جلب لوكي الكأسين على المائدة. كان المطبخ هادئًا، وأضواءه الخافتة تعكس ظلالًا ناعمة على الجدران البيضاء. جلس مقابل يونا، وبدأ يصب العصير الأحمر ببطء، كأنه يؤدي طقوسًا قديمة.
قال بصوت هادئ مختلف: "أتعلمين يا يونا... حينما أكون وحيدًا، أشعر أن العالم فارغ."
نظرت إليه. لم تره يتحدث بهذا الأسلوب من قبل.
تابع لوكي وعيناه على الكأس: "انظري حولك. يوجد كل ما يتمناه الإنسان العادي. منزل كبير، مطبخ واسع، ثلاجة مليئة بالطعام، سيارة جيدة."
توقف للحظة، ثم أضاف:
"ورغم ذلك، أقرر أن أعمل حارسًا. أتعلمين لماذا؟"
بدأ يشرب رشفة من العصير، ثم قال:
"أفعل هذا لأني أرى أن هذا ممتع. ربما هذا أفضل من الفراغ."
نظرت يونا إليه. كانت تحمل الكأس بين يديها، تشعر ببرود الزجاج على أناملها. قالت:
"أنا لا أفهم ما تقوله بالضبط. لكن لكل إنسان طريقه في العيش. أنا لا أفهم سبب جلبي إلى هنا، لكني أفضل هذا على ذلك المنزل."
ضحك لوكي ضحكة خفيفة. كان وجهه محمرًا قليلًا من العصير، أو ربما من كلماتها.
قال: "أنتِ هل تنعتين ذلك القصر بـ'ذلك المنزل'؟"
هزت يونا كتفيها.
تابع لوكي: "برأيي... إنهم لا يستحقونك."
ضحك لوكي ضحكة أطول هذه المرة. ثم صمت فجأة. نظر إلى كأسه، ثم إلى يونا. قال بصوت مختلف:
"بصراحة... هل يمكنني أن أحكي لكِ قصة؟"
كانت يونا غير مهتمة في البداية. لكن شيئًا في صوته جعلها تتردد. قالت:
"لا بأس."
---
صمت لوكي للحظة. ثم بدأ:
"في أحد الأيام... مات أبي وأمي في حادث."
توقفت يونا عن شرب العصير. رفعت رأسها ونظرت إليه. كان وجهه هادئًا، لكن عينيه كانتا تنظران إلى مكان بعيد.
تابع: "ماتا في حادث. كنت حزينًا، بالطبع. لكني لم أرد إظهار ذلك للناس."
شرب رشفة أخرى من العصير، وكأنه يحتاج إلى شيء يبلل حنجرته الجافة.
"خرجت لأهدئ من نفسي. مشيت في الشوارع، أنظر إلى الناس. كانوا جميعًا ينظرون إليّ بلا اهتمام. لم يكونوا يعرفون إن كنت حزينًا أم لا. كانوا يرون شابًا يمشي في ريعان شبابه، ويمرون بجانبي كأن شيئًا لم يحدث."
صمت للحظة.
"دخلت إلى مقهى. لم يكن مزدحمًا. جلست على طاولة في الزاوية. جاءت النادلة. سألتني: 'هل أنت بخير يا سيدي؟'"
نظر إلى يونا بعينين غريبتين:
"كان هذا السؤال جزءًا من وظيفتها. مجرد مجاملة. كان المفترض أن أقول 'أنا بخير' وأنتهي. لكني قلت لها الحقيقة. قلت إن أمي وأبي ماتا."
صمت طويل.
"فجأة... بدأت النادلة تبكي."
اتسعت عينا يونا قليلًا.
أكمل لوكي: "نعم. هي بكت. جلسنا معًا، وأنا من واسيتها. بدل من أن تواسيني هي، كنت أنا من أمسح دموعها. وبعد أن هدأت، غادرت."
شرب بقية العصير في كأسه.
"عندما كنت على وشك المغادرة، نادتني. أخرجت كعكة صغيرة من خلف المنضدة. كانت مزينة بالورد الأبيض. قالت: 'هذه لك. أنا آسفة من أجل والديك.'"
توقف للحظة.
"لم أكن أتوقع أن أحصل على كعكة لي ان ابي وامي ماتا."
ضحك ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن مضحكة.
"عدت إلى المنزل. أكلت الكعكة. كنت حزينًا، لكني أكلتها. لأني شعرت أني يجب أن أقبل مشاعرها. لأني لو لم أقبلها، سأكون شخصًا سيئًا."
وضع الكأس الفارغ على الطاولة.
"منذ ذلك اليوم، وأنا أحمل هذا السؤال معي. لماذا علينا أن نراعي مشاعر الآخرين، حتى لو كان ذلك يعني أن ندعس على مشاعرنا؟ لماذا نضحك عندما نريد البكاء؟ لماذا نشكر عندما نريد الصراخ؟
نظر إلى يونا بعينين كانتا لأول مرة تظهران حداء:
"بصراحة... حياتك لا أظنها بهذا السوء. لكن هذا السؤال يلاحقني. لماذا لا نستطيع أن نكون حقيقيين؟"
---
صمت لوكي. المطبخ كان هادئًا جدًا لدرجة أن صوت الثلاجة كان مسموعًا.
وضعت يونا كأسها على الطاولة ببطء. نظرت إليه. كان وجهها لا يزال باردًا، لكن في عينيها كان هناك شيء مختلف.
قالت: "لوكي... أنا لا أريد أن أفهم معاناة الآخرين."
توقف لوكي عن التنفس للحظة.
أكملت: "لكن الحياة تحب أن تفاجئنا. أليس كذلك؟ أعني، نحن نعلم أننا سنموت يومًا ما. نعرف هذا جيدًا. لكن عندما يموت شخص قريب، نصدم. نقول: 'لا! كيف مات؟'"
توقفت.
"أليس هذا غريبًا؟ نحن نعرف أن الموت سيحدث. الحياة أخبرتنا بالفعل. فلماذا نبكي؟ لماذا نتفاجأ؟"
نظرت إلى لوكي بعينيها الباردتين:
"ربما نحن فقط... نمضي قدمًا. رغم كل شيء. رغم الألم. رغم الأسئلة التي لا إجابة لها."
صمت لوكي. كان ينظر إليها. لم يقل شيئًا. ثم فجأة، ضحك.
ضحكة خفيفة، ثم أصبحت أعلى. قال:
"هاها... لا أدري. أنا أيضًا لا أعرف. ربما نحن فقط نمضي قدمًا."
ضحكا معًا. كان المشهد غريبًا: رجل وفتاة في مطبخ واسع، في منتصف الليل، يضحكان على سؤال لا إجابة له.
---
هدأ الضحك تدريجيًا. وقفت يونا فجأة.
قالت: "حسنًا. يجب أن أغادر الآن."
نظر إليها لوكي. قال بهدوء:
"يمكنك النوم هنا. هناك غرفة ليست بعيدة عن غرفتي. يمكنك النوم فيها إن أردتِ."
توقفت يونا. نظرت إليه.
أضاف لوكي: "وإن شئتِ، يمكنك العودة إلى المنزل. القرار لكِ."
وقفت يونا في مكانها. تذكرت القصر. الغرف الباردة. الجدران البيضاء. الصمت الثقيل.
تذكرت الليلة الماضية. كيف نامت وحدها. كيف استيقظت وحدها.
قالت: "حسنًا. سأبقى."
ابتسم لوكي ابتسامة خفيفة. وقف من كرسيه، وأخذ الكأسين الفارغين.
قال: "الغرفة في الطابق العلوي. الثانية على اليسار. فيها كل ما تحتاجينه."
مشت يونا نحو الدرج. توقفت عند أول درجة. التفتت.
"لوكي..."
نظر إليها.
"شكرًا لك. على العصير. وعلى القصة."
ابتسم: "العفو."
صعدت الدرج. كانت خطواتها خفيفة على الخشب القديم. في الطابق العلوي، وجدت الغرفة التي قال عنها. كانت بسيطة، لكنها دافئة. سرير كبير، بطانية ثقيلة، وضوء خافت بجانب السرير.
جلست على حافة السرير. نظرت حولها. كانت هذه الغرفة مختلفة عن غرفتها في القصر. لم تكن فخمة، لكنها كانت... دافئة.
استلقت على السرير، وغطت نفسها بالبطانية. كانت رائحتها نظيفة، مثل رائحة الصابون الجديد.
ثم فكرت في نفسها. في من كانت. في من أصبحت. في من ستكون.
أغمضت عينيها. وفي صمت المنزل الغريب، شعرت بشيء لم تشعر به منذ وقت طويل.
الأمان.
أغمضت عيناها.
[يتبع...]
معليش أن الفصل قصير بس ده فصل ايضافي