وقفت هان سيول فجأة، وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا.
عدّلت تنورتها قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
— أنا آسفة، أريد الذهاب إلى الحمّام. سأعود بسرعة.
أجابها سيلون بهدوء وهو يميل إلى الخلف في مقعده:
— حسنًا.
اختفت هان سيول بين الطاولات، ومع ابتعاد خطواتها… تغيّر الجو.
لم يكن التغيّر واضحًا، لكنه كان محسوسًا.
كأن الهواء أصبح أثقل.
كأن الأصوات خفتت فجأة، رغم أن المقهى ما زال ممتلئًا.
شعرت بذلك فورًا.
رفعت نظري ببطء…
وصطدمت بعيني سيلون.
الابتسامة التي كانت على وجهه اختفت تمامًا.
تبدّل تعبيره، انقلب كقناع سقط فجأة، وظهر ما خلفه.
اقترب قليلًا، وخفّض صوته، لكن حدّته كانت واضحة:
— أنتِ… توقفي عن الالتصاق بأختي.
لم تتحرك يونا.
— هل فهمتِ؟
أم يجب أن أكرر كلامي؟
انحنت شفتاه بانحناءة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة… بل تهديد.
— أنا لا أمزح.
نظرت إليه يونا بهدوء غريب، دون خوف، دون ارتباك.
— …ماذا؟
قالتها بهدوء.
— ولماذا عليّ أن أسمع كلامك؟
ارتجف حاجبه قليلًا، ومرّ الضيق على وجهه بسرعة.
— هل تريدين مني أن أقتلك؟
أيتها القمامة.
الكلمات سقطت ثقيلة، قاسية، اعتاد أن يقولها لمن يظنهم أضعف منه.
لكن هذه المرة…
لم تتراجع يونا.
نهضت من مكانها.
توقف سيلون عن الحركة.
اقتربت منه خطوة… ثم خطوة أخرى.
كانت قريبة جدًا.
قريبة لدرجة أنه شعر بها.
لأول مرة، ظهرت الدهشة على وجهه بوضوح.
رفعت يونا يدها، وضعتها على كتفه بقوة.
ليست لمسة لطيفة.
ضغطت أصابعها بقسوة جعلته يشدّ أسنانه دون وعي.
نظرت في عينيه مباشرة.
— أنا لستُ يونا التي تعرفها.
قالتها بصوت منخفض… ثابت… مخيف في هدوئه.
لثانية كاملة، لم يجد سيلون ما يقوله.
ثم—
— أنا آسفة! هل تأخرت؟
جاء صوت هان سيول فجأة، كأنه أنقذ اللحظة من الانفجار.
وقفت تنظر إليهما ببراءة مصطنعة.
— هل حدث شيء بينكما؟
لم ترفع يونا يدها.
— لا شيء.
قالت بهدوء.
— كنا فقط نتحدث… أنا وسيلون.
شدّت على كتفه أكثر.
— عن أمور شخصية.
ثم أمالت رأسها قليلًا، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
— صحيح، سيد سيلون؟
ابتلع سيلون ريقه.
تشنّج فكه.
ثم… ارتسمت تلك الابتسامة المعروفة على وجهه.
ابتسامة زائفة، متقنة.
— نعم… نعم، صحيح.
ضحكت هان سيول بخفة.
— آه، الحمد لله. ظننت أن شيئًا غريبًا حدث.
رفعت يونا يدها أخيرًا.
— حسنًا، نحن ذاهبون الآن. يجب انذهب لتسوق.
قالته بنبرة سريعة.
أومأت يونا برئسه.
— لنذهب.
خرجت يونا وهان سيول من المقهى، تاركتين سيلون وحيدًا مع أفكاره المضطربة وكتفه الذي لا يزال يشعر بثقل لمسة يونا الغريبة. كان الهواء في الخارج مختلفًا؛ نقيًا وخاليًا من حدة ذلك التبادل الغامض.
هان سيول، التي بدت كأنها تحمل شمسًا صغيرة في داخلها، التفتت إلى يونا وهي تفرك يديها بحماس.
"حسنًا! أين سنبدأ؟ العالم بين أيدينا، يا يونا!"
لم تنتظر إجابة، بل أمسكت بيد يونا وجرتها بقوة نحو شارع التسوق الرئيسي المليء بالأضواء والألوان. بدا كأن الحادثة في المقهى قد تبخرت مع خطواتها الخفيفة. يونا، التي كانت لحظات قليلة مضت شخصًا مختلفًا تمامًا، وجدت نفسها منجرفة في تيار بهجة هان سيول. نظرة الدهشة التي كانت في عينيها أفسحت المجال لارتباك خفيف، ثم لشرارة فضول.
"أولاً، نحتاج إلى تغيير الجو تمامًا!" صرخت هان سيول وهي تدخل متجرًا للملابس الواسعة والمليئة بالأكسسوارات المبهجة. رفوف من القبعات ذات الأشكال الغريبة، ونظارات شمسية ملونة، وأوشحة طويلة تطايرت في الهواء. "هذا! هذا لك!"
وضعت هان سيول قبعة دلو باللون الأزرق الفاتح على رأس يونا، ونظارات ذات إطار على شكل قلوب وردية. نظرت يونا إلى نفسها في المرآة، فلم تتمالك الضحك. ضحكة حقيقية، خالية من الثقل الذي كان يحيط بها.
"وانتِ، لا تتهربي!" ضحكت يونا، واختارت لهان سيول قبعة صغيرة صفراء مزينة بزهرة، وقلادة طويلة من الخرز الملون. في غضون دقائق، تحولت الاثنتان إلى نسختين مرحة من نفسيهما، تتدافعان بين الرفوف وتجربان أشياء أكثر جنونًا: قفازات طويلة حتى المرفق، وشورتات مخططة، ومعاطف من الفرو الاصطناعي بألوان لا توجد في الطبيعة.
خرجنا من المتجر وهما نحمل أكياسًا ونرتديان جزءًا من "غنائمهما". كان المشاة يلتفتون إليهما مبتسمين، فبمجرد رؤيت جمالهما.
"الوجه التاليه: مدينة الملاهي الداخلية!" أعلنت هان سيول، مشيرة إلى مبنى كبير تصدر منه ألعاب إلكترونية وفرقعات ملونة.
داخله، غرقتا في عالم من الأضواء والأصوات. تحدت يونا هان سيول في سباق السيارات، وصرختا وهما تحاولان توجيه سيارة افتراضية بين المنعطفات. "انظرِ! انظرِ! سأتفوق عليكِ!" صرخت هان سيول، لكن يونا، بتركيز مفاجئ، تجاوزتها في اللحظات الأخيرة.
"مبروك! أنتِ سائقة رائعة!" قالت هان سيول وهي تضحك، ثم جرتها نحو لعبة الرقص. وقفا على المنصة، وتبعا الخطوات على الشاشة. كانت هان سيول متزامنة مع الإيقاع ببراعة، بينما كانت حركات يونا جامدة قليلاً في البداية، ولكن مع ضحك هان سيول وتشجيعها، بدأت تتحرر، ترتجل خطوات وتضحك من فشلها الذريع في اللحاق بالإيقاع السريع. كان الخجل والجدية يذوبان مع كل خطوة خاطئة.
بعد التعرق والضحك، جلسا على مقعد طويل، كل منهما تحمل عصيرًا مليئًا بالفواكه والثلج.
"أتعلمين،" قالت هان سيول فجأة، صوتها هادئ قليلاً بين ضجيج الألعاب. "كنتِ... مختلفة قليلاً هناك في المدرسه ظننت أن شيئ حدث لك كنت قلقه." لم تنظر إلى يونا مباشرة، بل لعبت بقشة عصيرها.
يونا، التي كانت تنظر إلى أضواء اللعبة القريبة، توقفت عن الحركة للحظة. الجو المرح خفت قليلاً، لكنه لم يختفِ.
"أحيانًا... تخرج مشاعرنا بطرق غريبة، أليس كذلك؟" قالت يونا بهدوء، ثم التفتت إلى هان سيول بابتسامة خفيفة شكرن لك أشعر بشعور افضل برفقتك حقا لذا أتمنا الا تفكري بيما حدث في المدرسه كنت فقط متعبه لذالك.
لم تضغط هان سيول أكثر. ابتسمت ابتسامة عريضة ونهضت. "صحيح تمامًا! والإرهاق لا يشمل الجوع! تعالي، أعرف مكانًا يقدم الوافلز الأفضل في المدينة!"
المقهى التالي كان دافئًا ورائع الرائحة. طلبتا وافلز مغطى بالشوكولاتة والفراولة والكريمة، وآيس كريم الفانيليا. بينما كانت تأكل هان سيول، علقت بعض الكريم على أنفها دون أن تدري.
"انتظري، لا تتحركي!" قالت هان سيول، ممسكة بهاتفها. "هذه لحظة يجب توثيقها!" والتقطت صورة لهان سيول وهي تنظر ببراءة والكريمة على أنفها.
"أوه، لا!" صرخت يونا وهي تمسح أنفها وتضحك. "هذه صورة فضيحة! يجب أن أحذفها!"
"محال! هذه ذخيرتي السوداء الآن." ضحكت يونا، وهي تتفحص الصورة بسعادة.
بعد الانتهاء، قررنا التجول في سوق شعبي قريب. رائحة الطعام المتنوعة تملأ الهواء: التاكوي المقرمش، الكعك الساخن، عصير القصب الحلو. تذوقتا شيئًا من هنا وشيئًا من هناك، تتشاركان كل قطعة. في أحد الأكشاك، وجدتا سيدة عجوز تبيع أساور مطرزة يدويًا.
"هذه جميلة!" قالت يونا، معجبة بأسورة بخيوط زرقاء وفضية.
"وهذه تناسبكِ!" ردت هان سيول، مشيرة إلى واحدة حمراء وذهبية.
اشترتا الأسورة وتبادلتهما هدية. ربطت هان سيول الأسورة الزرقاء حول معصم يونا، وربطت يونا الحمراء حول معصم هان سيول. لمعت أعينهما بوعي صامت؛ لقد أصبحت بينهما رابطة ملموسة، رمز لهذا اليوم.
"لنلتقط صورة معًا!" اقترحت يونا. وقفا أمام جدار مليء بالرسوم الجدارية الملونة، ورفعتا أيديهما لتعرضا الأساور للكاميرا. ابتسمتا ابتسامة عريضة وحقيقية، تلاشت فيها كل الظلال.
بدأت الشمس تميل نحو الغروب، ملونة السماء بدرجات اللون البرتقالي والوردي. قررتا إنهاء اليوم في حديقة تطل على النهر. جلستا على أرجوحة كبيرة، تتحركان بخفة بينما يشاهدان الأضواء تنعكس على الماء.
"أتمنا لو اركي تضحكين مثل اليوم في كل يون هاكذا،" قالت هان سيول بصوت حالم.
"لن أنسى هذا اليوم أبدًا،" ردت يونا بنبرة صادقة. كانت نظرتها إلى النهر هادئة، مختلفة عن نظرة الصباح الحادة. "شكرًا لكِ، سيول. شكرًا لأنكِ... أنقذتِ الموقف، وجعلتِ كل شيء يبدو... طبيعيًا وممتعًا."
هان سيول أرجحت الأرجوحة بقوة أكبر قليلاً. "أحيانًا، أفضل طريقة لمواجهة الأشياء الغريبة هي أن تحيطها بأشياء جميلة كثيرة، حتى تضيع بينها." ثم أضافت بنبرة مرحة، "وأيضًا، الوافلز يساعد دائمًا!"
ضحكتا معًا، وامتزج ضحكهما بصوت خرير الماء وهدوء المساء.
عندما حان وقت العودة، كانت خطواتهما أبطأ، لكنها لا تزال خفيفة. في محطة القطار، تبادلتا عناقًا سريعًا وقويًا.