كانت قاعة الحفلة فخمة بشكل لا يوصف. ثريات كريستالية ضخمة تتدلى من السقف العالي، معلقة كنجوم متساقطة فوق رؤوس الحضور. الأرض من الرخام الأبيض اللامع، يعكس أضواء الثريات في كل اتجاه. الجدران مزينة بأعمال فنية ثمينة، وورود طبيعية بيضاء وذهبية تملأ كل زاوية.
عند مدخل القاعة، وقف خدم يرتدون بدلات سوداء أنيقة، يستقبلون الضيوف واحدًا تلو الآخر. كانت يونا تسير خلف العائلة، لوكي بجانبها كظل صامت.
وبمجرد أن دخلوا، بدأ الهمس ينتشر بين الحضور كالنار في الهشيم.
"من هذه الفتاة؟"
"يبدو أنها ابنة سيد كيم... الصغرى؟"
"أوه... تلك التي... لم أرها في مناسبة من قبل."
"أظن أن هناك قصة... لا أحد يتحدث عنها."
تجاهلت يونا الهمسات. رفعت رأسها، وواصلت السير بثبات. الفستان الأسود الطويل ينسدل خلفها، والتطريزات الفضية تلمع تحت أضواء الثريات. كانت كقطعة ظل في قاعة مليئة بالألوان الفاتحة.
---
في وسط القاعة، كان هناك رجل عجوز يجلس على كرسي فخم يشبه العرش. كان ذو شعر فضي لامع، ممشط بعناية إلى الخلف. يرتدي بدلة فضية أنيقة، وحول رقبته ساعة ذهبية قديمة تتدلى من سلسلة. عيناه حادتان رغم سنه، تتحركان بذكاء، تراقبان كل من يدخل القاعة.
كان محور الانتباه بلا منازع. الجميع يتودد إليه، يبتسمون له، يحاولون جذب انتباهه. فهو سيد بارك، جد العائلة من جهة الأم، رجل الأعمال الأسطوري الذي بنى إمبراطورية من لا شيء.
فجأة، قفزت أرين نحو الجد كفراشة وردية. فستانها الوردي الفاتح كان يرفرف خلفها، وشعرها الأشقر المصفف بعناية يلمع تحت الأضواء.
صرخت بصوت طفولي مدروس: "جدي!"
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة حقيقية، ومد ذراعيه ليحتضنها. قال بصوت دافئ لم يسمعه أحد مع غيره:
"صغيرتي أرين! هل جئتِ لحفلة جدك؟"
احتضنته أرين بحرارة، ثم رفعت رأسها وقالت بعيون لامعة:
"نعم! لقد أردت المجيء بأسرع ما لدي لأجلك يا جدي!"
كانت أرين تتألق. الجد يداعب شعرها، والجميع ينظرون إليهما بإعجاب. ثيو وداميان كانا يقفان خلفهما، يبتسمان بسعادة. سيد كيم كان يبتسم أيضًا، لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء... أو عن شخص.
خلفهم جميعًا، وقفت يونا. لم تتحرك. لم تتحدث. فقط انتظرت.
---
بعد لحظات من الاحتفاء بأرين، تذكر سيد كيم فجأة أنه نسي شيئًا. قال بصوت منخفض:
"حسنًا... سأذهب قليلًا."
وانصرف بعيدًا، تاركًا العائلة خلفه.
عندها، التفت الجد نحو يونا.
لم تكن قد اقتربت. كانت لا تزال تقف على بعد خطوات، ثابتة كتمثال. الفستان الأسود جعلها تبدو وكأنها جزء من ظلال القاعة، بعيدة عن الأضواء التي كانت تغمر أرين.
نظر إليها الجد بعينين تغيرتا فجأة. اختفت الدفء الذي كان في عينيه مع أرين. حل مكانه برد قارس، وازدراء خالص.
قال بصوت عالٍ كافٍ ليسمعه من حوله، لكن بطريقة تجعل الكلمات تطير كالسهام المسمومة:
"ماذا بكِ؟ إلى هنا جئتِ لتقتلي أحد أطفالي ثانيًا؟"
توقف كل شيء في القاعة للحظة. الضيوف الذين كانوا يهمسون توقفوا عن الكلام. النظرات كلها اتجهت نحو يونا.
أكمل الجد، وصوته أصبح أكثر حدة:
"أيتها الطفيلية الحقيرة."
كان داميان يحاول التدخل. تقدم خطوة وقال بصوت منخفض: "جدي، هي..."
لكن الجد قطعه بنظرة واحدة. قال بحدة:
"أنت اصمت. هذا لا يعنيك."
---
لم يتوقع أحد ما حدث بعد ذلك.
خطا لوكي خطوة إلى الأمام. كان وجهه هادئًا، لكن عينيه كانتا تقدحان نارًا. بدلته السوداء جعلته يبدو كشبح خرج من الظل خصيصًا لهذه اللحظة.
قال بصوت منخفض لكنه قطع الهواء كالسكين:
"ومن تظن نفسك أيها العجوز الخرف؟"
ساد صمت مروع. الحضور توقفوا عن التنفس. حتى الموسيقى بدت وكأنها توقفت للحظة.
أكمل لوكي، وصوته لم يرتفع، لكن كلماته كانت كالصخور تُلقى في بحر هادئ:
"هل تظن أنك محور الاهتمام؟ أنت ستموت على أي حال قريبًا. لذا يجب أن يحسنوا معاملتك. وليس العكس."
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة لم تحتمل الرد:
"أو هل تريد اللحاق بابنتك؟ بما أنك تستعجل الموت بهذه الطريقة."
صُدم الجميع. حتى يونا، التي اعتادت على ود لوكي، نظرت إليه بعينين واسعتين. كان يخاطر بكل شيء. كان يخاطر بحياته من أجلها.
الجد ارتجف من الغضب. احمر وجهه، وانتفخت عروق رقبته. صرخ بصوت عالٍ:
"من أنت أيها السعلوك؟! ومن سمح لك بدخول حفلتي؟!"
رفع يده لاستدعاء الحراس. لكن قبل أن يفعل...
---
من بين الحضور، انفتح الطريق فجأة. كانت فتاة ذات شعر أسود طويل تمشي ببطء، غير مبالية بأحد. عيناها كانتا نصف مغمضتين كمن يشعر بالملل من كل ما حوله. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، لكنه كان أنيقًا بشكل لافت.
بورا.
بسبب نفوذ عائلة بورا الهائل، لم تكن بحاجة لدخول أي حفلة في كوريا. كل الأبواب كانت مفتوحة أمامها.
صُدم الجد. نسي غضبه للحظة. قال بصوت مختلف تمامًا، مليء بالاحترام المفاجئ:
"الآنسة بورا؟ ماذا تفعلين هنا؟ هل تعرفين هذا الشاب؟"
وقفت بورا بجانب لوكي ويونا، وكأنها في مكانها الطبيعي. نظرت إلى الجد بعينيها الباردتين، ثم قالت ببساطة:
"نعم. إنهم أصدقائي."
صُدمت أرين. كانت قد تقدمت نحو يونا بنية واضحة، لكن قدوم بورا جعلها تتجمد في مكانها. لم تستطع تمالك نفسها. صرخت بصوت مرتفع:
"توقفي عن الكذب! أيتها..."
لكنها توقفت فجأة. أدركت من تخاطب. وجهها اصفر من الرعب. تراجعت خطوة، وقالت بصوت مرتعش:
"أنا... أنا آسفة. آنسة بورا. لم أقصد ذلك. أنا..."
نظرت إليها بورا بنظرة باردة، ثم قالت بصوت لا يحتمل:
"لا أهتم بكلامك. على أي حال..."
التفتت إلى الجد، وأكملت بنبرة مهذبة لكنها حادة:
"أتمنى أن ينسى السيد بارك هذه الإهانة. فهذا عيد ميلاده. وأتمنى أن يسامح."
تمالك الجد نفسه. كان غاضبًا، لكنه لم يستطع مواجهة عائلة بورا. قال بصوت متحكم فيه:
"معك حق يا آنسة بورا. دعنا ننسى ما حدث."
ابتسم ابتسامة مصطنعة، ومد يده ليأخذ كأسًا من عصير من طاولة قريبة.
لكن أرين لم تستطع التوقف.
---
كانت أرين تغلي من الداخل. كل شيء كان مخططًا لها. الحفلة، الأنظار، حب الجد. لكن يونا سرقت الأضواء بفستانها الأسود. ثم لوكي أهان جدها. ثم بورا وقفت بجانبها. والآن الجد يتنازل؟
لا. لن تسمح بذلك.
نظرت إلى كأس العصير على الطاولة. كان عصيرًا احمر ثقيلًا، سيلطخ أي فستان بلون لا يزول.
ابتسمت ابتسامة خبيثة. التقطت الكأس بسرعة، وتحركت نحو يونا. قالت بصوت عالٍ:
"سأسقط! احترسي يا يونا!"
كانت تبتسم. كانت تخطط لإلقاء العصير على فستان يونا الأسود، لتدميره، لتجعلها تبدو سخيفة أمام الجميع.
لكن لوكي كان يراقب.
رآها تقترب. رأى الكأس في يدها. رأى الابتسامة على وجهها.
تحرك بسرعة البرق. أمسك يونا من كتفها، وسحبها إليه بقوة. دارت يونا في الهواء، وانتهى بها الأمر واقفة خلف لوكي، بجانب بورا.
أما العصير؟ سكب كله على أرين.
سكب العصير الاحمر الثقيل على فستانها الوردي الفاتح، على شعرها الوردي المصمم بعناية، على وجهها المبتسم الذي تحول فجأة إلى قناع من الصدمة.
وقفت أرين في مكانها، العصير يقطر منها، والفستان الوردي الذي كانت تفخر به أصبح بقعة حمراء قذرة. كانت تبدو سخيفة. كانت تبدو مزرية.
صرخت: "ماذا؟! لا!"
---
كانت أرين تنتظر أن تضحك بورا. فبورا دائمًا تضحك على الفوضى. لكن هذه المرة، لم تضحك.
كانت بورا غاضبة. غاضبة جدًا.
وجهها الذي كان دائمًا باردًا ساخرًا، أصبح جامدًا، وعيناها تقدحان نارًا لم يرها أحد من قبل.
اندفع ثيو نحو أرين، قلقًا: "أرين! هل حدث لكِ شيء؟"
لكن بورا لم تنتظر. خطت خطوة نحو أرين، وبيدها زجاجة عصير كاملة من الطاولة.
رفعتها فوق رأس أرين.
وسكبتها كلها.
العصير البارد الثقيل سكب على شعر أرين، على وجهها، على فستانها المدمر. وقفت أرين مكانها، مصدومة، مرتعشة، لا تستطيع الكلام.
قالت بورا بصوت منخفض، مرعب، لم يسمعه أحد منها من قبل:
"أنتِ أيتها العينة..."
توقفت، ثم تابعت وعيناها مثبتتان على أرين:
"هل كنتِ تحاولين فعل هذه الأمور المثيرة للشفقة أمامي؟"
ساد صمت مطلق. حتى الموسيقى توقفت. حتى الخدم توقفوا عن الحركة. الجميع ينظرون إلى بورا، إلى هذا الجانب منها الذي لم يعرفه أحد.
أكملت بورا، وصوتها لم يرتفع لكنه كان كالسوط:
"لو كررتي ما حدث اليوم... لن تفلتي من العقاب. أتفهمين؟"
أرين كانت ترتجف. لم تستطع النطق بحرف. فقط وقفت هناك، تحت أنظار المئات، مبللة بالعصير، مهانة كما لم تهان من قبل.
ثيو حاول التدخل: "بورا، هذا ربما كان..."
نظرت إليه بورا بنظرة واحدة جعلته يصمت فورًا.
قالت: "أنت أيضًا. راقب أختك. أو ستتحمل العواقب."
---
في وسط القاعة الفخمة، تحت أنظار المئات من ضيوف كوريا الأثرياء والأقوياء، وقفت أرين كتمثال من الذل.
بورا كانت لا تزال تنظر إليها بعينين جليديتين. لوكي كان واقفًا بجانب يونا، وجهه هادئ لكن عينيه حادتان. يونا نفسها لم تتحرك. فقط نظرت إلى المشهد بعيون باردة، غير مبالية.
الجد كان قد شحب وجهه. كان يريد أن يتدخل، لكنه عرف أن الوقوف ضد بورا يعني الحرب مع عائلتها. وحرب مع عائلة بورا هي حرب لا يمكن ربحها.
[يتبع...]