بينما كانت يونا غارقة في أفكارها، تحدّق في النافذة بشرود، تتبع بعينيها حركة الغيوم التي كانت تنساب ببطء في السماء، وكأنها تهرب من شيء لا يُرى… كانت تشعر بثقل غريب في صدرها، ثقل لم تفهم سببه تمامًا، لكنه جعلها صامتة على غير عادتها.

وفجأة، همس صوت ناعم بجانبها:

— يونا…

التفتت ببطء، لتجد هان سيول تنظر إليها بقلق واضح.

— يونا، ماذا حلّ بكِ؟ هل أنتِ بخير؟

تبدين متعبة جدًا اليوم… هل آذيتكِ بشيء؟ إن أردتِ، يمكنني إخبار المعلم أنكِ لستِ بخير.

ارتبكت يونا قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة محاولة إخفاء ما بداخلها.

— لا، لا… أنا بخير حقًا. فقط كنتُ شاردة بعض الشيء.

رفعت هان سيول حاجبيها بعدم اقتناع.

— هل أنتِ متأكدة؟

— نعم، لا تقلقي.

تنهدت هان سيول بخفة.

— حسنًا… أتمنى ذلك.

ثم عادت كلتاهما للجلوس بصمت، بينما بدأت الحصة التالية، ثم التي بعدها، والوقت يمر ببطء شديد على يونا، وكأن عقارب الساعة تتعمد تعذيبها.

كان عقلها ممتلئًا بأسئلة لا إجابة لها، وذكريات لا تريد التفكير بها، لكنها تفرض نفسها عليها دون استئذان.

وأخيرًا… رنّ جرس الفسحة.

شعرت يونا وكأنها نجت من غرق طويل.

وقبل أن تنهض، اقتربت مجموعة من الطالبات من هان سيول بابتسامات مصطنعة.

— هان سيول!

هل يمكن أن تذهبي معنا إلى الكافيتيريا؟

نظرت هان سيول إليهن بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامة مهذبة وقالت:

— آسفة، لكنني سأذهب أنا ويونا معًا.

هل تردن القدوم معنا؟

ساد صمت قصير.

تحولت أنظار الفتيات إلى يونا، يحدّقن بها من رأسها حتى قدميها بنظرات مليئة بالتقييم والازدراء الخفي.

همست إحداهن للأخرى، ثم قالت بصوت مصطنع:

— آه… في الحقيقة تذكّرنا أن لدينا شيئًا علينا القيام به.

— نعم، أمر مهم جدًا!

ثم ابتعدن بسرعة وكأن المكان أصبح فجأة غير مريح لهن.

ظلت يونا تنظر إلى أثرهن بصمت، وقلبها ينقبض قليلًا، رغم أنها كانت معتادة على مثل هذه التصرفات.

لكن هان سيول عقدت ذراعيها وقالت بسخرية واضحة:

— يا لهن من مثيرات للشفقة.

لا تهتمي بهن يا يونا، إنهن مجرد قمامة تمشي على قدمين.

ابتسمت يونا بخفة لأول مرة منذ الصباح.

— شكرًا لكِ…

ثم أضافت هان سيول بحماس:

— هيا، هل تريدين أن نذهب وحدنا؟

— نعم… أتمنى ذلك.

وصلت يونا وهان سيول إلى الكافيتيريا، وكانت مزدحمة بالطلاب، أصوات الضحك تختلط برنين الصحون ورائحة الطعام الدافئ.

جلستا على أحد المقاعد القريبة من النافذة، حيث يدخل ضوء الشمس بلطف.

وضعت هان سيول صينيتها أمامها، ثم نظرت إلى يونا بنظرة مترددة، وكأن سؤالًا ظلّ عالقًا في ذهنها منذ فترة.

— يونا… هل فكّرتِ يومًا في المواعدة؟

توقفت يد يونا في الهواء، ثم أنزلتها ببطء.

— ماذا؟ لا… لم أفكر يومًا في ذلك.

ضحكت ضحكه قصيرة حزينة وأضفت:

— من سيحب شخصًا مثلي أصلًا؟

تجمد وجه هان سيول.

توسعت عيناها، وانحنت للأمام بانفعال واضح، حتى كادت تصدم الطاولة.

— كفى! لماذا تقلّلين من نفسك هكذا؟

ارتفع صوتها قليلًا، والتفت بعض الطلاب نحوهما.

— أنتِ جميلة، ولطيفة، وذوقكِ رائع!

وأفضل صديقة حصلتُ عليها في حياتي!

كانت عيناها تلمعان بغضب ممزوج بالحرقة.

— هل تفعلين هذا لأنكِ تقارنين نفسكِ بأرين؟

يونا، أتوسل إليكِ، لا تقارني نفسكِ بأحد!

اتسعت عيناي بدهشة، وشعرت بحرارة في وجهي.

— اه… لماذا كل هذا الانفعال؟

كنت فقط أقول ما يدور في رأسي…

خفضت نظري وقلت بصوت خافت:

— لا تهتمي لكلامي.

تنفست هان سيول بعمق محاولة تهدئة نفسها، ثم مدت يدها تمسك يد يونا برفق.

— لأنني أهتم بكِ… لهذا أنفعل.

ساد صمت قصير بيننا، لكنه كان دافئًا.

مرت الحصص بعدها ببطء.

كان المعلم يشرح درسًا طويلًا عن التاريخ، وصوته يتردد في الصف كأنه لحن ممل.

رأسي أصبح ثقيلًا…

جفونها تنخفض دون إرادتها.

اغمضت عيني قليلًا… ثم كثيرًا…

حتى غابت تمامًا.

— يونا… يونا استيقظي!

فتحت عيني بفزع.

كان الصف فارغًا.

الكراسي مرفوعة، والسبورة ممسوحة.

— ماذا؟! الجميع غادر؟!

فركت عيني بدهشة.

— لماذا لم يوقظني أحد قبل الآن؟

ابتسمت هان سيول ابتسامة هادئة.

— ظننتكِ متعبة، فلم أرد إزعاجك.

شعرت بالامتنان.

— آه… شكرًا لكِ.

بدأت بجمع كتبي في الحقيبة.

وفجأة سمعت صوت هان سيول في الخلف تناديني:

— يونا…

التفتت.

— نعم؟

ترددت هان سيول قليلًا، ثم قالت بسرعة:

— هل يمكنكِ الذهاب معي لشراء بعض الملابس؟

كدت أن ارفض.

— في الحقيقة كنت أريد العودة إلى—

لكن مجرد تذكري للمنزل جعل قلبي ينقبض.

تنهدت.

— حسنًا… سأذهب معكِ.

ابتسمت هان سيول بسعادة طفولية.

— رائع! فقط أخبري السائق أنكِ ستعودين وحدك اليوم.

بعد دقائق من المكالمة الهاتفية:

— انتهيت!

— هيا بنا!

أوقفت هان سيول سيارة أجرة، وركبتا معًا.

أخرجت هاتفها وأشارت إلى العنوان.

— خذنا إلى هذا المكان.

— حاضر.

نظرت من النافذة بإعجاب.

— إنه مكان جميل…

في المتجر، كانت هان سيول تتحرك بحماس غير طبيعي.

تسحب الفساتين، القمصان، السترات.

— هذا سيليق بكِ!

وهذا أيضًا!

لا لا، جربي هذا اللون!

كانت تضع الملابس في يديي دون أن تترك لي فرصة للاعتراض.

— هان سيول… أنتِ من تتسوقين لي لنفسك لا لي!

ضحكت.

— لأن ذوقي أفضل!

انتي متناقضه أخبرتني في المدرسه أن ذوقي جميل

بعد ساعة كاملة، شعرت أن قدمي لم تعودا تحملاني هاذا الجسد ضعيف جداً.

— تعبت فعلًا… كيف لديكِ كل هذه الطاقة؟

— لأنني فتاة نشيطة!

ثم أضافت:

— أعرف مقهى قريب، لنذهب إليه.

— حسنًا…

بمجرد دخولنا، جلسنا قرب الزجاج.

طلبت هان سيول مثلجتين.

وعندما أخذت يونا أول لقمة…

كان الطعم رائعًا.

بارد، حلو، يذوب ببطء في فمها.

قبل أن أدخل جسد يونا لم أعرف طعم الحلوى لم اكن متفرغى لي هاذا.

لكن فجأة…

تجمد جسدي.

اختفى الطعم.

ظهرت صورة غريبة في عقلها…

شخص ذو شعر أبيض.

ملامحه غير واضحة.

لكن حضوره ثقيل… مخيف… مألوف بطريقة غريبة.

شعرت بقشعريرة في ذراعيها.

وقطع شرودها صوت شاب:

— ماذا تفعلين هنا يا أختي؟

رفعت يونا رأسها.

شاب طويل، شعره أصفر لامع، عيناه زرقاوان مثل السماء.

كان سيلون.

شقيق هان سيول.

وأحد الأبطال المغرمين بأرين.

تجهم وجه هان سيول فورًا.

— ماذا تريد يا سيلون؟

ابتسم ابتسامة لطيفة مزيفة.

ثم نظر إلى يونا بلطف مبالغ فيه.

— أوه مرحبًا يا يونا، لم أتوقع أن تكوني مع أختي.

كانت سمعته سيئة.

شخص بوجهين.

لطيف أمام الناس… قاسٍ خلفهم.

ولهذا كرهته أرين ورفضت حبه.

وكان يستحق ذلك.

قال سيلون وهو يشير إلى الكرسي:

— هل يمكنني الجلوس معكما؟

— لا.

قالتها هان سيول فورًا.

— اذهب.

— ولماذا؟

أليست يونا صديقتكِ؟ إذًا هي صديقتي أيضًا.

زفرت هان سيول بضيق.

— تبا لك…

ثم قالت ببرود:

— اجلس.

ابتسم سيلون بانتصار وجلس.

مد يده فورًا إلى مثلجات هان سيول وأخذ منها لقمة كبيرة.

— ممم! لذيذة حقًا!

تصلب وجه هان سيول.

احمرّت عيناها غضبًا.

— ماذا تفعل أيها الغبي؟! هذا طعامي!

ضحك بلا مبالاة.

— نشارك الأشياء بين الإخوة، أليس كذلك؟

2026/02/06 · 95 مشاهدة · 1050 كلمة
Around for low
نادي الروايات - 2026