11 - حقًّا متملِّق! أهذه حقًّا فراولة؟ ١

حقًّا متملِّق! أهذه حقًّا فراولة؟ ١

بعد أن سلّم تشين لين شحنة الفراولة الحمراء إلى الهايبر، هطلت الأمطار.

وحين خفَّ المطر قليلًا، كان الوقت قد اقترب من الظهيرة عندما عاد إلى السوق.

وعند مدخل «المتجر الصغير للفواكه والخضروات»، وجد الكلب الأسود متكوّرًا أمام الباب يحتمي من المطر، وقد ابتلّ فراؤه تمامًا، وهو يلعق آثار الماء عن جسده.

هذا الكلب الأسود صار أكثر وقاحة يومًا بعد يوم.

لقد مرّ أكثر من عشرة أيّام وهو لم يطرده، فكأنّ الكلب قرّر أن يتّخذ المكان بيتًا له.

«هوووف!»

ما إن رأى الكلبُ الأسودُ تشين لين حتّى نهض فجأة، وكشر عن أنيابه في وجهه.

تجاهله تشين لين متعمّدًا، وفتح باب المتجر ودخل. وبعد أن انشغل لبعض الوقت في الداخل، بدأ جوعه يقرص معدته، فأخرج هاتفه على الفور وطلب وجبة جاهزة.

هذه المرّة طلب وجبة فيها فخِذا دجاج كبيران وبيضان مقليّان. صار مؤهّلًا الآن لشيءٍ من الترف.

وقبل أن يؤكّد الطلب، ألقى نظرة إلى الكلب الأسود الذي كان يتسلّل على أطراف أصابعه داخلًا وخارجًا من المتجر. بدا كأنّه قد لاحظ نظرات تشين لين، فتقدّم على استحياء إلى داخل المتجر وجلس القرفصاء أمامه يحدّق فيه.

حرّك تشين لين أصابعه على الهاتف في هدوء، وأضاف فخذ دجاجٍ كبيرًا آخر إلى الطلب قبل أن يُتمّ الدفع.

ذلك الكلب الأسود الذي يلتصق به كلّ يوم أثار في نفسه شعورًا غريبًا.

البشر حقًّا مخلوقات معقّدة.

مثل المرأة التي تلتقي برجلٍ متملِّقٍ لا يفعل سوى التودّد إليها؛ تكرهه في البداية، ثم تعتاد وجوده شيئًا فشيئًا، بل وربّما تفاخر به في سرّها. فإذا توقّف هذا «المتملِّق» فجأة عن التزلّف، بدأت تقلق وتتساءل إن كانت قد خسرت شيئًا.

لم تمضِ فترة طويلة.

حضر عامل التوصيل.

أخذ تشين لين الوجبة ووضعها على الطاولة وفتحها، فهبّ الكلب الأسود الذي كان جالسًا قبل لحظات، وراح يحدّق في الطعام المنبسط على الطاولة بكلّ تركيز.

رأى تشين لين المشهد فقرّر أن يداعبه قليلًا. أمسك بفخذ الدجاج ورفعه إلى فمه أمام أنظار الكلب، وقضم منه قضمة وهو يُظهر على وجهه تعبيرًا شديد الاستمتاع بالطعم.

أخرج الكلب الأسود لسانه ومدّ رأسه إلى الأمام أكثر، وكأنّه ينتظر أن يقذف له بعظم الدجاج.

وجد تشين لين الأمر مسلّيًا، فالتقط فخذ الدجاج الكبير الذي أضافه خصيصًا، وألقاه للكلب الأسود.

فتح الكلب فمه والتقط الفخذ بسرعةٍ لا تُصدّق.

كان ينتظر عظمةً فارغة، لكن عندما وجد قطعة لحم كاملة بين فكيه، اتّسعت عيناه من الدهشة.

تركه تشين لين وشأنه، وأخذ يأكل وجبته، بينما كان تركيزه الحقيقي منصبًّا على شاشة «حكاية المزرعة» في ذهنه.

قد ظهرت الآفات من جديد. كما كان يحتاج إلى ريّ المحاصيل أيضًا.

بعد أن انتهى من معالجة أمر اللعبة وفرغ من تناول الطعام، همَّ بتنظيف المكان، لكنّه شعر بحركة عند قدميه. كان الكلب الأسود يداعب ساقه برفق، كأنّه يحاول التقرّب إليه.

وحين التفت إليه تشين لين،هز الكلب رأسه قليلًا، وعاد ليجلس عند باب المتجر.

مع حلول المساء، نضجت دفعة جديدة من البطيخ بلا بذور والفراولة الحمراء في اللعبة.

وفي هذه المرّة كان هناك ٤٢١ بطيخة، و٣٠١ رطلًا من الفراولة الحمراء. نقلها كلّها من «حكاية المزرعة» إلى المخزن في الخارج، ثم حملها على دفعات إلى هايبر آر تي–مارت لوزنها، وبعد ذلك ذهب إلى المدير تشين ليُصفّي حساب اليوم.

قيمة الـ٤٢١ بطيخة بلغت ٧٨٩٣ يوانًا، وقيمة ٦٠٦ أرطال من الفراولة بلغت ١٨١٨٠ يوانًا، ومع الـ٦٣٤١ يوانًا التي كسبها صباحًا من بيع البطيخ بالجملة لليو داشنغ والباقين، يكون إجمالي دخل اليوم: ٣٢٤١٤ يوانًا.

وحين خرج من هايبر آر تي–مارت، كانت رسالة البنك قد وصلته بالفعل:

«التحويل الأخير إلى حسابك… إيداع بمبلغ ٢٦٠٧٣٫٠٠ يوان. الرصيد الحالي: ١٩٩١٥٧٫٦٠ يوانًا.»

مدّخراته أوشكت أن تتجاوز مائتي ألف يوان.

لم يستطع تشين لين منع نفسه من النظر إلى الرسالة أكثر من مرّة قبل أن يُعيد الهاتف إلى جيبه. ثم قاد درّاجته الكهربائيّة الصغيرة عائدًا إلى السوق، وبعد أن أوقفها هناك، اتّجه بها إلى «مصلحة الضرائب في مقاطعة يوتشنغ» كي يوصل تشاو مو تشينغ من عملها.

وصادف أن توقّف تشين لين أمام الباب في اللحظة نفسها التي خرج فيها تشن هاو.

تلاقت نظراتهما. قطّب تشن هاو حاجبيه قليلًا، ثم ألقى نظرةً على الدرّاجة الكهربائيّة الصغيرة التي يقودها تشين لين، ورفع فجأة مفتاح سيارته وضغط عليه، فومضت أضواء سيارة الأودي خاصّته وصدرت عنها إشارة فتح الأبواب.

كان واضحًا أنّه يتعمّد الاستعراض.

أليس الرجال هكذا مبتذَلين؟

لا يستعرضون إلا «الوظيفة، والبيت، والسيارة، والمرأة».

طبعًا هناك رجال أقلّ ابتذالًا من ذلك؛ أولئك الذين، بعد أن يحقّقوا نجاحًا حقيقيًّا، لا يعودون بحاجة لمثل هذه الألعاب الصبيانيّة، أو أولئك الذين لا يجدون أصلًا شيئًا يُستعرَض.

أمّا تشن هاو فلم يكن من هذا الصنف ولا ذاك؛ لذلك كان مبتذلًا بالفعل. فالرجل الذي يقود أودي، ويرى أمامه من يركب دراجة كهربائيّة صغيرة، لا بدّ أن يشعر داخله ببعض التفوّق الساذج.

في هذه اللحظة بالذات، خرج شاب بدين من المبنى ونادى تشن هاو:

«تشن هاو، لماذا لم تنتظر تشاو مو تشينغ؟ ألم تكن تقول إنّك تريد أن تدعوها إلى العشاء لتعترف لها؟ مع مواصفاتك هذه، لا بدّ أنّك ستنجح في كسب قلبها، أليس كذلك؟»

كانت هذه الجملة كفيلة بأن تهدم تمامًا إحساس التفوّق الذي حاول تشن هاو بناءه لنفسه قبل لحظات. لم يعلّق بكلمة، بل اتّجه مباشرة إلى سيارته.

تشاو مو تشينغ رحلت مع صاحب درّاجة كهربائيّة، وهو يقف في العراء يعصره الهواء كخرقة بالية، ومع ذلك لا يزال هذا الشخص يذكّره بقصّة اعترافه؟

لم يفهم تشن هاو كيف يبقى رجلٌ مثله أعزب، بينما يستطيع رجل يقود درّاجة كهربائيّة أن يضمّ إلى صدره فتاة جميلة مثلها.

على أيّ أساس؟!

أمّا الشاب البدين فاحتار من تصرّف تشن هاو، فاتجه إلى سيارته الجيتا، وركبها ورحل.

«تشين لين!»

عندما خرجت تشاو مو تشينغ من باب المصلحة ورأت تشين لين، ركضت نحوه مبتسمة، وجلست بخفّة في المقعد الخلفي، ولفّت ذراعيها حول خصره قائلة: «هيا بنا!»

قاد تشين لين الدرّاجة الكهربائيّة إلى الشارع وسألها:

«هل أوصلك إلى البيت أم نأكل في الخارج؟»

فكّرت تشاو مو تشينغ قليلًا ثم قالت:

«ما رأيك أن نشتري بعض الخضار ونذهب إلى بيتكم؟ لم أرَ عمّتي منذ فترة طويلة.»

قال تشين لين وهو يحرّك الدراجة:

«حسنًا، سأتّصل بها الآن. أمّي ستكون سعيدة جدًّا حين تعرف أنّك قادمة.»

لم يكن تشين لين يحبّ التسوّق كثيرًا، لكنّه أحبّ أن يمسك بيد تشاو مو تشينغ ويتجوّلا معًا بين الأرفف.

وبعد أن أنهيا الشراء، كان كلٌّ منهما يحمل أكياسًا مليئة بالخضار والمأكولات البحريّة.

عندما عادا إلى البيت، ورأت لين فن تشاو مو تشينغ تقف عند الباب، لم تستطع إخفاء ابتسامتها قائلة:

«مو تشينغ، لقد جئتِ! ادخلي بسرعة!»

كانت لين فن راضية عن تشاو مو تشينغ رضاً كاملًا. أن يجد ابنها فتاةً لطيفة، رقيقة، طيّبة المزاج، تعرف الاحترام… فهذا ما يستحقّ أن تشكر عليه السماء طول عمرها.

لولا أنّ حال العائلة سيّئ جدًّا، لكانت منذ زمن بعيد رتّبت زواج ابنها من تشاو مو تشينغ وجعلتها رسميًّا كنّتها.

قالت تشاو مو تشينغ بصوت حلو:

«عمّتي! تشين لين وأنا اشترينا الكثير من الخضار، سأغسلها أوّلًا.»

قالت لين فن مبتسمة، غير آبهة بضيق المكان وفوضاه:

«حسنًا، لنغسلها معًا!»

أخذت الخضار من يد تشين لين ودخلت المطبخ مع تشاو مو تشينغ وهي في قمّة السعادة.

أمّا تشين لين، فشعر لوهلةٍ أنّه هو الغريب في البيت.

كانت تشاو مو تشينغ تجيد الطبخ إلى حدٍّ لا بأس به، ولين فن تساعدها بسرور. وبعد أن وضعت الأطباق على المائدة، وجدَت شهيّتها قد انفتحت أكثر من المعتاد، فأكلت كثيرًا ذلك اليوم.

بعد انتهاء الطعام، دخل تشين لين إلى الغرفة وأخرج كيسًا. في داخله شيء من الفراولة الحمراء ذات الجودة الثانية التي قطفها اليوم؛ كان قد أخرج نصف الأربعة أرطال التي احتفظ بها.

سألت لين فن في فضول:

«شياو لين، ما الذي تحمله هناك؟»

أجابها:

«فراولة حمراء. ادّخرتها من أجلك أنتِ ومو تشينغ. تفضّلا تذوّقا.»

وضع تشين لين الفراولة الحمراء ذات جودة ٢ على الطاولة.

وما إن رأتها لين فن حتى قرّبت الطبق فورًا من تشاو مو تشينغ وهي تقول:

«مو تشينغ، الفراولة مغذّية جدًّا، وتساعد أيضًا على تجميل البشرة. كلي منها أكثر.»

قالت تشاو مو تشينغ بلطف:

«حسنًا، يا عمّتي.»

كانت تشاو مو تشينغ تحبّ الفواكه، ولم تتمنّع. التقطت حبّة فراولة وتذوّقتْها، لكنّها بعد لحظات قالت في دهشة صادقة:

«تشين لين، لماذا هذه الفراولة لذيذة إلى هذا الحدّ؟»

قال تشين لين بفخرٍ واضح:

«هذه فراولة خاصّة ذات جودة مميّزة، ولا تُباع في أيّ مكان. حتى لو أردتِ شراءها من الخارج، فلن تجديها. أليست لذيذة؟»

بكلّ هدوء، كان في قلبه يردّد: «لذّة +٢، حلاوة +٢، مذاق +٢، أثر بعد المذاق +٢».

فمثل هذه الفراولة لا يخرجها إلا «حكاية المزرعة» في مزرعته.

هزّت تشاو مو تشينغ رأسها بقوّة وهي تقول:

«نعم! الفراولة التي أكلتُها من قبل لا تُقارَن بهذه أبدًا. هذه أوّل مرّة في حياتي أتذوّق فراولة بهذه الروعة.»

قالت لين فن متعجّبة:

«أليست مجرّد فراولة حمراء؟ أإلى هذه الدرجة هي لذيذة؟»

بعد عمرٍ قضته في بيع الفواكه والخضروات، كانت تظنّ أنّها جرّبت معظم أنواع الفراولة. والفرق في الطعم بينها عادةً يكون بسيطًا جدًّا.

لكن عندما التقطت حبّة فراولة ووضعتها في فمها، ظهر على وجهها تعبير من الصدمة الصادقة.

فطعم هذه الفراولة تجاوز بالفعل كلّ توقّعاتها؛ بعد أن أكلتها ظلّ مذاقها عالقًا في فمها، بطعمٍ لا يُنسى.

لم تعد متأكّدة إن كانت هذه التي في فمها حقًّا «فراولة حمراء» كما عرفتْها طوال حياتها.

أما بالنسبة لتشاو مو تشينغ، فهي وإن لم تكن بائعة فواكه مثل لين فن، فإنّها طوال سنوات مضت كعشيقة لابن بائعة فواكه، تذوّقت الكثير من الفراولة التي يشتريها المتجر. ومع ذلك، لم يصل شيء مما أكلته إلى مستوى هذه الفراولة التي أخرجها لها تشين لين اليوم.

2025/11/29 · 38 مشاهدة · 1476 كلمة
نادي الروايات - 2026