الفصل الخامس عشر: تبنّي الكلب الأسود! المدير تشين يبذل قصارى جهده! (١)
القلق، والاضطراب، والخوف… كان «الكلب الأسود» يفرّ هاربًا في حالةٍ يُرثى لها، وعيناه ممتلئتان بالعجز.
وفجأة، التقط أنفُه رائحةً مألوفة. وحين رأى تشين لين عائدًا، بدا وكأنّ بريقًا من الحياة عاد إلى عينيه.
نبح في اتجاه تشين لين، واندفع نحوه بجنون وارتباك.
وهذا بالذات هو ما منح رجالَ إدارة المدينة الفرصة؛ إذ ألقوا الشبكةَ فجأةً على رأس الكلب الأسود، ثم شدّوا الحبل، فانكمش حول عنقه بإحكام.
«عووْوْف!»
ارتجفت عينا الكلب الأسود هلعًا، وهو ينبح نحو تشين لين في فزع، وفي عينيه توقٌ ورجاء.
تقدّم أحد رجال إدارة المدينة وهو يدفع قفصًا حديديًّا، وتعاون هو ورفاقه حتّى حشروا الكلب الأسود في داخله وأحكموا إغلاق الباب.
ظلّ الكلب الأسود ينبح في اتجاه تشين لين، لكنّه حين انغلق باب القفص تمامًا، لم يلبث أن أطلق أنينًا خافتًا يائسًا. كأنّ كلّ قواه قد خارت فجأة، فتهدّل جسده واستلقى صامتًا.
بدا وكأنّه قد استسلم لمصيره. انطفأ البريق في عينيه، غير أنّ طرفًا من ذلك الرجاء البعيد بقي معلّقًا – رغبةً أخيرةً لا إراديّة – وهو يرمق تشين لين من خلال القضبان.
شعر تشين لين بنظراته بدقّة؛ تلك النظرة جعلته يزفر في حيرةٍ وعجز، ثم تحرّك بخطاه نحو رجال إدارة المدينة.
لقد اعتاد خلال الأيّام الماضية أن يرى هذا الكلب الأسود أمام متجره كلّ يوم. ثمّ إنّه لم يعد عاجزًا عن تربية كلبٍ الآن.
كأنّ الكلب الأسود أدرك ما ينوي فعله؛ فهبّ واقفًا فجأة، وعادت شرارة الأمل تشعّ في عينيه.
تقدّم تشين لين نحو قائد الحملة وقال:
«الكابتن ليو، هذا الكلب الأسود بيني وبينه نصيب. هل يمكن أن تتركوه؟ سأتبنّاه أنا.»
وأثناء كلامه دسّ خفيةً علبة السجائر الصينيّة – التي أهداها له المدير تشين – في سيارة إدارة المدينة.
قال الكابتن ليو وهو يتعرّف عليه فورًا:
«إنه السيّد تشين صاحب المتجر!»
كان الكابتن ليو يأتي كثيرًا إلى السوق لقضاء المهامّ، ويكاد يعرف معظم أصحاب المتاجر هنا. ولمّا لمحت عيناه علبة السجائر، قال بهدوء:
«السيّد تشين، ما دمتَ قد قلت ذلك، فنحن لسنا قساة القلوب. لكن بما أنّك ستتبنّاه، فعليك أن تأخذه لتطعيمه، وتعمل له فحصًا، ثم تستخرج له رخصة كلب. التعليمات الآن صارمة جدًّا، فلا تحرجْنا بعد ذلك.»
هزّ تشين لين رأسه ووعد قائلًا:
«لا تقلق يا كابتن ليو، سأذهب لأطعّمه بعد قليل، وسأنهي إجراءات رخصة الكلب في أقرب وقت.»
أومأ الكابتن ليو لرجال إدارة المدينة الآخرين، وقد كان هو نفسه قد لاحظ أن هذا الكلب مختلف بعض الشيء؛ فاعتبر الأمر خدمةً يسديها لتشين لين.
لمّا اقترب تشين لين وأحد رجال الإدارة من القفص، بدا أنّ الكلب الأسود قد فهم ما يحدث. أخذ يئنّ في اتجاهه ويدور في القفص بقلق واضطراب.
وما إن فُتح باب القفص حتى اندفع الكلب الأسود إلى الخارج بأقصى سرعة، واتّجه مباشرةً إلى قدمي تشين لين، وأخذ يفرك رأسه بساقه بجنون.
استشعر تشين لين مشاعره بوضوح، فانحنى وربّت على رأسه في مواساة.
«عووْف!»
انقلب نباح الكلب الأسود حادًّا مفعمًا بالحماسة.
غادر الكابتن ليو ورجاله سريعًا، وعندما رأى تشين لين أن الأمر قد انتهى، قرّر أن يأخذ الكلب الأسود فورًا لتطعيمه والتخلّص من الحشرات في جسده. ما دام قد تبنّى كلبًا شاردًا، فلا بدّ من القيام بهذه الخطوات كما ينبغي.
كان هناك متجر للحيوانات الأليفة غير بعيد عن السوق. نادى تشين لين على الكلب الأسود، فتبعه ملتصقًا به لا يفارقه.
عندما دخل المتجر، رأى صاحبه رجلًا أشعث اللحية، غير مرتّب الهيئة، منشغلًا بعناية فائقة في تمشيط كلبٍ أليف صغير.
وكان المشهد طريفًا بعض الشيء؛ رجلٌ لا يهتمّ بمظهره كثيرًا، لكنه يلمّع الكلب حتى يبدو في أبهى صورة.
قال الرجل فور أن رأى تشين لين يدخل:
«أهلًا بالضيف!»
ابتسم تشين لين وقال:
«يا صاحب المحل، أريد أن تفحص هذا الكلب، وتُنظّفه، وتُطعّمه، وتُخرِج له دواءً للحشرات.»
لمّا وقعت عين الرجل على الكلب الأسود، بدا عليه الاهتمام:
«هذا كلب مشرّد، أليس كذلك؟»
أومأ تشين لين قائلًا:
«نعم، كان يلازم هذا المكان منذ فترة، وقد قرّرتُ أن أتبنّاه.»
قال صاحب المتجر بدهشة ممزوجة بالرضا:
«إذن أنت محظوظ يا أخي. الكلب الشارد حين يختار صاحبه بنفسه، فهذا يعني أنّ فيه ذكاءً، ويعني أيضًا أنّك تمنحه إحساسًا قويًّا بالأمان. هو يبحث عن بيتٍ دافئ، ويبدو أنّك لم تخيّب أمله…»
وما إن بدأ الكلام حتى بدا كأنّ لسانه لن يتوقّف، لكنّ يديه ظلّتا تعملان بمهارة، فقد شدّ الكلب إلى الداخل، وبدأ بفحصه، ثم غسله، ثم وضع له دواء الطفيليّات، ثم أعطاه التطعيم، وكلّ ذلك بخطوات خبيرة متتابعة.
استغرق الأمر أكثر من ساعة. وعندما انتهى، كان «الكلب الأسود» كأنّه كلبٌ آخر؛ ممتلئ النشاط، نظيف الفراء، وقد تحوّل لونه من الرمادي المتّسخ الملتصق إلى سوادٍ لامع جميل، حتّى إنّ مظهره أصبح وسيمًا.
قال صاحب المتجر بدهشة حقيقيّة:
«أخي، هذه أميرة! لقد جرى تعقيمها من قبل، وكانت على الأغلب كلبةً أليفة مدلّلة، لكن لسببٍ ما تخلّوا عنها.»
«السلالة هي كلب ذئبي أسود، من أذكى الكلاب وأكثرها إخلاصًا. أحسنْ إليها، ولن تخذلك أبدًا.»
«ليس سهلًا أن يختار كلبٌ مشرّد صاحبًا جديدًا. حين تقبل به، تصبح أنت العالمَ كلّه في عينيه.»
«المرأة سترحل عنك وتجرحك، أمّا هو فلن يفعل. وهو قليل المتطلبات؛ كلّ ما يحتاجه هو أن تمنحه من قلبك، ولن يفكّر في تركك أبدًا، ولن يكون ملءُ قلبه صعبًا كما هو حال النساء…»
«…»
فتح تشين لين فمه ولم يجد ما يقول. في البداية ظنّ أنّ الرجل يتحدّث عن الكلب لا غير، لكن مع مرور الوقت، أحسّ أنّ الرجل لا يتحدّث عن الكلب وحده، بل عن نفسه أيضًا، كرجل يحمل حكايةً موجعة في قلبه.
وبينما هو يفضفض، أطلق زفرة مكتومة، ثم قال لتشين لين:
«٢٠٠ يوان للاستحمام، و٥٠ يوانًا لطرد الحشرات، و١٠٠ يوان للتطعيم، و٥٠ يوانًا للفحص. المجموع ٤٠٠ يوان!»
لمّا سمع تشين لين هذا الرقم، لم يملك إلا أن يتنهّد في سرّه: غالي جدًّا!
وربّما عندها فقط فهم لماذا يعتني صاحب المتجر بالكلب بهذا القدر من الإتقان؛ فكلّ ذلك يعني مالًا يدخل جيبه.
سأله صاحب المتجر:
«هل تريد طوقًا للكلب أيضًا؟ القوانين الآن صارمة، من الأفضل أن تخرج به مربوطًا دائمًا! وخُذ كيسَين من طعام الكلاب أيضًا.»
أومأ تشين لين قائلًا:
«حسنًا، أعطني طوقًا للكلب وكيسَين من طعام الكلاب.»
أخرج صاحب المتجر سلسلةً للكلب، وكيسين من طعام الكلاب من خلف الطاولة، وسلّمهما لتشين لين، وهو يقول:
«٥٠ يوانًا للسلسلة، و٣٠٠ يوان لطعام الكلاب. المجموع ٧٥٠ يوان!»
عندها أدرك تشين لين حقًّا لماذا يوجد هذا العدد من الكلاب الشاردة في مقاطعة يوتشنغ؛ لقد أنفق للتوّ ٧٥٠ يوانًا في لحظة واحدة.
متوسّط الرواتب في المقاطعة لا يتعدّى ٣٠٠٠–٤٠٠٠ يوان، ومن الواضح أنّ تربية حيوان أليف تفرض عبئًا كبيرًا على الكثيرين. لذلك، لا يجوز للمرء أن يقرّر تربية كلب هكذا بدافع اللحظة؛ وإلّا فإنه يؤذي نفسه والآخرين.
بعد أن دفع الحساب، التقط تشين لين طوق الكلب وهمّ بأن يضعه في عنق «الكلب الأسود»، لكن المفاجأة أنّ الكلب هو من تقدّم برأسه نحوه من تلقاء نفسه، متعاونًا إلى أقصى درجة.
عندما رأى صاحب المتجر هذا المشهد، تنهد بإعجاب:
«هذا الكلب ذكي جدًّا بحق. لو درّبته قليلًا، يمكن أن يصبح نجمًا على الإنترنت. لكن من سوء حظّه أنّه اختارك أنت بالذات سيّدًا له.»
حين خرج «الكلب الأسود» من متجر الحيوانات الأليفة، بدا أكثر حيويّةً وشموخًا؛ فهو يدرك في قرارة نفسه أنّه قد وجد بيتًا من جديد.
بعد ذلك، قاد تشين لين الكلب الأسود إلى لجنة الحيّ. فالحصول على «رخصة كلب» يتطلّب توقيع اللجنة وتسجيل البيانات، كما كان عليه إحضار بيانات هويّته الشخصيّة، ثم الذهاب لاحقًا إلى مركز الشرطة لتسجيل الكلب رسميًّا.
ما دام قد قرّر تبنّيه، فلا بدّ من إنهاء كل هذه الإجراءات، من أجله هو ومن أجل الكلب أيضًا.
غير أنّ هذه الأمور كانت مرهقة ومتشعّبة؛ وبحلول المساء كانت الفراولة الحمراء والبامية في اللعبة قد نضجت من جديد.
لم يجد بدًّا من تأجيل إتمام الرخصة إلى الغد؛ فعاد إلى متجره أوّلًا، وقطف الفراولة والبامية في اللعبة. هذه المرّة حصل على ٥ أرطال من بامية «جودة ٢».
وبعد أن زرع بذورًا جديدة، ترك «الكلب الأسود» في المتجر، ثم توجّه إلى المخزن لينقل كلّ شيءٍ من اللعبة إلى الواقع.
بعد أن أرسل هذه الدفعة إلى هايبر آر تي–مارت، بلغ إجمالي الكميّات اليوم ٦١٠ أرطال من الفراولة الحمراء، و٣١١٠ أرطال من البامية.
هذه المرّة، نزل المدير تشين بنفسه إلى مكان الاستلام.
قال مبتسمًا:
«الرئيس تشين، هل أنهيتَ التسليم؟»
ثمّ بادر إلى أخذ كشف الكميّات وإمضائه، وهو يفيض حماسةً وودًّا.
كان تشين لين يعرف سبب هذا الحماس. ابتسم وتوجّه إلى مؤخرة «الشاحنة الثلاثيّة العجلات» وأخرج كيسًا، ثم قدّمه إلى المدير تشين قائلًا:
«المدير تشين، هنا خمسةُ أرطال من البامية المزروعة خصّيصًا. بذلتُ جهدًا كبيرًا لأحصل عليها من شخصٍ آخر.»
لم يُخرج كلّ أرطال «بامية الجودة الثانية» العشرة. فكلّما ازداد توتّر المدير تشين وتعطّشه، ازداد هو تمهّلًا وإبهامًا.
تناول المدير تشين الأكياس الخمسة من البامية عالية الجودة وهو في غاية السرور، ثم جذب تشين لين إلى جانبٍ بعيد وهمس له:
«الرئيس تشين، أثقلتُ عليك هذه المرّة. أرجوك بذل المزيد من الجهد في المستقبل. طالما أنّك تستطيع أن تُدبّر لي بعضًا منها كلّ يوم، فسأدفع لك ثمنها بسعر الفاتورة الرسميّ.»
معنى هذا الكلام أنّه مستعدّ للتنازل عن عمولته فيها!
ويبدو أنّ المدير تشين قد قرّر أن «يستثمر» الكثير في سبيل حياةٍ جنسيّة أفضل.
لذلك، عندما غادر تشين لين بعد ذلك، وجد أنّ التسوية قد زادت قليلًا، إذ تمّ الدفع كلّه وفق سعر الفاتورة.
سُعِّرت الفراولة بـ٣٢ يوانًا للرطل، فبلغ ثمن ٦١٠ أرطال ١٩٥٢٠ يوانًا. وسُعِّرت البامية بـ٦٫٥ يوان للرطل، فبلغ ثمن ٣١١٠ أرطال ٢٠٢١٥ يوانًا. وأضيف إليها ثمن خمسة أرطال من «بامية الجودة الثانية» للمدير تشين نفسه بسعر ٢٠٠٠ يوان، فكان مجموع دخل اليوم: ٣٩٧٣٥ يوانًا، أي إنّ دخله اليوميّ قد اقترب من ٤٠ ألف يوان.
وبذلك تجاوز رصيد بطاقته المصرفيّة رسميًّا حاجز الـ٣٠٠ ألف يوان، إذ وصل إلى ٣١٨٤٨٢ يوانًا.