلك".

الأمر يزداد سوءً.

يكفي سخفًا أنهم عرضو 16 فرقة، لكنهم يزعمون الآن أن أربعة فقط متأهبة للقتال من فورهم؟

وتدعونها مساهمة؟

أعجزت بجاحة البريطانيين فوروشيلوف وحتى مترجمه عن الحديث.

تبادل فوروشيلوف النظرات مع شابوشنيكوف الجالس بجانبه كأنه يقول: أعلينا أن نستمر حقا؟

لكنه قال مكرهًا :" بصراحة نشعر بشيء من خيبة الأمل، لكن لنحاول المضي في التفوض رغم ذلك"...

لكن خيبات الأمل لا تأتي فرادا.

تحدث الجنرال الفرنسي جوزيف دومانج "أوه، بما اننا بلغنا هذه المرحلة ثمت نقطة نسيت ذكرها".

"تفضل أيها الجنرال دومانج".

"لا تملك فرنسا خطط لنشر قواتها خارج خط ماجينو، أرجو أن تعولو على ذلك".

وقد تلقى فوروشيلوف الذي كان يحاول تهدئة عقله بشرب الشاي ضربة قاسية أخرى.

"···"

أن أعلان فرنسا انها لن تنشر قوات خراج خط ماجينو أشبه بتصريح بأنها لن تهاجم الأراضي الألمانية.

بالعربي البسيط، سيجلسون خلف جدرانهم منتظرين الهجوم ويدافعون عن أنفسهم، معولين على الأتحاد السوفيتي للماضي في خططه محاربة ألمانيا لوحده مع دعمهم العاطفي.

بالعربي البسيط 'اللهم نفسي'.

2025/06/11 · 58 مشاهدة · 1749 كلمة
نادي الروايات - 2026