11 - لماذا علي ان اتحملك ابي

قاعة الطعام

"باه!"

صفع الطبق بقوة، فتطايرت محتوياته على الطاولة.

صرخ بصوت عالٍ اهتزت له القاعة:

— ما هذا؟!

الخادمة كانت مصدومة، ترتجف في مكانها. الأب نهض فجأة من كرسيه:

— داميان! ماذا أصابك؟!

الكل ينظر إليه بصدمة. ثيو وأرين تجمدا في مكانيهما. حتى أنا شعرت بالصدمة.

داميان كان دائمًا عاقلًا، هادئًا، لا يتصرف بتهور أبدًا. هذا ما قالته الرواية. هذا ما يعرفه الجميع.

لكن الآن...

نظر داميان إلى الأب بعينين ملتهبتين، ثم صرخ:

— هذا الطعام! كله مليء بالملح! حتى أن بلعه أمر مستحيل!

مد يده وأخذ طبق من الأرض.

— كيف يُقدم هذا الطعام لأختي؟!

تلك الكلمة...

"أختي"...

توقفت أنفاسي للحظة.

أختي؟ هل يناديني الآن بـ"أختي"؟ هو الذي لم ينظر إليّ طوال حياتي؟ هو الذي كان باردًا مع يونا دائمًا؟

لكن... لماذا الآن؟

نظر إليّ داميان، غضبه لم يهدأ بعد، صوته لا يزال عاليًا:

— وأنتِ! لماذا كنتِ تأكلين هذا؟! هل أنتِ بكامل عقلك؟!

تقدم خطوة نحوي.

— هل هذا ما يُقدم لكِ يوميًا؟ أجبيني يا يونا!

نظرت إليه. إلى عينيه الملتهبتين. إلى الجميع حولي. الأب يقف متوترًا. أرين وثيو ينظران بخوف وارتباك. الخادمة تبكي بصمت.

وفجأة... خرجت الكلمات.

لم أخطط لها. لم أفكر فيها. خرجت وكأنها تتدفق من مكان عميق في روحي. من مشاعر يونا الأصلية. من الألم المتراكم لسنوات.

— هذا... هذا لأنني أردت قضاء وقت أكثر معكم.

توقفت للحظة. رأيت وجوههم تتجمد.

— أردت أن أشعر أنني فرد منكم. ظننت أنه... ربما بهذا قد يتغير شيء.

ابتسمت ابتسامة مرة.

— لكن... أظن أنني كنت مخطئة.

صمت.

صمت ثقيل، قاتل.

الجميع نظر إليّ بصدمة. حتى الخادمة توقفت عن البكاء.

لكن داميان... داميان نظر إليّ بطريقة مختلفة. ليس صدمة فقط. بل شيء آخر. فضول؟ حيرة؟ أم ماذا؟

قال بصوت أكثر هدوءًا، لكنه لا يزال حادًا:

— إذن... ما الفرق الآن؟ أعني، ما الذي تغير حتى تخرجي عن صمتك؟

رفعت رأسي ببطء.

نظرت إليه.

لكن هذه المرة... كانت عيناي مختلفتين.

لم تكن فيهما حياة.

كانتا مظلمتين. فارغتين. كأن الروح خرجت للتو.

قلت بصوت مسطح، خالٍ من أي مشاعر:

— لأنني أدركت أنه لا فائدة من هذا.

توقفت للحظة.

— فقط... أدركت البارحة أن محاولاتي مجرد أشياء لا طائل منها.

نظرت إلى كل واحد منهم. إلى ابي. إلى ثيو. إلى أرين. ثم عدت إلى داميان.

— أنا... هل كنتم حتى تعتبروني جزءًا من العائلة؟

حاول داميان أن يتكلم. فتح فمه.

لكنني قاطعته.

— سأغادر.

استدرت.

ومشيت نحو الباب.

خطوة. خطوة. خطوة.

لم ألتفت.

لم أسمع صوتًا واحدًا خلفي.

لا أحد قال "انتظري". لا أحد قال "عودي".

لا أحد.

---

خارج قاعة الطعام

مشيت في الممر الطويل. خطواتي وحدها تتردد على الأرضية الرخامية.

دخلت غرفتي.

أغلقت الباب.

وسندت ظهري عليه.

رفعت يديّ. كانتا ترتجفان.

ماذا قلت للتو؟

لم أكن أخطط لهذا. لكن الكلمات خرجت. كأن يونا نفسها تتكلم من خلالي.

جلست على الأرض. ظهري على الباب. نظرت إلى السقف.

— أنا جائعة حقًا...

ابتسمت بسخرية.

— وقلت كل هذه الترهات.

تنهدت بعمق.

— لكن... أظن أنه كان ضروريًا. لأقطع كل صلة معهم.

فجأة!

طرق خفيف على الباب.

نظرت خلفي.

— من؟

— كبير الخدم يا سيدتي.

نهضت بسرعة. مسحت وجهي. حاولت أن أبدو طبيعية.

فتحت الباب.

كان يقف هناك... كبير الخدم. وخلفه... عشرات الخدم! يحملون أطباقًا وصواني مليئة بالطعام!

نظرت إليه باستغراب.

— ما هذا؟

انحنى كبير الخدم باحترام:

— هذا من السيد... سيد الأسرة.

رفعت حاجبيّ.

ماذا؟!

ابي لماذا؟ الرجل الذي كان يقول البارحة كلمات تكرهني وكأنني عدوه؟ الذي قال إن رؤيتي تقززه؟ الذي لم ينظر إليّ طوال حياتي؟

هو من أرسل هذا الطعام؟

رفعت يدي:

— لا أريده.

كبير الخدم نظر إليّ بارتباك:

— لكن... سيدتي، لا نستطيع. هذا أمر من سيد الأسرة.

نظرت إليه ببرود:

— كم مرة يجب أن أخبرك؟ اذهب.

وفجأة!

صوت حاد من خلف كبير الخدم:

— يجب أن تتناوليه.

تقدم داميان من بين الخدم. وقف أمامي، وجهه لا يزال باردًا لكن عينيه... عينيه مختلفتان.

نظرت إليه باستياء:

— ماذا تريد؟!

— عليك أن تأكلي. أنت لم تأكلي شيئًا في الصباح.

ضحكت بسخرية:

— أنا؟ وما علاقتك أنت بهذا؟ أنا أفعل ما أشاء. لذا... اذهب.

رفعت يدي لأغلق الباب.

لكن داميان وضع يده على الباب. منعه من الإغلاق.

وضع يده الأخرى على وجهه. كأنه يحاول السيطرة على أعصابه. تنهد بعمق، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:

— يونا... لا تصعبي الأمور. فقط تناولي ما أحضره أبي لكِ.

نظرت إليه. إلى عينيه. إلى يده التي تمنع الباب من الإغلاق.

ثم قلت بصوت بارد:

— لا تقل عن ذلك الشخص "أبي".

توقف للحظة. نظر إليّ.

صمت.

ثم تنهد مجددًا. دخل الغرفة ببطء. جلس على الكرسي قرب المكتب. نظر إليّ.

— أنا أفهم شعورك.

ضحكت بمرارة:

— أنت تفهم؟ حقًا؟

نظر إليّ بجدية:

— لكن عليك أن تتفهمي أبي أيضًا. لقد خسر أمي. كانت هي عائلته الوحيدة. وحبه الوحيد.

توقفت للحظة. ثم أكمل:

— أبي... فقد والديه في حادث عندما كان صغيرًا. لذا عاش وحيدًا، يشتد في زمام الأمور لأنه لم يكن لديه أحد. وأمي... كانت خطيبته منذ الصغر. زواج مرتب. كانت هي عونه الوحيد في هذه الحياة.

صمت.

نظرت إليه.

إلى عينيه اللتين تحاولان إيجاد مبرر لأبيه.

ثم قلت بصوت هادئ، لكنه حاد كالسكين:

— وماذا عني؟ ما علاقتي أنا بذلك؟ماذنبي؟

نهضت من مكاني. اقتربت منه خطوة.

— أنا ليسا ذنبي أن جسدها ضعيف. أنا لم أختر أن أولد. كان هذا قرارهم هم. مسؤوليتهم هم.

توقفت للحظة. شعرت بشيء يختنق في حلقي.

— فكيف لي أن أراعي شعور شخص لم يراعني أنا يومًا؟

صمت.

داميان نظر إليّ. لم يقل شيئًا.

أكملت بصوت يختنق:

— داميان... إذا كنت تريد التحدث عن ذلك الشخص، أتمنى أن تغادر. فورًا.

نظر إليّ طويلاً.

طويلاً جدًا.

ثم نهض ببطء.

— حسنًا. سأغادر.

توجه نحو الباب. توقف عند العتبة. نظر إليّ من فوق كتفه:

— لكن لا تنسي. عليك أن تأكلي.

نظرت إليه.

— سأفكر في الأمر.

غادر.

الخدم غادروا خلفه.

لكن الطعام... الطعام بقي.

أطباق وصواني تغطي المكتب والطاولة الصغيرة. روائح تفوح في الغرفة.

وقفت أنظر إليها.

ثم...

قعرررر.

صوت من معدتي.

نظرت إلى بطني.

— حقًا... أنا جائعة.

جلست على الأرض أمام الطاولة الصغيرة. تناولت الملعقة.

لقمة.

لقمة أخرى.

وفجأة...

شعرت بشيء ساخن يتساقط على يدي.

دموع.

أنا أبكي؟

لماذا؟

هل لأنني جائعة؟ هل لأنني تعبت؟ هل لأن أنني قلت شيئًا كان محبوس لسنوات؟

لا أعرف.

لكن الدموع لا تتوقف.

والطعام... الطعام مالح.

لكن ليس بملح الصباح.

مالح بدموعي أنا.

---

في مكان آخر من المنزل

وقف داميان في غرفته. ينظر من النافذة.

تذكر كلماتها.

"أنا لست ذنبي أن جسدي ضعيف."

"كيف لي أن أراعي شعور شخص لم يراعني؟"

أغمض عينيه.

تنهد بعمق.

— يونا...

---

في غرفة الأب

جلس الأب على كرسيه. أمامه صورة زوجته الراحلة.

نظر إليها طويلاً.

تذكر كلمات يونا البارحة.

"سيد كيم."

تذكر كلماتها اليوم.

*"هل كنتم حتى تعتبروني جزءًا من العائلة؟""

وضع يده على وجهه.

— ماذا فعلت؟

---

في غرفتي

أكلت.

بكيت.

أكلت أكثر.

بكيت أكثر.

ثم توقفت.

نظرت إلى بقايا الطعام.

إلى الدموع على يدي.

إلى المرآة المقابلة.

رأيت وجه يونا. عيناها المنتفختان من البكاء. خدودها المبللة.

لكن للمرة الأولى...

أحسست بشعور مختلف عن سابق.

ابتسامة حزينة. متعبة.

لكنها ابتسامة.

قلت لنفسي بصوت عالي:

— أنا لن اسامح أي أحد قام بي ايذا يونا.

نظرت إلى الباب المغلق.

إلى الطعام الذي أرسله من لا يستحق أن يُدعى أبًا.

إلى الذكريات التي تركتها يونا في مذكراتها.

— سأعيش. ليس من أجلهم. بل من أجلي أنا.

رفعت رأسي.

— ومن أجل يونا أيضًا.

---

نهاية الفصل

2026/03/03 · 124 مشاهدة · 1170 كلمة
Around for low
نادي الروايات - 2026